من المواضيع الجديرة بالدراسة الجادة خصائص النظم الضريبية, ولم يحظ هذا الموضوع بما يستحقه من الدراسة, ومرد جدارة هذا الموضوع بالدراسة ان من شأن هذه الدراسة أن تسهم في تسليط الضوء على القوى المالكة للمال والمؤثرة, بالتالي في العلاقات السياسية بين الجماعات البشرية في الدولة التي تتكون من أرض وشعب وفئة حاكمة ذات سلطة عليا تدعمها القوة, والعلاقات السياسية هي العلاقات التي يجري في اطارها تأثير أفراد وجماعات في . في دول العالم على مر القرون طبقت نظم ضريبية مختلفة وكانت لتلك النظم خصائص مختلفة, ومن هذه الخصائص خاصية هوية الفئة التي تتحكم بالأموال الضريبية المحصلة, وخاصية الفئات التي تفرض الضرائب عليها خلال التاريخ البشري اختلفت الطبقات والجماعات التي تحملت دفع العبء الأكبر من الضريبة, ان الجماعات والطبقات الفلاحية أو التجارية أو الوسطى أو العمالية أو الفقيرة أو الثرية أو خليطا متنوعا ومتغيرا من هذه الجماعات والطبقات كانت في هذه الدولة أو تلك أو في هذا العهد التاريخي أو ذلك المتحملة للعبء الأكبر للضرائب, على سبيل المثال كان الفلاحون في المشرق العربي في أواخر الحكم العثماني الطبقة الأكثر تحملا للحمل الضريبي, مما زاد حياتهم التعيسة وحالتهم البائسة تعاسة وبؤسا. وثمة خاصية أخرى هي النسبة بين الضريبة التي تفرض على فئة من الفئات ودخلها المالي, خلال التاريخ البشري في مختلف الدول كانت نسبة الضريبة المفروضة على الشخص الى دخله المالي قليلة غير منهكة أو معتدلة معقولة أو كبيرة باهظة تقصم ظهر ذلك الشخص وتضعفه ماليا وتؤثر سلبيا في مشاريعه أو أعماله التجارية. ومن الخصائص ايضا وجوه انفاق الأموال الضريبية المحصلة, التاريخ البشري في العصور القديمة والوسطى والحاضرة حافل بالفئات التي كانت انفاقها لأموال الضرائب المحصلة من أنواع مختلفة, من هذه الأنواع الانفاق بالدرجة الأولى على الشعب أو على الطبقة الحاكمة أو الانفاق على فئات أخرى في المجتمع. وثمة خاصية أخرى وهي هوية الفئات التي تقوم بتحصيل الضرائب المفروضة وطبيعة العلاقة بين هذه الفئات والسلطات الحكومية التي تقوم بتكليفها بالتحصيل. لقد اختلفت الدول خلال التاريخ البشري فيما يتعلق بهوية الموظفين الحكوميين الذين كانوا مكلفين بتحصيل الضرائب, أولئكم المحصلون كانوا مخلصين في نقل الأموال المحصلة الى السلطات الحكومية المعنية أو أشخاصا معنيين بجني الأرباح عن طريق تحصيل الضرائب المفروضة لقاء دفعهم مبلغا ماليا معينا الى السلطات الحكومية أو أشخاصا يندرج هدف تحصيلهم في أنواع غير النوعين المذكورين أعلاه. لقد كانت الحكومة العثمانية في أواخر الحكم العثماني تعين وفقا لنظام الالتزام اشخاصا ملتزمين بتحصيل الضرائب لأنفسهم لقاء مبلغ مالي يدفعونه لها, وكانوا يغالون في فرض الضرائب على السكان, وخصوصا الفلاحين في المشرق العربي, وأقام الرومان في عهد من عهودهم محكمة ابتزاز مكنت سيسرو وغيره من مقاضاة محصلي الضرائب المغالين, وفي بعض الدول الأوروبية في العصور الوسطى كان دافعو الضرائب ينعمون بنظام يقوم على الاعتقاد بأن الملك الذي يغالي في تقرير المبالغ الضريبية المفروضة يرتكب خطيئة يعاقبه الله عليها, أما الملك الذي يتوخى العدالة في فرض الضريبة فسيجد الذهب في خزانته. ولهذه الخصائص آثارها القوية في العلاقات الاجتماعية وتقوم علاقات متبادلة قوية بين هذه الخصائص, إذا تعرضت الطبقات الفلاحية والعمالية للعبء الأكبر من الضرائب تضرر القطاع الزراعي وقطاع الانشاء والخدمات, وإذا تعرضت الطبقة الوسطى للعبء الأكبر من الضرائب خف الضغط الواقع على الطبقة ذات الدخل الأقل ولم يصب الطبقة ذات الدخل الأكبر من العبء الضريبي ما يجب أن يفرض عليها نظرا الى ذلك الدخل الأكبر. وإذا حظيت الطبقات الشعبية العمالية والفلاحية بقدر أكبر من انفاق الضرائب المحصلة عليها, اسهم ذلك في تحسين وضعها الاقتصادي والاجتماعي والنفسي, وقلت الى حد معين التباينات الاجتماعية والاقتصادية, واذا حظيت الطبقة الحاكمة بقدر أكبر من انفاق الضرائب عليها, اسهم ذلك في توسيع الفجوة بينها وبين الطبقات الاخرى, وفي تعرض هذه الطبقات للضغوط الاقتصادية والاجتماعية, وبالتالي في اضعاف صوتها السياسي. واذا قلت نسبة الضريبة المدفوعة الى الدخل أمكن لدافعي الضريبة أن يحظوا بقدر أكبر من دخلهم وأن يستعملوه في مجالات الحياة التي يختارونها وتوفرت لديهم قدرة أكبر على توجيه ذلك الدخل الوجهة التي تساعد, في رأيهم في النهوض بهم اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا, وقل اعتمادهم على السلطة الحاكمة وتمتعوا بقدر أكبر من الحرية أو بقدر أقل من القمع, وإذا كانت نسبة الضريبة الى الدخل كبيرة أسهم ذلك في اضعاف حالتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وإذا كان المحصلون للضرائب موظفين حكوميين مأجورين (بمعنى دفع أجور لهم لقاء تحصيلهم), دون أن يكونوا في تحصيلهم للضرائب محفزين بتحقيق أرباح شخصية قل تعرض دافعي الضرائب للغبن والقمع والاكراه, وتعززت امكانية نشوء هامش لازم لأن يسائل دافعو الضرائب السلطات الحكومية عن طرق حساب الضريبة والقضايا المتعلقة بذلك, والأخذ بنظام الالتزام أو بنظام يشبه نظام الالتزام من شأنه أن يعني تعريض دافعي الضريبة للقهر والاكراه والبؤس, وأن يعني استعمال الملتزمين للسلطة الحكومية أداة لتحقيق مآرب الملتزمين المالية الجشعة الظالمة الوحشية. وإذا كانت الفئات التي تفرض الضريبة عليها فئات عمالية زادت زيادة كبيرة نسبة الضريبة الى دخل تلك الفئات المالي بالنظر الى الدخل المحدود نسبيا لتلك الفئات, وإذا كانت غاية المكلفين بتحصيل الضرائب تحقيق الربح الأكبر لهم قل التوجه الشعبي في العلاقات بين هؤلاء المكلفين والسلطات الحكومية. وإذا كانت الأموال الضريبية المحصلة تفرض في المقام الأول على الطبقة الحاكمة تعرضت الطبقات غير المنتمية الى الطبقة الحاكمة لعبء ضريبي أقل, وإذا زاد جشع الملتزمين أو المكلفين بتحصيل الضرائب زاد قهر الفئات الشعبية المتعرضة لدفع الضرائب, وقل الانفاق الحكومي عليها, وتوطدت علاقات المصلحة الاقتصادية بين الملتزمين بتحصيل الضرائب والسلطات الحكومية التي تكلفهم بتحصيلها. وفي الختام فان النظم الضريبية بخصائصها المختلفة أسهمت اسهاما كبيرا في تشكيل العلاقات الاجتماعية وبالتالي التاريخ البشري والحضارة الانسانية, ويمكن تحديد هوية جزء كبير من التاريخ البشري بالعلاقات المتبادلة بين النظم الضريبية المأخوذ بها والمفروضة, من ناحية وكيفية تعامل فئات المجتمع معها, من ناحية أخرى. أستاذ الدراسات الشرقية بجامعة اسيكس كاونتي الولايات المتحدة*