روسيا مريضة فماذا عن الخليج؟بقلم - الدكتور محمد الرميحي

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في عام واحد وتسعين وقفت عصبة من الشيوعيين الروس في ساحة الكرملين التي شهدت انتصاراتهم الغابرة وكانوا يحملون لافتة كبيرة كتب عليها سبعون عاما في الطريق إلى لاشيء . ومن الاتحاد السوفييتي ولدت روسيا مرة أخرى في التسعينات تحت ألوان العلم الثلاثي, ولم يكن الإصلاح هدفها, فقد نفدت ذخيرة الإصلاح بسقوط ميخائيل جورباتشوف وسقوط الحلول الوسطى وتبنت دولة روسيا شعار التغيير بدلا من الإصلاح, وكأن السبعين عاما من الاقتصاد الموجه وملكية الدولة لوسائل الانتاج, والكولخوزات الزراعية وسيطرة الدولة على التعليم والثقافة والصناعة قد قادت إلى لاشيء, وصار المطلوب هو إطلاق قوى السوق والولوج في عالم الرأسمالية الرحب .. إنه التغيير الجذري. ولكن ثماني سنوات من محاولات التغيير قادت ايضا الى لاشيء, بل شهدت أسوأ من ذلك, سقوط الاقتصاد وتدهور قيمة العملة الروسية (الروبل) وعجز الحكومة الروسية عن فعل أي شيء حتى إقامة حكومة متفق عليها والتي ظلت حتى اليوم ثلاثة أسابيع برئيس حكومة معين دون اعتراف برلماني. في كثير من البلدان تكون حالة الفوضى التي تمر بها روسيا اليوم كافية لإطلاق المظاهرات في الشوارع, لتتعدى حالة الخوف إلى الغضب من الطوابير على أبواب البنوك المفلسة والطوابير الطويلة على محلات بيع المواد الضرورية, أما بورصة موسكو فقد تبخرت وتبخرت معها أيضا آمال عشرات الآلاف من متوسطي الحال في روسيا في حياة مستورة, ولكن عصيانا واسعا لم يحدث حتى الآن على الأقل, لأن الخيارات قليلة أمام المواطن الروسي فهي إما الفوضى الضاربة أطنابها في الاقتصاد وفي كل المرافق, أو العودة إلى سنوات لا يعرف عددها غير الله لحالة اللا شيء التي خبرتها الجماهير الروسية من الاشتراكية. لم يوضع شعب في التاريخ الحديث كما وضعت شعوب روسيا اليوم أمام خيارات أحلاها أكثر مرارة من العلقم, وليس السبب هو التخلي عن الصيغة الاقتصادية والسياسية الاشتراكية القديمة والقفز نحو صيغة الديمقراطية واقتصاد السوق, فحتى هذا الانتقال قفزا - بدرجة ما - قد حدث في دول اشتراكية أخرى مثل تشيكيا وسلوفاكيا ولم يؤد إلى مثل ذلك التصدع الروسي والسبب هو إساءة إدارة هذا الانتقال من قبل الأوليجاركية المالية الروسية بل واستنزافه بشراهة وقصر نظر واضحين يتجليان الآن في فداحة النتائج. وإن كانت ردود الفعل على ما يحدث في روسيا اليوم في الداخل غير واضحة وغير حاسمة إلا ان سقوط الاقتصاد الروسي والفوضى السياسية التي تجتاح تلك البلاد قد هزت المستثمرين والحكومات في الكثير من بلاد العالم, وهي ردود فعل مناسبة لأن ما يحدث في روسيا وما يمكن أن يحدث يهدد العالم ككل في أقل الاحتمالات بعدم استقرار طويل وفي أكبرها بفوضى عالمية قد تقود إلى حرب كونية تكون فيها كل الحروب التي خاضتها البشرية في السابق نوعا من لعب الأطفال, والوقائع الماثلة بين أيدينا مثيرة, فروسيا تمتلك اليوم اثنين وعشرين ألف رأس نووي, يمكنها تدمير كل العالم خمس مرات وليس مرة واحدة, كما ان الغرب قد ضخ حتى الآن في الاقتصاد الروسي عشرات المليارات من الدولارات من أجل اصلاح الاقتصاد الروسي ولم تر أي من الإصلاحات المعول عليها النور, وليس هناك احتمال أن تعود بعض تلك الأموال الى أصحابها, والمخيف أن تلك الدول والبنوك العالمية لم تعد على استعداد أن تدفع أكثر, بل ان المقبل من الأيام سوف يشهد امتناع البنك الدولي عن القيام بتقديم أي تدفقات نقدية للاقتصاد الروسي المريض. موسكو محرومة من حكومة وتتزايد نسب التضخم فيها بشكل متصاعد, تعاني من فراغ سلطة وغياب قيادة, وشيوعيين عطشى إلى الوثوب على السلطة وإدارة لا تعرف من أين ستجد الحل, كل هذا يشكل وصفة للفوضى الداخلية والخارجية على السواء. والسؤال ماذا يمكن أن يصيب العرب وأهل الخليج بالذات من احتمالات هذه الفوضى القادمة, ولعلي هنا ألمح خمس مناطق تماس بالغة الحساسية وأساسية تؤثر علينا مباشرة أو غير مباشرة ولكننا في جميع الأحوال لسنا بعيدين عن نتائجها المدمرة. نقطة التماس الأولى هي الدين والتسهيلات المالية الضخمة التي قدمتها البنوك الدولية للاقتصاد الروسي في السنوات