أرى ان موضوع (الارهاب)قد اصبح الآن مهمة شاقة من مهمات الحكومات, وبالذات بعضها العربي, بدل ما هو تهمة موجهة من الغرب تقتضي منا الذهاب الى خنادق الدفاع, أو السقوط في سياسات ردود الفعل . (الارهاب) كموضوع, هو انتاج طبيعي لظروف حكم وإدارة, لا يمكن القضاء عليه دون النظرة الجدية لتغيير هذه الظروف, وامتلاك الشجاعة الكافية لمواجهة النفس! ... لن أتوسع في تحليل أو تعريف اسباب الظاهرة وربطها بالظروف الدولية, أو تقلبات المصالح الكبرى, أو ارجاعها الى ايام الحرب الباردة, فذلك أمر يدفعنا, دون ان ندري, الى منطق التبرير, أو المرافعة في شبهة لا تستحق الدفاع عنها بسبب الوهن الذي يضرب دوافعها, أو بسبب الروح الاجرامية المشاكسة التي تنزل القوة في مكان المنطق أو العدوان في مكان التفاهم والحوار. (الارهاب) مع الاسف الشديد, جاء في بلادنا وليد ظروف سياسية بحتة, تتعلق بإدارة بعض الانظمة لشؤون شعوبها ومجتمعها, وهي انظمة غير ديمقراطية تجنح الى الاستبداد, وترسل القوة البوليسية من أجل الاخضاع وإدامة السلطة. فمنذ ظهور الكيانات السياسية العربية المستقلة في أوائل هذا القرن, كان الالتباس كبيرا بين النظرة للاستقلال كواقع قانوني وسياسي, وبين النظرة اليه كعامل مناقض لحلم الوحدة العربية, اذا لم نقل كمعول هدم لإجهاض هذا الحلم! وبنشوء الدول العربية المستقلة, وقيام كياناتها السياسية تحت وطأة هذا الالتباس, ترتب لدى الحكومات والمجتمعات شعور وهمي لكنه حقيقي, بأن احترام استقلال الدول الشقيقة يشكل خروجا على عقيدة الوحدة, وبالتالي هو مدعاة لإلحاق خدوش غائرة في السمعة الوطنية. وطبيعي, ان يسحب هذا الالتباس نفسه على العلاقات الثنائية بين الدول العربية, والتي اتسمت طوال العقود الخمسة الماضية بالحذر, وبطغيان الخطاب البروتوكولي الذي تولى اخفاء الشعور الداخلي بالريبة, وأحيانا بالعداوة, بالنظر الى ان الاستقلال كان قيمة مشبوهة, ومضادة لأسمى عقائد العرب, الا وهي عقيدة الوحدة. ... بتطور مفهوم الدولة المستقلة وبتجذر الكيانات السياسية, وبطغيان الهوية الاقليمية على الهوية القومية, نشأت مصالح خاصة بكل دولة مستقلة, انطلق سباق جماعي بين الدول في اتجاه التطور السياسي والازدهار الاقتصادي. في هذا السياق بدأت عيوب الانظمة الحاكمة تتبدى على بضها البعض, فالخائب في السباق لا يرجع العيب الى خصائص نظامه السياسي (ديكتاتوري, عسكري, حزبي, ديمقراطي) بل الى تآمر الدول الاخرى. وفي ضوء هذا الالتباس الاضافي بدأت العلاقات العربية الثنائية تزداد رسوخا على صخور عدم الثقة, والتي كانت الانظمة المعنية تبددها باللجوء الى العمل السري (المخابراتي), والذي كان هدفه التحرش بخصوصيات الدول الاخرى بحجة اضعافها, وإطفاء (روح المؤامرة) المنبعثة منها! ودائما كانت هذه العلاقات المشبوهة والخائبة تعرف نفسها بــ (النضال ضد العدو الاسرائيلي) ودائما وأبدا بــ (حماية أمن الثورة وحزبها القائد, وزعيمها الملهم) ! من هنا بدأت تبذر البذور الاولى للارهاب, وتوضع المداميك الاولى لاعتماد هذا الارهاب وسيلة سياسية مشروعة. فــ (الارهاب) هنا, الذي نما في احضان الدولة تحول الى وسيلة سياسية تهدف الى: 1ــ هيمنة الدولة العقائدية على مجتمعها. 2ــ بسط هيمنة الدولة العقائدية على الحوار. 