لم أكن في حياتي عنصرا في حركة (فتح)ولا في غيرها من المنظمات الفلسطينية. حتى التنظيم الذي كان لي شرف الاسهام في انشائه والذي عرف باسم(جبهة التحرير الفلسطينية)وبنشرته الدورية (طريق العودة), بادرت إلى الدعوة من أجل حله بعد قيام منظمة التحرير الفلسطينية , إيمانا مني بضرورة انخراط جميع المنظمات في أطر المنظمة ومؤسساتها مع الاحتفاظ بهويتها السياسية أو العقيدية التي يجب أن يكون لها دورها في توجيه السياسة العليا للمنظمة من خلال مجلسيها الوطني أو المركزي. وقضيت عمري على هذا الدرب في الدعوة للوحدة الوطنية دون أي نجاح, وكنت ألاحظ بكل الأسى بأن ما من تنظيم, ودون استثناء كان صادقا في حديثه عن هذه الوحدة, حيث مضى الجميع في تكريس هذه الحالة الانفصامية, وأصبح لكل تنظيم رايته وشعاره وذكرى (يوم انطلاقته) وسفراؤه لدى العرب وغيرهم. أكثر من ذلك, أخذنا نشهد مع الأيام تفريخات جديدة وانقسامات داخل التنظيم الواحد ليتحول إلى تنظيمين وثلاثة وأحيانا أربعة تنظيمات, دون أن يغيب عن وعينا بأن هذا التفتيت الذي بدا عفويا في البداية أصبح فيما بعد متعمدا وهناك من يغذيه ويساعد على استشرائه. حتى حركة (فتح) التي كان قادتها يتباهون بأن حركتهم غير قابلة للقسمة, وصلتها عدوى التشرذم, فكان الانقسام الأول الذي قاده (أبو نضال) , والانقسام الثاني الذي قاده (أبو موسى) و(أبو خالد) . وعلى اثر ذلك انتاب (فتح) الأم نوع من التقاسم الوظيفي مما وزع قواعدها إلى جماعات كانت تنسب كل واحدة منها إلى قطب من الأقطاب مثل (أبو اياد) و(أبو جهاد) و(أبو الهول) وصولا إلى غيرهم بعد رحيل هؤلاء, وكان أبو عمار الوارث الدائم والوحيد لكوادر الكبار بعد رحيلهم والغاء أطرهم أو أجهزتهم والحاقها بجهازه المركزي. بعد اتفاقية أوسلو تعرضت (فتح) مرة أخرى لمخاطر التشرذم نتيجة للمواقف المتباينة من هذه الاتفاقية, غير ان الانقسام في الرأي لم يصل حدود الانقسام في التنظيم, وهي الحالة التي يجسدها (أبو لطف) بوضوح يصعب فهمه على من لا يكون من الملمين بتاريخ هذه الحركة وما أصبح من تقاليدها, ومن لا يعرف معايير (الربح والخسارة) التي يعنيها الولاء للتنظيم أو الخروج عليه. وإذا كانت اتفاقية أوسلو قد هزت (فتح) نسبيا, فإن افرازات هذه الاتفاقية, ساهمت كذلك في خلق هزات أخرى, نتيجة لسوء التقدير الذي رافق توزيع المغانم والمغارم, مما يدور الحديث عنه هذه الأيام حول الفساد والاثراء غير المشروع وما يرافق هذا الحديث من تصنيفات جديدة حول (التوانسة) الوافدين من الخارج وتسلطهم على من تحملوا مشاق الانتفاضة ودفعوا ثمن اندلاعها واستمرارها من أهل الداخل. وعندما يكتب تاريخ هذه الرحلة الفلسطينية, سيحتل (أبو عمار) دون أدنى شك معظم صفحات هذا التاريخ, وسيحتار المؤرخون في تقييم دوره في هذه الرحلة الطويلة والمعقدة, وسينقسمون بحدة في أحكامهم عليه وان كانوا سيجمعون في الوقت ذاته على انه كان باستمرار مميزا على من حوله وممسكا على الدوام بمنتصف العصا بين المتخاصمين أو المختلفين. لقد كان, كما وصفته ذات مرة, أشبه (بقضاء وقدر) شعب فلسطين دون أن أسند إلى هذا (القضاء والقدر) أية صفة أخرى غير القدرة الفذة على (معرفة) الرجال وأثمانهم وكيفية ترويضهم. غير ان حيرة المؤرخين الراهنة حول تقييم ياسر عرفات, لن تستمر بعد رحيله (بعد عمر طويل) أو كما قلت سابقا بعد غيابه أو تغييبه, وذلك لان ما سيترتب على هذا الرحيل في الحالة السياسية والوطنية الفلسطينية سيكون هو الكلمة الفصل في الحكم على الرجل. وبالطبع فإنه ما سيؤول إليه مصير (فتح) بالذات سيكون المعيار الذي ما بعده معيار. إن (فتح) ما بعد (أبو عمار) لن تكون ولا بحال من الأحوال نفس (فتح) التي كانت خلال وجوده وفي ظلال قيادته. فالرجل من مؤسسيها, ان لم يكن الأول بين هؤلاء المؤسسين, واستطاع أن يفصلها على مقاسه, وأن يقودها ومعها كل الحركة الوطنية الفلسطينية على امتداد ثلث قرن وأكثر دونما كلل أو ملل. فهو (تاريخي) بمعنى من المعاني, و(والد) العديد من الكوادر المحيطة به ومن بينها من لم يعرف له من حياة خاصة أو عامة من غير ربطها بالوالد أو الختيار أو القائد العام أو رئيس اللجنة التنفيذية. ولذلك فإن ما استطاعه أبو عمار في الماضي وما يستطيعه اليوم ما كان ممكنا لولا تميزه هذا, والمكانة التي انتزعها لشخصه. وهو ما لا يتوفر لأي واحد من قادة (فتح) المتبقين على قائمة المؤسسين أو التاريخيين, ولا سيما بعد رحيل أبو اياد وأبو جهاد, ربما باستثناء (أبو لطف) الذي أخرجه موقفه من اتفاقية أوسلو من دائرة مرشحي الخلافة. لذلك, لن يكون سهلا أن يحل مكان (أبو عمار) أي واحد ممن نسمع عن تزكيتهم من قبل وسائل الاعلام أو بعض العواصم, كما اننا لن نؤخذ للحظة واحدة بما يقوله البعض بمن فيهم (أبو عمار) نفسه بأن مسألة الخلافة محلولة وان هناك قوانين وتقاليد ستتولى أمر مداولة السلطة بسهولة ويسر. ومن هنا فإن عباس زكي, من قادة فتح, لم يكن بعيدا عن الحقيقة عندما وصف عملية الاعتداء على نواب المجلس الاشتراكي الستة من قبل بعض عناصر أحد الأجهزة, بأنها (بروفة) لتهيئة الشعب الفلسطيني في مناطق الحكم الذاتي للرضوخ إلى دكتاتورية قادمة على الطريق. ومن هنا أيضا استيقظ هاجس الكثيرين ممن في السلطة حول مصيرهم بعد (أبو عمار) , وعلى رأسهم بعض الحالمين بوراثته وممن يظنون ان أرصدتهم الخارجية ــ لدى أمريكا واسرائيل وبعض عرب أمريكا ــ تكفي لايصالهم إلى حملهم المنشود. صحيح ان اسرائيل ومن بعدها الولايات المتحدة, ومن بعد الاثنتين الدول العربية المحسوبة على أمريكا, يشكلون الهيئة الانتخابية لمن سيخلف ياسر عرفات, ولكن علينا ألا نقلل من التباينات بين هؤلاء الناخبين الثلاثة الكبار. وعلينا في نفس الوقت ألا نغفل ان المسترئسين يعرفون هذه الحقيقة ويتبارون في كيفية ابداء (مزاياهم) لدى كل واحد من هؤلاء الناخبين. وأولى هذه (المزايا) القدرة على الامساك بزمام القيادة الجديدة والاستمرار في النهج الأوسلوي, نهج التنازل والمزيد من التنازل مع القدرة على ضبط الأمور وقمع المخالفين. أنا أعرف مدى كراهية (أبو عمار) لسماع هذا الحديث وتشاؤمه منه, ولكني مع ذلك ومن زاوية قد تروق له, أكتب ما أكتب متوسلا أن يبادر في نهاية مشواره الطويل إلى ما يجنب شعب فلسطين الطوفان من بعده. من هذه الزاوية, ومن قبيل تأجيج حب الذات للذات, أقول له إن الحكم التاريخي النهائي عليه سيعتمد على ما يترتب بعد رحيله, ولن يكون هذا الحكم إلا واحدا من نقيضين لا وسط بينهما, وبيده هو أن يختار بين النقيضين وهو في هذه الدنيا. ومن هذه الزاوية نفسها, أدعو (أبو عمار) وهو الذي لا يقطع فرض صلاة للتأمل في الآية الكريمة (ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله الا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون) . إن الوهم بالخلود ليس الا شركا بالله ودعوة لعبادة إله آخر معه. فلماذا, إذن, هذا الاصرار, على عدم فتح هذا الملف, ملف (تداول السلطة) بكل الصراحة والرحابة والصدق, لكي نضمن استمرار المسيرة دونما تعثر أو اقتتال, أو ما هو أسوأ من ذلك في رهن مصيرنا لدى أعدائنا؟ ولن أسألك, لانك تعلم أكثر من أي إنسان, عما سيجري داخل (فتح) , أو ما بين (فتح) وبقية القوى, من صراع على السلطة من بعدك؟ فمن أجلك أولا, بمعنى من أجل ضبط حكم التاريخ عليك, ومن أجل (فتح) قبل غيرها من التنظيمات وهي التي أوصلتك إليه (أو العكس), وأخيرا من أجل فلسطين وشعبها وقضيتها التي نذرت عمرك من أجلها, فغامرت وقامرت وحشرتها حيث هي الآن, أدعوك لان تتقي الله بنا وبهؤلاء جميعا وأن تبادر لفعل ما بوسعك لاستباق الأحداث الجسام قبل أن تقع, فتعيد الأمانة لمن يستطيع أن يحفظ الأمانة, أو لتحميها على الأقل من المتربصين للانقضاض على بقايا شعاراتها وأهدافها بل وتاريخها الطويل. حتى الملوك كتبوا على أبواب قصورهم (لو بقيت لغيرك لما وصلت إليك) , فاعمل لان تصل من بعدك لمن يستحق لا لمن يستبد. فقد يغفر الله لنا ما تقدم من ذنوبنا وما تأخر, ويترحم أبناء الجيل المقبل على جيلنا رغم هول ما أورثناهم. كاتب وسياسي فلسطيني*