القليلة الماضية, على أمل وتوقع تدفق دماء جديدة في شرايينه وعودة رؤوس هذه الأموال وعائداتها إلى مصادرها في الدورة الرأسمالية الغربية, لكن في نهاية الأمر تبين أن هذه الأموال أو معظمها قد تسرب إلى أماكن مختلفة بعيدة عن شريان الاقتصاد الروسي, واستولت عليها مافيا الأوليجاركية الروسية الجديدة, وأصبحت ــ والأمر كذلك ــ عودة هذه الأموال الى دائرة الرأسمالية الدولية في حكم المستحيل, ولعلنا هنا نذكر على سبيل المقارنة أزمة بعض دول أمريكا اللاتينية في النصف الأول من الثمانينات عندما توسعت في الإنفاق الداخلي والاستدانة الخارجية, ووصلت دولها بعد حين الى وضع لم تتمكن فيه من سداد الديون الخارجية التي بلغت نصف تريليون دولار وقتها, جلها من مصارف الولايات المتحدة والدول الكبرى, التي توفرت لها سيولة قادمة أساسا من الدول النفطية, ولم تستطع تلك الدول الوفاء بديونها مما سبب افلاس العديد من هذه البنوك, وذهبت مدخرات خليجية ضخمة في أثرها الى بالوعة الدين غير المسترد, وقد كانت مودعة في تلك البنوك, واليوم فإن الأموال التي ضخت الى روسيا هي أموال دولية تبلغ أضعاف ما استدانته دول أمريكا اللاتينية, وانهيار الاقتصاد الروسي يعني ضياع أموال هذه المؤسسات المالية الضخمة, مما سوف يؤثر حتما على اقتصاديات دول عديدة واستثمارات كونية وبين هذه الاستثمارات بالقطع استثمارات خليجية وقد بدأت تتضح بالفعل آثار المرض الروسي في شكل ضغوطات مالية على الاقتصاد الخليجي الراهن. نقطة التماس الثانية هي تدني وتراجع أسعار النفط, فمن المؤكد, والحالة الاقتصادية الروسية كما وصفنا, ان الدولة الروسية سوف تضطر لأن تبيع المواد الخام لديها بأسعار زهيدة من أجل الحصول على عملة أجنبية تساعد في دفع الديون المتراكمة والحد من التضخم المستشري, وأحد أهم هذه المواد الخام هو النفط والغاز سواء كان في أراض روسية أو أراضي دول كانت خاضعة للسوفييت وأصبحت حليفة لروسيا, وبتدني أسعار النفط سوف تفقد بلدان الخليج قدرتها على التحكم في تلك الأسعار لفترة طويلة, وهي المورد المالي الوحيد تقريبا لتعضيد ميزانياتها والصرف على برامج التنمية لديها, وانخفاض الأسعار سيسبب لها عسرة ليست اقتصادية فقط, وإنما ايضا سياسية وأمنية. نقطة التماس الثالثة هي أسلحة الدمار الشامل, التي تمتلك منها الدولة الروسية الكثير, وهنا تكون المخاطرة عظيمة في أكثر من اتجاه, فدولة معزولة ومصابة بكارثة اقتصادية وتملك كل هذه الأسلحة والتقنية يمكن ان تتفجر فيها عدة أمور منها ان يقوم مغامر عسكري بتهديد العالم, أو تقوم ثلة عسكرية لديها مخزون من هذه الاسلحة ولم تستلم مرتباتها لفترة من الزمن بالمغامرة غير المحسوبة, عدا ان سوقا سوداء يمكن ان تنتعش على خلفيات هذه الكارثة الاقتصادية فيبيع تلك الاسلحة من يريد المال السائل والساخن لمن يريد ان يشتري سواء من الدول ذات الطموحات التوسعية أو حتى عصابات المافيا أو عصابات الارهاب الدولية, فتملك هذه الجماعات قدرات تهدد بها العالم. نقطة التماس الرابعة نابعة من احتمال التدفق البشري من روسيا والدول المحيطة بها تجاه حوض الخليج هربا من العسر الى حلم اليسر, حيث به عدد صغير من السكان وفرص دخل معقولة, وسيكون هذا التدفق اما بشكل عمالة رخيصة أو متوسطة, أو بشكل تصدير للحم الأبيض الذي عادة ما يصاحبه ضرران هما تدفق السموم البيضاء التي تعاني منها جل دول الخليج اليوم وانتشار ممارسات المافيا الروسية التي غزت بعض دول العالم, مع كل ما يصاحب ذلك من تهتك أخلاقي. نقطة التماس الأخيرة هي الفوضى في الاقليم الخليجي التي قد تحدثها اضطرابات غير منضبطة في روسيا وجوارها, مما قد يشجع قوى اقليمية للاستفادة من هذه الفوضى بتجديد شهيتها للتوسع, خاصة ان الآلة الصناعية العسكرية الروسية وما تنتجه من أسلحة تقليدية ستكون متوافرة بأرخص الاثمان لبدء حروب اقليمية طاحنة. الوضع في روسيا اليوم هو روليت روسي حقيقي, ولا أحد يعرف على وجه اليقين أين تكمن الرصاصة التي سوف تقتل الدب, هل هي في أول المخزن أو آخره؟.. ولكن المؤكد ان الرصاصة هناك وهي سوف تنطلق في وقت ما, مادام هناك من يضغط على الزناد. رئيس تحرير مجلة العربي الكويتية*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات