يمكن تقسيم العالم الآن وبشكل عام الى مجتمعات لايزال يلعب فيها الشرف دورا اساسيا وجوهريا من ناحية والى مجتمعات(مابعد الشرف)من ناحية اخرى, ولابد من النظر الى ردود الفعل المختلفة والمتفاوتة على احداث شهر اغسطس فيما يتعلق بمونيكا لوينسكي والصواريخ وقصف المسلمين ضمن هذا الاطار العام . فتحت طبقات التاريخ المتراكمة وموزاييك الحضارات يمكن للمرء ان يكتشف اسس الصراع بين وجهتي النظر الاسلامية والغربية. فالايمان والاخلاق لايزالان مترسخين في صميم المجتمعات الاسلامية. اما في المجتمعات الغربية الليبرالية فان مفهوم الايمان وبالتالي المبادىء التقليدية للاخلاق, يأتي في المرتبة الثانية بعد الحرية الجنسية والمادية الاستهلاكية. حتى في المناطق التي قد يوجد فيها شيء من النفاق في المجتمعات الاسلامية, فان الحكم على وجود النفاق من عدمه يقاس مقارنة بالمعتقدات الراسخة, فالكثير من الغربيين يجدون أنفسهم عاجزين عن فهم او تقبل ان اقامة الصلاة خمس مرات في اليوم يمكن ان تكون اكثر اهمية من اي شيء اخر بما في ذلك العمل والتسوق والترفيه. ولكني اجد نفسي مضطرا لأسارع واضيف ان هذا ليس مجرد تقسيم بين المجتمعات الاسلامية والغرب, ولكنه كذلك تقسيم بين الحضارات المتعددة والمختلفة داخل المجتمعات الغربية نفسها كما يمثله بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني والمطربة مادونا على سبيل المثال, اضف الى ذلك ان هناك ما يزيد على 25 مليون مسلم يعيشون في دول الغرب الآن, اما في الولايات المتحدة الامريكية فان عدد المسلمين يزيد على عدد اعضاء الكنيسة الاسقفية البروتستانتية. الا ان الهجمات على سفارتي الولايات المتحدة في كينيا ودار السلام الشهر الماضي ورد الرئيس الامريكي, الذي اعترف بارتكاب خطيئة الزنا, هي التي دفعت الى الواجهة الصراع بين المجتمعات التي لا تزال تتمسك بمفهوم الشرف التقليدي من ناحية ومجتمعات مابعد الشرف الغربية من ناحية اخرى. عندما اعترف الرئيس بيل كلينتون باقامة علاقة (غير لائقة) مع مونيكا لوينسكي, واتبع ذلك بضرب الخرطوم في السودان وخوست في افغانستان بصواريخ كروز, فانه اكد بما لا يقبل الشك, الاعتقاد السائد بين العديد من المجتمعات التقليدية الاسلامية, بأنه ليس لدى الولايات المتحدة ما تقدمه الى العالم سوى الجنس والعنف. وبالرغم من ان كلينتون حرص اثناء اعلانه عن عمليات القصف على التأكيد على انها لا تستهدف المسلمين وحضارتهم, الا ان كلامه هذا لم يكن يحمل من الصدق اكثر مما حمل تصريحه الذي ادلى به قبل سبعة اشهر مؤكدا انه لم يقم علاقة (غير لائقة) مع تلك المرأة. وكما انه ليس في الاسلام ما يبرر الاعمال الارهابية ضد المدنيين الابرياء, فان المسلمين ملتزمون بقانون اخلاقي لا يمكن ان نجد فيه المبرر لتصرفات بيل كلينتون في حياته الشخصية. فالهجوم الكاسح الذي شنه العالم الاسلامي على كلينتون بعد الهجوم على باكستان وأفغانستان استند اساسا على رجل عديم الشرف لم يتردد بالكذب ليس على أمته وحسب ولكن على عائلته وزوجته أيضاً. وقد جاء رد زعيم حركة طالبان الافغانية الملا عمر ليلخص وجهة النظر التقليدية عندما قال (ان بيل كلينتون زانٍ ويستحق ان يعاقب بالرجم حتى الموت) ان هذا الحكم يتناقض ورأي غالبية الشعب الامريكي, والذي أثبتت استطلاعات الرأي, انه لا يزال يؤيد كلينتون بالرغم من أنه يفتقر الى الشرف ويعيش في حالة طلاق مع الاخلاق, ان هذا الموقف المتراخي اقنع العالم الاسلامي ان الازدهار الاقتصادي اكثر اهمية من الاخلاق بالنسبة للشعب الامريكي. ان تصرف كلينتون المشين واستعداد الشعب الامريكي لمسامحته, يؤكدان مصداقية الاتهامات بأن الولايات المتحدة الامريكية دولة عظمى لا أخلاقية وتستحق العداء من جميع المسلمين الاتقياء. ولكن بعض المسلمين يلفتون النظر دائماً الى نقطة جديرة بالاهتمام وهي ان الاسلام لا يدعو الى المحبة والرحمة وحسب, ولكنه يدعو ايضاً الى محاربة الطغيان والتسلط من اجل احقاق الحق ونشر العدالة والمساواة ايضاً في دول العالم الاسلامي ومناطقه من فلسطين مروراً بكشمير حتى كوسوفو. لا يستطيع مراقب موضوعي ومحايد للأوضاع العالمية الا ان يرى وبوضوح سياسة المعايير المزدوجة التي تنتهجها الولايات المتحدة تجاه المسلمين بشكل عام وفي منطقة الشرق على وجه الخصوص. فاذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يريدون حقا تحقيق الانتصار في (معركة المستقبل) ضد الارهاب كما وصفتها وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت, فانهم لابد وان يعرفوا ان عليهم اولا ان يفوزوا بمعركة السلام في الشرق الاوسط وان يبدأوا باعادة عربة السلام الى مسارها الصحيح للتوصل الى سلام عادل وشامل بين الفلسطينيين والاسرائيليين. ولكن كيف لنا ان نصدق ان اقامة العدل في منطقة الشرق الاوسط تأتي في قائمة اولويات الرئيس كلينتون عندما نقرأ انه كان يمرح بالقرب من المكتب البيضاوي مع مونيكا بينما كان ياسر عرفات ينتظر في الخارج لعقد اجتماع مهم مع سيادة الرئيس؟ ان هذا يكشف سلم الاولويات في عالم ما بعد الشرف! واذا لم يدرك الشعب الامريكي خطورة هذا التدهور السياسي والانحلال الاخلاقي. فان الفجوة بين العالمين الغربي والاسلامي ستزداد اتساعا الى حد يصعب معه ردمها. من مآسي هذا النوع من المواجهات الدولية ان يصبح اي شخص غربي في اي زمان ومكان هدفا للاعتداء. بالنسبة لأولئك الذين يرون العالم كما يراه اسامة بن لادن فان جميع الاوروبيين سواء. لذلك فان الولايات المتحدة سترتكب خطأ استراتيجيا فادحا اذا نظرت الى حربها المستقبلية على انها مجرد مواجهة عسكرية مع المتطرفين والمتعصبين, واختارت ان تصدق الا علاقة لهذه الحرب بكيفية ومدى انعكاس التصرفات اللاأخلاقية في المجتمع الامريكي كما تمارس من قبل الرئيس حتى رجل الشارع على بقية شعوب العالم بشكل عام ومجتمع الشرف والاخلاق على وجه الخصوص. استاذ محاضر في كلية سيلوين في جامعة كامبردج*