حوليات مجمع اللغة العربية في مصر تذكر ولا تنسى وقائع, وأحيانا مواقع الجدل والخلاف الذي كان يحتدم من حين إلى آخر بين اثنين من اكابر المجمعين وهما الدكتور طه حسين والأستاذ عباس محمود العقاد , إذ كان (الشيخان) يختلفان ويتجادلان في شأن تحديد المفاهيم وتعيين التعريفات التي تصدق على الألفاظ والمصطلحات, كأن يأتي إلى المجمع مثلا أستاذ أكاديمي مجتهد من العلماء المتضلعين في علوم النبات أو الطب أو العقاقير أو غيرها فيطرح مجموعة من المصطلحات التي يكون قد توصل إليها بعد جهد علمي جهيد طالبا من المجمع اللغوي الموقر تدارسها واقرارها وإذ كان العقاد يشرع في مناقشة هذا الزاد اللغوي البالغ الثراء.. كان طه حسين يعمد إلى الرجوع بالأمر كله إلى المنطلقات والبدايات وكان ذلك يكلف المجمعين في جلساتهم الكثير الكثير من الوقت والجهد والعناء. يصر طه حسين على أن يبدء العمل بمناقشة أمور المنهج المستخدم وان يتوصل المجمع العلمي إلى مناقشة ومن ثم الاتفاق حول التعريفات التي تحدد بالضبط وبالدقة المعاني التي تنصرف إليها الألفاظ والمصطلحات. أهمية ضبط اللغة وما كان (العميد) إلا محقا الحق كله فيما كان يذهب إليه صحيح ان الأمر كان يستغرق الكثير من الجهد والشديد من العنت لكن ضبط المصطلحات ومن ثم ضبط اللغة المستخدمة في ألفاظها ودلالاتها ومعاناتها واشاراتها ورموزها كان أمرا من الأهمية بمكان, وهو لا يزال كذلك على وجه التأكيد والتحقيق, ألم يقل حكيم الصين يوما: إذا أردتم تقدم أمة فعليكم بضبط ألفاظ لغتها. وسواء جاء هذا القول على لسان كو كنفوشيوس أو كان تلخيصا لحكمة الشرق الأقصى القديم فإنه يدل على ان اللغة ـ لغة القوم ولسان الشعب وترجمان الأمة ليست بالأمر الهين, ولا هي بالقضية التي تؤكد على محمل البساطة أو التساهل بحال من الأحوال, وإذا كان الأستاذان العقاد وطه حسين وهما من معلمي جيلي النهضة العربية المعاصرة قد انشغلا بشكل أو بآخر في أمر اللغة وضبط مصطلحاتها وتجادلا فيه إلى حد ليس بالقليل, فقد كان ذلك يتم في الأربعينات من القرن حيث كانت اللغة مصانة إلى حد ليس بالقليل على ألسنة المثقفين وإذا كانت شبه محصورة ومتداولة على ألسنة النخبة من الناطقين بالعربية الفصحى الذين كانوا يأخذون لغتهم في غالب الأحيان عن قارئ القرآن الكريم في مراحل الدراسة الأولى ومن بعد عن معلمي العربية من خريجي الأزهر وكلية دار العلوم وكانا في مقدمة الحصون التي تسهر على سلامة العربية وتنافح عن نقائها واتساقها ورفعة شأنها. ولم يذكر أبناء أجيال سبقت ان الدنيا كانت تقوم ولا تقعد عندما يصادف قارئو الصحف خطأ لغويا في كتابة تحقيق صحفي أو في تحرير خبر, ناهيك عن عنوان مقال, ويذكر المخضرمون من أهل الإعلام الإذاعي بالذات كيف كان الفرد منهم يقف أمام الميكروفون وهو في حال من التوتر المهني المشدود خوفا من الوقوع في خطأ لغوي أو في أصول نطق الألفاظ أو تحريك الحروف أو في مجافاة قواعد الأداء من حيث الساكن والمعلول. ولم يكن الأمر مجرد حرص على سمعة الإعلامي لدى جمهور المستمعين فقط, بل كان يصدر أيضا عن خشية اللوم الوظيفي الذي كان يمكن ان يلقاه الموظف الإعلامي المسؤول من مسؤول أعلى إذ كان هناك من يكلفون برصد الأداء اللغوي للمذيعين, دع عنك ان تنتاب المرء حالة اشبه ما تكون بالخزي المهني يشعر به بين الأقران من زملاء المهنة وأهل الصنعة إذا ما بدرت منه أخطاء بحق اللغة في نحوها أو صرفها أو تراكيبها أو أصول نطق ألفاظها. ونحسب ان هذا الانضباط اللغوي, كما قد نسميه, مرجعه ما نصه أيضا بأنه يقظة الضمير النقدي المشترك أو العام في المجتمع بمعنى ان كان ثمة حاسة نقدية تسود أوساط المجتمع وتتولى في كل لحظة عمليات الفرز والتمييز والتمحيص وعينها في كل لحظة أيضا على سلامة اللغة وتنقيتها من شوائب التهجين والتصحيف والركاكة والتخليط. عن النهضة العربية الحديثة ويمكن القول بأن هذا الذي أسميناه بالضمير النقدي الجمعي في المجتمع العربي كان يصدر بدوره عن شعور ساد شعوب هذه الأمة العربية بأنها حال من التوثب والصعود كي تستشرف آفاقا جديدة في حياتها الفكرية والعملية في آن وهو شعور في غاية الإيجابية صاحب مرحلة الاستقلال عن الاستعمار الأوروبي التي اجتازتها أقطار عربية شتى, في المشرق بالذات منذ العقود الأولى من القرن الحالي وسبقتها ارهاصات النهضة الثقافية التي لاحت منذ ستينات القرن الماضي وكانت بدورها تتطلع إلى الوثوب والنهوض مستقلة عن الاستعمار والاستبداد التركي الذي جثم على صدر الوطن العربي نحو أربعة قرون , مما أدى إلى تعطيل الحياة الثقافية واعاقة الدفق المعرفي في شرق العالم العربي ومغربه ثم ازدادت خطورة هذه الظاهرة الاستعمارية الطورانية وبشكل تناسبي في ضوء ما كانت أوروبا الغربية تقطعه في نفس المرحلة في مضمار العلم والمعرفة والتوجه النهضوي من أشواط وما كانت تحققه في تلك الميادين من منجزات. وجاءت الخمسينات ونحسب أيضا أن جاءت الخمسينات من القرن الحالي لتشهد اكتمال ونضوج الصعود العروبي إلى حيث لاحت أمام شعوب الوطن العربي ملامح مشروع قومي كبير وطموح يبدأ من حيث وعي الذات القومية وايقاظ الحس القومي المشترك المستكن في أعماق الضمير, وقد لا ينتهي عند اندفاعه المد العروبي وطموحاته إلى ان يشارك العرب في بناء كيان وحدوي يستلهم بصورة أو بأخرى قوانين النصف الثاني من القرن العشرين في مجالات العلم والمعارف والتقدم التكنولوجي. وكان طبيعيا في اطار هذه النزعة النهضوية ان يسود الاهتمام باللغة العربية بوصفها أداة لهذا التواصل القومي من جهة وبوصفها وسيلة هذا التوق إلى التنمية الفكرية والعلمية والمعرفية أيضا. ولم يكن صدفة مثلاً ان يقع الاختيار الجمعي على اللغة العربية لتكون الركيزة الأساسية في بنية الانتماء القومي والوشيجة الجوهرية التي تربط بين أبناء وشعوب الأمة العربية في الواقع والحضارة وفي التاريخ وفي هذا يقول جمال عبد الناصر وهو رمز تلك المرحلة منذ منتصف القرن: ( ان الأمة العربية لم تعد في حاجة إلى ان تثبت حقيقة الوحدة بين شعوبها, لقد تجاوزت الوحدة هذه المرحلة وأصبحت حقيقة الوجود العربي ذاته.. ويكفي ان الأمة العربية تملك وحدة اللغة التي تصنع وحدة الفكر والعقل. وبديهي ان سبق عبد الناصر إلى ادراك هذه الوشيجة اللغوية التي تشكل واحدا من أسس الوجود والانتماء القومي مفكرون كثيرون كان على رأسهم الاستاذ ساطع الحصري الذي عمد إلى صوغ نظريته في القومية على أساس وحدة اللغة بوصفها وعاء الفكر من جهة وأداة التواصل المعرفي ونقل الزاد الثقافي بين الأجيال العربية من جهة أخرى, وكان الحصري متأثرا فيما ذهب إليه بالمدرسة القومية الألمانية بالذات التي قالت على لسان الفيلسوف الألماني (فختة) بالذات بوحدة اللغة التي تصوغ وحدة الأمة في مقابل مدارس أخرى في الفكر القومي منها مثلاً المدرسة الفرنسية التي خالطها دعوات إلى إقامة الكيان القومي على أسس عرقية تميز بين الشعوب والأقوام على أساس انتماءات العنصر أو الدم أو الأرومة كان في هذا كله إعلام من الجانب العربي للأسس الحضارية في الكيان والنزوع القومي على الأسس العرقية والانتماءات العنصرية. ولقد نقف عند عقد السبعينات من هذا القرن ونتصور انه كان بداية الانكسار والتحجيم ومن ثم الشحوب والتشويه الذي أصاب اللغة العربية على نحو ما نشهده في هذه الأيام. عاملان أساسيان ونحسب كذلك أننا بازاء عوامل أساسية ثلاثة أفضت إلى هذا الذي نشهده ونحذر من تناميه أو استفحاله: العامل الأول تجسد في الاحباط الذي أصاب المشروع القومي العربي سواء بفعل التقاتل الداخلي العربي أو بفعل الآثار السلبية ــ النفسية بالذات التي نجمت عن كارثة انهيار تجربة الوحدة المصرية ـ السورية في عام 1961, ومن ثم عن انكسار يونيو عام 1967 وإذا كان دور الفرد في التاريخ هو دور الفرد في مطلق الأحوال , وهو دور له حجمه وله قيوده في التحليل الأخير.. إلا ان رحيل جمال عبد الناصر في مثل هذه الأيام منذ 28 عاما ــ سبتمبر 1970, كان له بدوره الأثر البالغ في (توهين) دعوة القومية بكل ما تنطوي عليه من احباط اندفاعتها واضعاف مدها وكشف مكامن ضعفها, صحيح ان عبد الناصر كان الرمز والتجسيد الأبرز والأبلغ لدعوة القومية العربية, لكن هذا أمر نظن انه يحسب على الأمة والفرد ولا يحسب لهما فقد يصلح مثل هذا الترميز والتجسيد في مدارس الفكر ومسالك العلم ولكنه لا يصلح في بناء الأمم وقيادة الشعوب ففي مجال العلم يكون الفرد رأسا لمدرسة فكرية وفي مجال البناء القومي ينبغي ان يكون الفرد على رأس مؤسسة لها بنية أساسية وهياكل نظامية وآليات ناشطة تحول الشعار إلى مبدأ وتترجم المبدأ إلى واقع عملي ملموس. رحيل عبد الناصر وأيا كان الأمر, فلا شك ان رحيل عبد الناصر ترك فراغا في مسيرة الفكر القومي بحجم المكانة الهائلة التي كان يحتلها الزعيم في وجدان أمته وقد انعكس هذا الفراغ سلبا على شتى مرافق الحياة العربية القومية وفي مقدمتها مرفق