3ــ تأييد النظام الحاكم وأشخاصه. ... وبدون الدخول في لعبة التاريخ, وهي لعبة طازجة يعرفها الجميع, فنستطيع القول ان اعتماد نظرية الارهاب في العمل السياسي, شجعت أصحاب القضايا الى اعتمادها لتحقيق اغراضهم, وشجعت الاحزاب (في لبنان مثلا ابان سنوات الحرب) الى تقديسها, والاعتماد عليها في تحقيق الوجود, وقضاء المصالح. وبتطور الظروف العربية والعالمية, وما رافقها من متغيرات, كسقوط الاتحاد السوفييتي, واتفاقات أوسلو, وقبلها كامب ديفيد, وجنوح الصراع العربي الاسرائيلي نحو التسوية السلمية, ونبذ عقيدة الحرب, وبتأزم الاوضاع الاقتصادية, واضمحلال فرق العمل في الاسواق, ترعرعت الحركات الاصولية الاحتجاجية, وأخذت هي الاخرى مبادرة اعلان الحرب على المجتمع, وكانت وسيلتها الى ذلك الاعتماد على نظرية الارهاب. وطوال هذه المسيرة الدامية والحافلة بالتباس شخصية الدولة المستقلة, والتباس العلاقات العربية الثنائية, وغياب روح الاعتراف بالمصالح, والتفاوض لتنسيقها, بدل اغتصابها من جانب طرف عربي ضد طرف عربي آخر, كما حصل في حالة غزو العراق للكويت, طوال هذه المسيرة افتقد العالم العربي الى نظام مشترك يلعب دور المرجعية, وبالتالي انعدم مبدأ الحوار لتنسيق المصالح, وارتفع أكثر شعور الاشتباه بــ (استقلال الدولة) واعتباره رديفا للخيانة القومية, وكان من الطبيعي في المقابل ان تتنافى نزعات العدوان, ونوازع التدخل في الشؤون الداخلية: فرض الارادة على الآخر, والذي غالبا ما يتلقى تهم الاشتباه الوطني, و التآمر لمصلحة اسرائيل, أو مناهضة الثورة وعقيدتها! هذا النوع من الارهاب, ما زال معتمدا في الحياة السياسية العربية, يقابله (ارهاب) الجماعات المناهضة الاصولية عنها أو العلمانية المحتجة. اننا نرى في غياب الحوار بين الانظمة العربية وطغيان الشعور السياسي على الاقتصادي, واستبعاد النظر في تنسيق المنافع والمصالح المشتركة, سببا قائما لتفريخ الارهاب بشقيه, السياسي والعسكري, نضيف الى ذلك ان فشل بعض الانظمة في بناء اقتصادات قوية تستند على نشاط المجتمع المدني, التي تحفزها القوانين الملائمة, مدعاة ايضا الى تعاظم ارهاب الدولة, التي لم يعد بمقدورها ان تستمر بمعزل عن ممارسة فاحشة لاجهزتها الامنية تضمن لها اخضاع الناس كثمن مقابل, ومصادرة آرائهم وحرياتهم في التعبير كثمن مقابل على وظيفتهم, بما يقضي في النهاية الى قيام مجتمع عالة غير منتج, يعتمد في كل شؤون حياته على ريع (الدولة الارهابية) التي لاتطمئن الى امن بقائها ووجودها الا في ظل طغيان رأيها لوحدها, او امتثال مجتمعها لهذا الرأي, خوفا او اقتناعا... هذا النوع من الانظمة الاستبدادية لاتمارس فقط الارهاب على شعبها, بل تمارسه على الجوار عندما تكون مجبرة, في ايام تأزم الاحوال, الى ترحيل ازماتها اليه, اي الى خارج الحدود, هذا النمط المتصل مباشرة مما يمكن ان نسميه (فيزياء الارهاب) , يؤسس لارهاب مقابل على الاقل للتعبير عن الاحتجاج ولمقابلة العنف بعنف مساو له ومن عدم وانما من دول اخرى هى في الاساس في حالة صراع او عدم تفاهم! . . انا ارى, بموجب هذا التشخيص الموجز ان الارهاب ليس محصورا بالجماعات الاصولية, ولا بالفصائل الثورية, فهذه تمثل الصدى للدولة الارهابية, التي هي الاصل في اندلاع العنف عندما اعتمدت القوة المسلحة وسيلة سياسية للوصول الى الاهداف. ان الميثاق الدولي والذي تطالب به بعض الدول العربية, المطلوب توثيقه تحت مظلة الامم المتحدة من اجل مكافحة الارهاب, جدير بأن يكون ميثاقا عربيا, ينظم تفاهم الدول على تنسيق مصالحها بالتفاهم.. والسعي الى التكامل الاقتصادي, ويحرم اللجوء الى الارهاب من اجل تتبع اخطاء البعض المتمادية الذي لاينفع في اقامة مجتمعات منتجة ومزدهرة اقتصاديا, بل يؤدي الى تفاقم نزعات العدوان, والى اشعال الرغبة في اطفاء نيران الحسد, والتي ان لم تطفأ فستحرق قلوب اصحابها؟! كاتب صحفي يعمل في السياسة الكويتية*