لم يكن الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن سعود مجرد ملك أو زعيم أو قائد فحسب, ولكنه كان من الصنف الممتاز من الرجال الذين دخلوا التاريخ تحت اسم البناؤون العظام . والثابت ان الملك عبدالعزيز أسس دولة وأنشأ نظاما, وتلك مهمة تعهد بها المقادير لرجال لا يتكررون بسهولة. وذلك ان تأسيس الدول وانشاء النظم يحتاج أول ما يحتاج إلى إدارة تستطيع في لحظة استثنائية أن تحرك التفاعل الكيميائي الخلاق بين الجغرافيا والتاريخ, مما يولد ويفجر طاقة فعل هائلة. وفي تأسيس الدول وانشاء النظم فإن مشروعية الفعل تتأتى من ضرورته الطبيعية والإنسانية ومن لزومه للأمن والعمران في موقع معين من الأرض, وقد كان القلب من شبه الجزيرة العربية في حاجة إلى دولة وإلى نظام بعد قرون طويلة حكم فيها الاهمال وسادت الفوضى. وأمام هذه الخريطة المثقلة بالخطوط والألوان فإن مشروعية العمل الذي قام به الملك عبدالعزيز تكسب لنفسها أرضية وقاعدة, بل ونوعا من الحتمية التاريخية. وما جعل قصة الملك عبدالعزيز واضحة هو ان تمام دور الرجل في التاريخ توافق مع نهاية عمره في الحياة, ثم بدأ بعد ذلك فصل أو فصول جديدة وذلك ان الدول تعيش بعد مؤسسيها حياة منفصلة عنهم ومستمرة بعدهم. هذه السطور من الملك الاسطوري عبدالعزيز كتبها رجل صاحب موقف مستقل, ومن النوع الذي يقول كلمته ويمشي, يمشي إلى البيت أو إلى السجن.. لا شيء يهم. انه الكاتب السياسي المعروف على مستوى العالم محمد حسنين هيكل. والمناسبة التي كتب فيها هيكل هذا الكلام جاءت في مقدمة كتاب (لسراة الليل هتف الصباح) لمؤلفه الشيخ عبدالعزيز التويجري وهو أحد الشباب الذين اتخذوا من الملك عبدالعزيز قائدا وقدوة ومثلا أعلى. وإذا كان لهيكل تحفظات وملاحظات هنا وهناك, فإنه لم يتردد في وصف الملك عبدالعزيز بما يستحقه. فقد حقق الرجل الكبير معجزة بكل المقاييس, فقد أنشأ دولة في حجم قارة.. وأشاع فيها الأمن والأمان والأمانة. وقبل ظهور دولته على الخريطة كان الإنسان لا يأمن على ماله أو على أسرته أو على نفسه في أي وقت. وكان قطع الطريق مهنة يحترفها أغلب الناس من الطامحين والطامعين وغيرهم من الباحثين عن شيء يسد الرمق ويحفظ الحياة. وكانت امبراطورية الرمال المترامية الأطراف هي مجموعة من القبائل المتفرقة والمنعزلة. ولم يكن لهذه القبائل أي اهتمامات بما يجري خارج الحدود, وكل ما يعنيها هو ما يجري في صفوف القبائل المعادية. وفي وسط هذا الجو الذي لا يساعد على اقامة مجتمع حقيقي بدأ الملك عبدالعزيز رحلته الطويلة لبناء دولته. ومن خلال المكاتبات التي كان يتبادلها الملك عبدالعزيز مع مشايخ القبائل من جهة وعلماء الدين من جهة أخرى والتي انتقاها المؤلف بعناية فائقة. من خلال هذه الرسائل ستضع أصبعك على السر في نجاح الملك عبدالعزيز في انجاز مهمته الصعبة التي كان البعض يراهن على انها مستحيلة. انه رجل من النوع الاستثنائي الذي تعهد إليهم الأقدار بالمهام العظيمة, فهو يعرف جيدا متى يعفو ومتى ينفذ أحكامه الصارمة. كما انه رجل يجيد حشد القبائل حوله بالمفاوضات والمعاهدات والمصالح المشتركة والمصاهرة. وهو مدرسة لصنع الرجال واختيار أصلبها إلى جانبها حنث الدويش أكثر من مرة بعهده ومع ذلك عفا عنه