اللغة وهو المرفق الأشد حساسية ازاء المتغيرات. العامل الثاني الذي فاقم ظاهرة الاستضعاف اللغوي كما قد نسميها جاء ممثلاً في ذلك الانفجار الاتصالي المعلوماتي والمعرفي الذي شهد الثلث الأخير من القرن الحالي. ولا ندري ما الذي كان يمكن ان يقوله أمير الشعراء العرب أحمد شوقي الذي كان يتصور ان آية هذا الزمان.. الصحف أو مقولة رفيقه ومعاصره حافظ ابراهيم الذي ملأ ديوانه أوصاف المأخوذ أو المشدوه بالغواصة أو الطيارة.. أو مقولة شاعر رصين آخر هو محمود غنيم الذي يخصص واحدة من قصائده في وصف الاذاعة أو الراديو كما كانوا يعلمون التلاميذ في زمن فات يلفتون انظارهم الغضة إلى الراديو, انه الاختراع الآسر الفاتن الذي يأتيك بالأخبار مذاعة على اجواء الفضاء فيحمل إليك أخبار الأقطار القصية والشعوب البعيدة وانت جالس في مكانك لا تبرحه على نحو ما كانوا يعلمون التلاميذ أيضا حين يكتبون أو يدبجون مواضيع الانشاء لا ندري ماذا كان سيقوله هؤلاء في وصف آية زماننا مجسدة في شبكة الاتصال الدولي ــ الانترنت. العالم ضاحية اتصالية وكم هي شهيرة ذائعة تلك القولة المنسوبة إلى البروفيسور الاعلامي الكندي مارشان ماكلوهان بأن العالم صار بفضل الاتصالات الفضائية قرية الكترونية ومع ذلك فهي قولة على حداثتها, تجاوزها الزمن أو يكاد, اذ أصبح العالم بمثابة (ضاحية الكترونية) لا يتم على صعيده الاتصال بل هو التواصل على مستوى من الحميمية والتداخل لدرجة لها خطورتها في بعض الأحيان, وكم كتبنا في مواقع شتى منذ نحو 20 عاما ننبه قومنا إلى ان الرسالة الإعلامية سوف تتجاوز حدود الأمصار وقيود الرقابة الرسمية وقوانين الحكومات كي تدخل مباشرة إلى غرفات النوم وقاعات الطعام , وكنا نحسب أنفسنا غافلين طبعا نتكلم من موقع الريادة حيث كان العصر وقتها يقضي باستقبال الرسالة المذاعة بالقمر الاصطناعي, وبواسطة محطات الاستقبال المنصوبة في هذه الدولة أو تلك وكان قصارى وعينا, مع أول الثمانينات هو التنبيه إلى ان التطور الاتصالي سوف يستغني عن محطات وأطباق الاستقبال الحكومية أو المؤسسية فيتم الاستقبال دون واسطة وبشكل مباشر من القمر إلى الفرد أو الأفراد المتلقين فما بالك وقد جاء عصر الانترنت فأصبح الفرد مستقبلا ومرسلاً في آن وأصبح الأفراد يلتقون على مقاهي الانترنت ويتصادقون ويتعارفون مشرفين على طريق المعلومات السريع (سوبر هاي واي) ويتراسلون, ولا يعلم إلا الله عم يتراسلون, في صمت ودأب فتقطع رسائلهم, أكثر من مرة, خطوط الطول والعرض حيث أصبح كوكب الأرض كرة يتقاذفونها فيما بينهم. كيف ترك هذا الانفجار الاتصالي آثاره وبصماته على لغتنا العربية؟ وكيف قيض الله سبحانه للعربية مرحلة من أول لحظة انتعاش عرفها العالم واعترف بها وكان ذلك على وجه التحديد في عام 1974, ثم ما لبثت لغتنا ان ركنت إلى حال آخر من الوهن والغربة أو الاستضعاف اللغوي كما اسميناه؟ أسئلة يجيب عنها ان شاء الله في الجزء الثاني والأخير من هذا الحديث.