مستقبل عملية التسوية السياسية حتى عام 2000: تلميذ جابوتنسكي النجيب يبحث تفجير الشرق الأوسط:بقلم- رأفت سليمان

في يونيو عام 1996, تولى بنيامين نتانياهو رئاسة الحكومة الاسرائيلية, التي وصلت الى الحكم من خلال تحالف اليمين العلماني المتشدد مع نظيره الديني المتطرف, وقد أثار وصول هذه الحكومة الى قيادة الدولة العبرية العديد من التساؤلات والشكوك حول مستقبل السلام في منطقة الشرق الاوسط وحول التسوية السلمية بين العرب وإسرائيل . وفرض الوضع المتأزم في الشرق الاوسط ضرورة مراجعة المسلمات التي قامت عليها عملية التسوية السياسية التي كانت قرينة من التحقق, وفتح باب الاجتهاد للعديد من الاحتمالات المتشائمة في عدم وصول السلام الى المنطقة حتى ان البعض أكد ان نسف العملية السلمية أصبح أمرا وشيكا من جانب حكومة اليمين المتطرف في اسرائيل. وحتى الذين تفاءلوا في سيادة السلام بنوا هذا الافتراض على احتمال نجاح العرب في انجاز عملية التسوية طبقا لمرجعية مدريد (المؤسسة) على القرار 242 الصادر عن مجلس الامن أو من خلال قيام الجانب العربي بتقديم التنازلات. وفرضت حالة الضبابية السائدة على المنطقة شيء من الحيرة وإعادة تقييم الامور وعكفت العديد من مراكز البحوث الدولية والاقليمية لدراسة الموقف وإعادة تقييم الامور من جديد. وفي القاهرة تولى مركز الاستشارات التابع لجامعة عين شمس الشهيرة بعمل دراسة مستقبلية لاحتمالات عملية التسوية السياسية بين العرب وإسرائيل حتى عام 2000 وهي قد تكون الاولى من نوعها التي أخذت هذا الاهتمام من جانب أكثر من أربعين خبيرا متخصصا في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية المتعلقة بالعلاقات العربية الاسرائيلية للبحث عن الاحتمالات المستقبلية لعملية السلام في الشرق الاوسط. استغرق إعداد الدراسة قرابة العامين قدم بعدها فريق الخبراء ــ الذي ترأسه أستاذ متخصص في الشؤون الاسرائيلية هو الدكتور ابراهيم البحراوي ــ ما قد يفيد السياسيين العرب في مشوار البحث عن السلام الصعب وما يدعم الاداء السياسي العربي في النهاية لإنجاز عملية السلام بما يخدم المصالح العربية. وهذه الدراسة صدرت مؤخرا وتعرضها وكالة الاهرام للصحافة تقدم صورة استشرافية لواقع أزمة السلام في ظل صراع المصالح الذي تحاول الدولة الصهيونية ان تكسبه ولو بشكل ظالم. الأيديولوجية الخطرة قبل الخوض في محتوى النتائج التي توصل اليها فريق الخبراء لابد ان نشير الى الطبيعة الايديولوجية الخطرة لحكومة اليمين الحالية في اسرائيل بشقيها العلماني والديني وما تمثله من أطماع موروثة خطرة على الكيان العربي وعلى الأمن القومي العربي من المحيط الى الخليج وعلى مدار العامين الماضيين أيقن المواطن العربي ان حزب (ليكود) الحاكم الآن في اسرائيل هو آخر صورة متطرفة لمدرسة الصهيونية (التنقحية) التي وضعت أصولها في العشرينات من هذا القرن على يد زئيف جابوتنسكي. وبنيامين نتانياهو هو آخر سلسلة الحواريين من هذه المدرسة التي آمنت منذ البداية وحتى وهي في مرحلة الضعف السكاني والسياسي والعسكري ان (ارض اسرائيل) يجب ان تمتد على الضفتين الشرقية والغربية لنهر الاردن كما ان الاجزاء السياسية والاحزاب الدينية المشاركة في الحكومة الحالية وفي مقدمتها الحزب الديني القومي (المفدال) وفرعه الاستيطاني حركة (جوش أمونيم) جميعهم يؤمن ان (وطن اسرائيل) يجب ان يقوم طبقا لخريطة التوراة وأساطيرها التي تحد حدودا من النيل الى الفرات. ان حكومة اليمين الحالية, التي صعدت الى السلطة بعد هزيمة حزب العمل الذي كان قد تبنى فكرة تقسيم الارض الفلسطينية مع الفلسطينيين ومقايضة الارض السورية واللبنانية المحتلة بالعلاقات الطبيعية. هذه الحكومة اليمينية هي التي أصدرت فتوى اغتيال اسحاق رابين باعتباره كافرا خائنا يسلم أرض اسرائيل الى أعدائها (أبناء اسماعيل) والتي صدرت تحت عنوان (دين روديف) من جانب الحاخامات, هي نفس الحكومة التي وقف رئيس وزرائها الحالي بنيامين نتانياهو ليحرض الجماهير علنا على تصفية رابين جسديا قبل عملية الاغتيال بشهر واحد فقط بعد عجزه هو وتياره السياسي عن وقف سياسته بالوسائل البرلمانية. والحكومة الحالية في اسرائيل بشقيها العلماني والديني تختزن في أعماقها أحط الأفكار العنصرية والنظرات الاستعلائية, التي تحركها وتدفعها الى التخلص من الوجود العربي قدر الممكن متبعة نفس المنهج الامريكي في التخلص من الهنود الحمر أصحاب الارض الاصليين والاستيلاء على أرضهم ومواردهم الطبيعية, واستخدام بقاياهم في دور العمالة الرخيصة. تجميد السلام توضح الدراسة ان المؤشرات التي ظهرت حتى الآن منذ صعود حكومة (الليكود) الى السلطة ان تؤكد ان هناك توجها أكيدا بتجميد العملية السلمية ونسفها, مع الاعتماد على أسلوب العدوان العسكري خارج الارض المحتلة كما حدث في عام 1967 وضم الارض وتهويدها والبحث عن آفاق جديدة في الارض العربية لبناء امبراطورية اسرائيلية, شرق أوسطية تتناسب مع مشاعر القوى النووية, والتقليدية الباطشة التي تمتلكها اسرائيل الآن. وفي ظل هذه التصورات والافكار اليهودية الخطرة التي يحاول بنيامين نتانياهو ان يدشنها بمنطق الباطل, من المهم ان يضع العقل العربي في حساباته ان فترة ولاية حكومة بنيامين نتانياهو التي تنتهي عام 2000 تمثل فرصة حيوية لليهود كافية لتمرير الاطماع مرحلة بعد أخرى الى حين انتهاء ولايتها لتصبح فكرة وحلم الامبراطورية القائمة على التسلط المباشر محل الشرق أوسطية نفس النتائج, ولذا يصبح ذو أهمية كبيرة تأثير الاطراف المختلفة على مستقبل منطقة الشرق الاوسط ومستقبل أزمة السلام. موازين القوى تشير الدراسة ان أولى محددات الصراع بين العرب وإسرائيل يتحدد من خلال البحث في موازين القوى بين الطرفين في سياق احتمالات المواجهة بينهما, وفي هذا الصدد بحث العلاقات المقارنة بين اسرائيل والعرب الذين يحتمل بدرجة عالية ان يدخلوا في سياق المواجهة الشاملة معها, خاصة في الفترة القريبة المقبلة والتي هي بؤرة التركيز في الدراسة. وتحاول اسرائيل تعبئة كافة مصادر القوة الممكنة لصالحها على امتداد الرقعة العربية بما في ذلك استخدام ورقة اليهود الشرقيين في أقاصي الحدود العربية من الجنوب في اليمن الى الغرب في المغرب العربي, كما انها تضع في مخططها الاستراتيجي طويل المدى احتمال التدخل العسكري فوق التقليدي ضد أهداف عربية تقع خارج نطاق المواجهة (التقليدي) وربما ضد أهداف اسلامية غير عربية ايضا. تتحدد المواجهة العربية مع اسرائيل اقتصاديا أو عسكريا أو دبلوماسيا أو سياسيا في الفترة المقبلة أساس بالدول المشرقية العربية بالتعريف الواسع أي التعريف الذي يدخل مصر في المشرق المتمثلة في مناطق الحدود الشرقية للوطن العربي أي البلدان المطلة على الخليج بما فيها العراق ايضا. والمقصود في دراسة توازن القوى في الاجل المتوسط هو المشرق العربي مع ادخال مصر, وهذا ليس معناه استبعاد منطقة المغرب العربي الداخلة حاليا في الاطار السياسي بما يسمى اتحاد المغرب العربي, من حقل البحث الاستراتيجي للعلاقة العربية مع اسرائيل فدور المغرب العربي يتوقع له ان يتزايد ولكن في الاجل البعيد نسبيا عشر سنوات فأكثر في سياق التطور السياسي العربي من جهة أولى, وتطور الصراع العربي الاسرائيلي من جهة ثانية وكذلك السودان بثقله الاقتصادي الطبيعي, ودوره الاستراتيجي الذي يشترك فيه كل من الصومال وجيبوتي واريتريا ايضا, فما هي أهم اتجاهات التوازن الاقتصادي بين المشرق العربي وإسرائيل؟ وهذا ما سنحاول كشفه في الحلقة الثانية! تنشر بالترتيب مع وكالة الاهرام للصحافة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات