شهد الواقع العربي مؤخرا أكثر من حدث تبلور حياله موقف عربي موحد وكان بين ذلك معارضة البلدان العربية ضربة أمريكية للعراق, ثم كان منها معارضة الاعتداء الأمريكي على السودان والمتمثل بتدمير مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم . وتدعيم هذه التقاربات السياسية العربية مايدور في الاجتماعات وفي المداولات العربية من أحادث وجهود لعقد قمة عربية, ويمكن ان يحضرها بعض القادة العرب, وتكون مصغرة, أو أن يحضرها كل الزعماء العرب وتكون عامة ,وللحالتين سوابق في تاريخ القمم العربية, والتي بدأت منذ أربع وثلاثين عاما, عندما انعقد أولها في الاسكندرية عام 1964 بدعوة من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر, وقد تكررت القمم بعده, فعقدت مصغرة, كما انعقدت عامة وشاملة, وعلى الحال الأخيرة جاءت أغلبية القمم العربية. وبغض النظر عن حجم القمة العربية مصغر أو موسعة, شاملة, فإن انعقادها صار ضرورة تقتضيها حالة العرب ودولا وشعوبا وأمة, بل ان هناك ما هو أبعد من الراهن في ضرورات القمة العربية ,بمعنى وجود ضرورات مستقبلية , تتصل بواقع البلدان العربية ,كل على حدة, وفي الوقت نفسه تتوفر ضرورات ذات صلة بمجمل البلدان العربية كلها. وتتوزع ضرورات انعقاد القمة العربية في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية وصولا إلى المجالات الأمنية,وتتعدد مستويات البحث والمعالجة في الموضوعات العربية من مستوى البحث في واقع بعض البلدان العربية, التي تشهد مشكلات داخلية مستعصية منها المنازعات الداخلية إلى المستوى الثاني, والمتصل واقع العلاقات العربية ـ العربية, أما المستوى الثالث فهو البحث في واقع العلاقات العربية مع الدول الأخرى سواء تلك الواقعة في الاطار الاقليمي أو الدولي, ولا سيما التي تؤثر علاقاتها بصورة فاعلة في الواقع العربي. وإذا كان من المهم تحديد الأساس في ضروريات القمة العربية, فيمكن القوب أنها في المقام الأول ضرورات سياسية, لعل الأبرز فيها التحديات التي فرضها استمرار العدوان الاسرائيلي على العرب سواء لجهة استمرار سياسة القول الاسرائيلية ضد العرب , أو لجهة استمرار الاحتلال للأراضي العربية المحتلة وتصاعد مسيرة الاستيطان الاسرائيلي في القدس والضفة الغربية ومرتفعات الجولان في ظل الجمود القسري الذي يفرضه الاسرائيليون علي عملية التسوية السياسية ومحاولة ترسيخ الفرقة العربية في المفاوضات مع اسرائيل لاضفاء المزيد من الضعف في موقف المفاوضين العرب خصوصا وفي الموقف العربي العام, والأمر في هذا بات يتطلب اجتماعا عربيا في مستوى القمة, لا يبحث في معاني ودلالات ما يحصل, فهذه أمور معروفة لدى القادة بل للبحث عن اجراءات عملية في المستويات الدولية والاقليمية لاستنهاض الموقف العربي وتقويته, ودفع المجتمع الدولي وبخاصة القوى الكبرى لاتخاذ مواقف عملية لمواجهة التعنت والتشدد الاسرائيلي الذي يستهين بكل ما يحيط به, بما في ذلك إرادة المجتمع الدولي وقرارات مؤسسات ولا سيما الأمم المتحدة. وبطبيعة الحال, فإن بين الضرورات السياسية لانعقاد قمة عربية ما تمثله بعض السياسات الدولية ازاء العرب ودولهم, ولعل في مقدمة تلك السياسة سياسة الولايات المتحدة الأمريكية التي صارت أكثر تشددا في ظل الدور الأمريكي في استمرار الحصار المفروض على العراق وليبيا والسودان, والتي تترافق مع ممارسة سياسة القوة, ومنها الاعتداء على مصنع أدوية الشفاء في السودان, والاعلان عن استعدادات أمريكية لتوجيه ضربة عسكرية للعراق. ولا ينفصل المهم في ضرورات القمة العربية من الناحية السياسية عن المهم من الناحية الاقتصادية, فالدول العربية الآن تواجه تحديات العولمة والمشروعات الاقليمية الشرق أوسطية والمتوسطية بما تعنيه من عمليات انفتاح في الشق الاقتصادي على الآخر , والذي غالبا ما يشكل قوة أكبر وأكثر فاعلية في محتوى ومضمون العلاقة, مما يعني ضرورة ائتلاف اقتصادي عربي, يأخذ شكل وحدة اقتصادية, أو سوق عربية مشتركة, وفي الأقل تكتلات عربية اقتصادية قطاعية أو اقليمية من شأنها, ان تجعل من اقتصاديات الدول العربية أقدر على مواجهة تحديات العولمة ومشروعات الشراكة الاقتصادية, وان تشكل عامل حماية للنجاحات الاقتصادية العربية في القطاعات المختلفة, والتي تحققت على مدار عقود التنمية, وأن تفتح آفاقا أمام التطور الاقتصادي المشترك للبلدان العربية, حتى لا تصبح العولمة الاقتصادية بالنسبة للعرب, ميدانا لنهب وتصفية الامكانيات العربية. ولعل مما يعزز ضرورات التوجه الاقتصادي أمام قمة عربية محتملة, ان معظم الحكومات العربية طرحت على مدار السنوات الأخيرة أهمية القضية الاقتصادية وواجب معالجتها عبر شكل من العمل العربي المشترك, والقضية في هذا ليست مبنية على الأمنيات أو الشعارات, بل هي مبنية على معطيات رقمية وأسس عملية قدمها وصاغها خبراء اقتصاديون درسوا الحال العربي, وخلصوا إلى نتائج تؤكد ضرورة عمل اقتصادي عربي مشترك, باعتباره مدخلا للقرن القادم, ونسقا عربيا لمواجهة التطورات الاقتصادية وتحدياتها. وإذا تجاوزنا ضرورات ودواعي القمة العربية السياسية والاقتصادية رغم أهمية الاثنتين وتأثيراتهما الخطرة على الواقع والمستقبل العربي على البلدان العربية, منفردة ومجتمعة على السواء فإنه لا يمكن تجاوز ضرورتين لابد من معالجتهما في اطار قيادي عربي عالمي المستوى, وليس أقدر من القمة العربية على اتخاذ قرارات سياسية فيما يتصل بالموضوعين, وأولهما موضوع الغذاء والثاني موضوع المياه, وفي كلاهما ما يؤثر بصورة حاسمة على الوجود العربي أساسا وعلى استمراره. ولتقدير خطورة الموضوعين يكفي القول ان العرب يستوردون معظم احتياجاتهم الغذائية وهي احتياجات سوف تتضاعف خلال الاثني عشر عاما المقبلة مما يرتب على الدول العربية فواتير مضاعفة, تعمل أكثر من مائة مليار دولار للاحتياجات الغذائية, وسوف تعجز اغلبية الدول العربية عن الوفاء بها, مما يجعل الأمن الغذائي العربي في خطر مؤكد, ويجعل العرب رهائن القرارات السياسية للدول التي تبيع السلع والمواد الغذائية في العالم. ولعل موضوع المياه العربية كواحد من ضرورات ودواعي القمة العربية, لا يقل خطورة عن موضوع الغذاء, خاصة وسط معطيات مؤداها تردي حالة الهطولات المطرية وتراجع كميات المياه السطحية, وتدني نوعيتها, بالتزامن مع تزايد السكان من جهة, ومع طموحات بعض دول الجوار العربي إلى تسليع المياه بتحويلها إلى سلعة دولية على نحو ما تسعى تركيا, وهو أمر يهدد مياه بلدين عربيين كبيرين هما سوريا والعراق, وقد يكون هذا الطموح فاتحة وسابقة تتخذها أساسا دول منابع النيل في سياسة مائية لاحقة مع السودان ومصر. إن الحاجة إلى قمة عربية تبحث في الشأن العربي وفي علاقاته مع المحيط الاقليمي والدولي, تبدو حاجة ملحة وهي لاتقتصر على السياسة والاقتصاد بل تمتد إلى الأبعد, والأكثر اتساعات وشمولية, وإذا كان بعض القادة العرب ملوكا ورؤساء لا يجدون حاجة لقمة عربية تعالج الشأن السياسي العربي, وتصيغ نهجا للتعامل معه, فإن في قائمة ضرورات القمة العربية كثير من القضايا وكل واحدة منها تستحق البحث واتخاذ قرارات من جانب القادة العرب.