يأتي قرار الإدارة الأمريكية بارسال دينس روس مجددا إلى المنطقة لاستئناف جهودها في إزالة الجمود الحاصل في عملية التسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين , والحديث عن موافقة نتانياهو على الانسحاب من 13% من أراضي الضفة الفلسطينية, والتسريبات المتعلقة باللقاءات الفلسطينية ــ الاسرائيلية, لتؤكد من جديد على فشل الرهان على انهيار عملية التسوية, لان هذا الرهان بنى فرضيته على عملية تسوية متخيلة, أشاعها قصور في الوعي ناجم عن فهم معين لطبيعة الصراع بين الطرفين بأبعاده الدولية والاقليمية وتعقيداته بالنسبة لكل منهما. والواقع فإن عملية التسوية الحاصلة بين الاسرائيليين والفلسطينيين تأخذ شكلها الطبيعي الممكن, في هذه المرحلة, والذي يعبر عن مستوى التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لكل من الطرفين, كما انها تعكس, أيضا, التفاوت في موازين القوى المختلفة بينهما لصالح الطرف الاسرائيلي, ان بالنسبة لامكانات وحدود هذه الموازين على المستوى الذاتي ــ الداخلي, أو على المستوى الموضوعي ــ الخارجي. وبمعزل عن الخطاب السياسي الاستهلاكي الذي ينتهجه الطرفان الاسرائيلي والفلسطيني, فإن التسوية الواقعية (وليست المتخيلة) ما زالت تولد دينامياتها وتفرض أشكالها وتخلق اطاراتها وشرعيتها بمعزل عن الرغبات والطموحات الذاتية لكليهما. وينعكس ذلك في واقع ان العملية التفاوضية أصبحت هدفا بحد ذاته لكليهما, حيث ان أيا منهما لا يستطيع التراجع عن هذه العملية, وهما لا يملكان خيارا آخر خارجها. وهكذا فإن نتانياهو يتعامل مع واقع قائم تمثله السلطة الفلسطينية, حيث لا مفر أمامه من مواجهة هذا الاستحقاق, لذلك فهو يعمل في اطار هذا الخيار على تحجيم حدود هذه السلطة, والحؤول دون توسعها على حساب الكيان الاسرائيلي من مختلف النواحي: السياسية والاقتصادية والأمنية والجغرافية, ولذلك لم يتورع نتانياهو من تهديد بعض أطراف ائتلافه الحكومي باللجوء إلى خيار الانتخابات المبكرة أو اقامة حكومة (وحدة وطنية) , مع حزب العمل, في حال واصلت هذه الأطراف ضغوطها من أجل الاستمرار بتجميد التسوية مع الفلسطينيين. أما من جهة السلطة الفلسطينية التي تدرك تماما حجم قدراتها الخاصة, كما تدرك ضعف الاطار الاقليمي والدولي الذي تستند إليه لتجسير الهوة بين واقعها وطموحاتها, فهي تتعامل ببرجماتية عالية مع الواقع الذي أوجدته حكومة نتانياهو, فهي تلوح بين حين وآخر بمقاطعة المفاوضات, في حين انها تواصل عملية المفاوضات بمختلف أشكالها المباشرة وغير المباشرة, وفي حين انها تهدد بانتفاضة, تقوم في ذات الوقت بضبط وربط الشارع الفلسطيني حتى لا تخرج الأمور من نطاق سيطرتها, وهي عندما تلوح باللجوء إلى الاطار العربي والدعوة إلى مؤتمر قمة عربي, تذهب أيضا إلى واشنطن, وتوقع اتفاقات أمنية مع اسرائيل. ومن الواضح ان اسرائيل والسلطة الفلسطينية يعملان على أساس انهما يخوضان صراعا تفاوضيا طويل الأمد, يتخلله نجاحات كما يتخلله احباطات, ويحصل فيه توافقات كما يحصل فيه خلافات. وهما في اطار ذلك يدركان أيضا, انه مهما كانت نتيجة كل ذلك فإنهما لوحدهما لا يملكان القدرة, كما لا يملكان الحق في وقف هذه العملية لانها ليست مجرد عملية تسوية ثنائية بحتة بينهما, وإنما هي بالتحديد عملية دولية, واقليمية تستهدف اقامة ترتيبات (شرق أوسطية) : سياسية ــ اقتصادية ــ أمنية. إن هذا التحديد لطبيعة العملية التفاوضية ــ الصراعية الجارية بين الاسرائيليين من جهة, والفلسطينيين من الجهة المقابلة, بأبعادها العربية والدولية, يشير لنا إلى ان هذه العملية ستستمر بشكل أو بآخر ورغما عن كل شيء. ورغم ذلك فإن هذه العملية ستظل في دائرة الأزمة, لانها لم تقم على أساس تطور ذاتي للطرفين, وإنما هي فرضت من الخارج, كما انها لم توجد بسبب تغير رؤية أحد الطرفين للآخر, ولا بسبب تعادل موازين القوى بينهما, ولا بسبب اقتناع اسرائيل بضرورة اعادة حقوق الفلسطينيين, وهذه العوامل هي التي تشكل عناصر الأزمة البنيوية لعملية التسوية, والتي ستستمر معها إلى حين ايجاد ظروف وعوامل جديدة, أكثر ملاءمة, وإلى حين نضوج الأطراف المعنيين لعملية تسوية حقيقية عادلة ومتوازنة تجاوب على الجوانب التاريخية والرمزية للصراع بقدر تجاوبها مع وقائعه وتطوراته. حتى الآن نجحت حكومة نتانياهو بوضع اتفاق أوسلو الذي وقعته حكومة حزب العمل (السابقة) مع الفلسطينيين في موضع الشك وفي وضع التساؤل, لا بل انها نجحت في ادخال بعض التعديلات عليه, بما مكنها من تفويت عدد من الاستحقاقات المطلوبة منها, وبالأخص الاستحقاق المتعلق باعادة الانتشار وعودة النازحين, وحتى انها نجحت في التعاطي مع قضايا الحل الانتقالي بوصفها حلا نهائيا مع الفلسطينيين. وحتى الآن تعمل حكومة نتانياهو على خلق قواعد جديدة للعملية التفاوضية قوامها اخضاع الفلسطينيين للمتطلبات الأمنية والسياسية والايديولوجية الاسرائيلية, فيما يتعلق بالشكل النهائي للتسوية. وفي مختلف المسارات نجحت حكومة نتانياهو في جر الطرف الفلسطيني خلف منطقها, من دون أن يكون لدى الفلسطينيين القدرة على تفويت هذا المنطق الاسرائيلي, أو ايجاد الوسائل والطرق المناسبة لمقاومته. وفي حقيقة الأمر فإن نتانياهو يجد في التفوق الاسرائيلي, وفي الدعم الأمريكي اللامحدود, وفي حالة الضعف والتفكك العربيين القدرة الهائلة على تجاوز مجمل استحقاقات التسوية, وفرض التسوية مع الفلسطينيين وعلى المستوى الاقليمي بالشكل الذي يريده, وبالشكل الذي يرى فيه مصالح اسرائيل كما يتخيلها ويعتقد بها. أما السلطة الفلسطينية, فهي تجد نفسها أسيرة في هذه الدوامة, فلا قدراتها ولا الاطار العربي الداعم لها ولا الوضع الدولي المتعاطف معها, يسمح لها بقلب الطاولة, أو بارغام اسرائيل على التقيد بالاتفاقات الموقعة, وانتهاج أسلوب أكثر مرونة بما يتعلق بالتجاوب مع حقوق الفلسطينيين وحفظ كرامة السلطة الفلسطينية. من الصعب التقرير بديلا عن السلطة الفلسطينية التي وضعت نفسها في اسار هذه العملية وهذه الاتفاقات, كما من الصعب التكهن بشكل آخر للتسوية خارج اطار التسوية الواقعية التي تفرضها المعطيات وموازين القوى فرضا, ولكن من المشروع التساؤل عما تفعله (فعلا لا قولا) السلطة الفلسطينية لمقاومة الاجحاف المتمثل في الاتفاقيات, أو لاكتساب أوراق جديدة في العملية التفاوضية لتوازن فيه ما أمكن وضعها أمام نقاط القوة الاسرائيلية. من المشروع تماما التساؤل عما تفعله القيادة الفلسطينية لاعادة ترتيب الوضع الداخلي ــ الفلسطيني, ولاعادة صياغة العلاقات الفلسطينية ــ العربية. من المشروع أيضا, التساؤل عن الخيارات التي تعد نفسها لها هذه القيادة لمواجهة مختلف الاحتمالات المستقبلية, أليست هذه التساؤلات مشروعة, خصوصا, في الوقت الذي تدعو فيه القيادة الفلسطينية للتعبئة واستنهاض القوى من أجل مواجهة استحقاقات اعلان الدولة الفلسطينية في الرابع من مايو من العام المقبل بعد انتهاء المرحلة الانتقالية؟. كاتب فلسطيني*