ليس مرة واحدة ولكن ثلاث مرات. وعندما احتدم القتال بينه وبين أعدائه واحتاج المجهود الحربي إلى المال, وأعطى رسائله إلى أحد رجاله المخلصين الذي انطلق بها إلى القبائل في أعماق الصحراء, وعاد إليه بعد فترة ومعه عشرة أمثال المبلغ الذي كان يتوقعه. وعندما استتب له الأمر في الرياض وفي نجد كلها, لم يلجأ للراحة لان هدفه الحقيقي كان السيطرة على كل الأرض التي تمتد من الحدود الأردنية شمالا إلى الحدود اليمنية جنوبا. وعندما تحقق له ضم الحجاز. وكان مرتعا لقطاع الطرق وسلب كل ما يحمله الحجيج معهم. لم يشأ عبدالعزيز الدخول معهم في معركة, ولكنه حل المشكلة حلا يكشف عن خبرته الطويلة بأحوال الناس ونظرته العميقة كقائد يتصدى لمشكلات حقيقية. لقد وعد رؤساء القبائل التي كانت تحترف قطع الطريق بمكافآت سنوية تساوي ما كانوا يحققونه من وراء سلب حجاج بيت الله الحرام. وصدق وعده فلم يقطع عنهم ما وعدهم به حتى انفرجت الأحوال وتدفق الخير على البلاد. ولقد حاول البعض أن يصرفه عن مشروعه بالتنقيب عن البترول في بطن الأرض. ووصفوا الخبراء الأجانب الذين حضروا إلى المملكة للبحث عن الذهب الأسود بالكفار وأفتى هؤلاء المعارضين أن التنقيب عن البترول حرام, ووجود الخبراء الأجانب على أرض المملكة حرام. ولكن الملك لم يقبض على المعارضين ولم يلق بهم في السجون ولكنه دخل معهم في حوار حتى اقتنعوا جميعا. ولا شك ان تفجر البترول من أرض المملكة. ثم تدفق الخير بعد ذلك جعل الجميع يؤمنون ببعد نظر الملك وحسن إدراكه لدوره كزعيم. وبالرغم من المشاغل والمشاكل فلم ينس الملك عبدالعزيز دوره كوالد ورب أسرة, خطابات من الرجل الكبير إلى أبنائه سعود وفيصل ومحمد وخالد وفي الرسالة دروس لمن يتصدى لتولي أمور الناس. انه يحذرهم بشدة من المساس بالمال العام, لا من قريب ولا من بعيد. ويشفع هذه الرسالة بأخرى إلى أمين بيت المال يحذره من الاستجابة لأي طلب يصله من أولاده, وينذره بأنه إذا فعل شيئا من ذلك فسيكون خصما من ماله الخاص. كان الملك عبدالعزيز يدرك بوضوح انه الفصل بين المال العام والمال الخاص هو أول خطوة على طريق بناء الدول وانشاء النظم. وان التفريط في هذا الأمر هو بداية النهاية. ثم يبقى بعد ذلك أن نقترب من المؤلف. انه الشيخ عبدالعزيز التويجري أحد الشباب الذين آمنوا بقدرة الملك عبدالعزيز وساروا من خلفه إلى النهاية وكان في شبابه يتولى منصبا هاما في قريته (المجمعة) أمين بيت المال. وهي وظيفة غريبة لانه لم يكن هناك بيت ولا مال. ولعل من حسن الحظ انه تعلم القراءة والكتابة. ثم تفرغ بعد ذلك لتثقيف نفسه بنفسه, أما الحكمة وحسن الإدارة واتساع الأفق فهي موهبة وتجربة. وهو موهوب وصاحب تجربة عريضة, بالاضافة إلى انه حاصل على الدكتوراه مع مرتبة الشرف من أعظم جامعات العالم.. وهي جامعة الصحراء. نفس الجامعة التي تخرج منها عمرو بن العاص ومعاوية! وبعد... كتاب لسراة الليل هتف الصباح, هو كتاب كبير عن رجل عظيم من هذا الطراز من الرجال الذين لا يتكررون بسهولة, والذي تختارهم المقادير في لحظة استثنائية للقيام بمهمة عظيمة هي تأسيس الدول وانشاء النظم. والملك عبدالعزيز كان واحدا من هذا الطراز العظيم كما وصفه محمد حسنين هيكل بحق... وعن جدارة واستحقاق!