الزحف الاستيطاني الصهيوني تجاه القدس وتكريس المؤسسات اليهودية فيها, يكاد يكون نسخة منقحة من قصة نشوء تل ابيب, فقد بدأت هذه الاخيرة كمجرد حي ضئيل بضواحي يافا العربية, ثم تمدد الوجود اليهودي حثيثا حتى تمكن من ابتلاع المدنية الام ذاتها . ذلك ان الاصل في تهويد القدس, كان ذلك الحي السكنى المحدود الذي اقيم غربي بوابة يافا في المدينة المقدسة المعروف بحي (مونتفيورى) ولم يكن المقصود بمنح قطعة الارض التي بنى عليها هذا الحي من جانب السلطان عبدالحميد ابان اواخر عهده هو تأسيس حي سكنى, بل انشاء مستشفى, لكن المليونير البريطاني اليهودي (مونتفيورى) الذي دعى الحى باسمه, خالف نص التصريح السلطاني في ذلك الحين, ثم تدرج الصهاينة بوجودهم في القدس, مقيمين المؤسسة تلو الاخرى, حتى ادعوها بكاملها لانفسهم باعتبار انها تمثل مركز هذا الوجود. وعندما صدر تقرير بيل (1937), الداعى الى تقسيم فلسطين للمرة الاولى, واخرج القدس من الدول اليهودية المقترحة, ثار الصهاينة على هذه الجزئية, اذ كيف لا تكون المدينة في دولتهم وهي التي تضم بزعمهم مؤسساتهم المركزية كالوكالة اليهودية والمجلس الملى في فلسطين ورئاسة الربانيين والمكتبة القومية والجامعة العبرية... وغيرها؟ والواقع ان هذه المؤسسات لم تكن سوى نتاج عملية مقصودة مصطنعة للاستحواذ على المدينة.. عملية ساهم في مرورها تساهل سلطات الانتداب نفسها, تماما كما ساهم في ذلك لاحقا وقوع القدس تحت السيطرة العسكرية الصهيونية. من ابرز امثلة للتمدد المؤسساتي الصهيوني في القدس عملية انشاء الجامعة العبرية.. ففي عام 1902 اقترح هرتسل على السلطان العثماني اقامة هذه الجامعة, وحاول تزيننه معتبرا ان (تلقى شبان جلالته العلم في البلاد, يمنع عنهم الغواية السياسية التي يتعرضون لها في الخارج وتبنيهم للافكار الثورية) ولكن السلطان رفض العرض, فطوى المشروع حتى حين. وجاء ذلك الحين في ركاب الانتداب البريطاني, ففور دخول القوات البريطانية فلسطين, تقدم حاييم وايزمن باقتراح الجامعة للسلطات العسكرية.. الامر الذي استهجنه القائد (اللنبي) فارسل يستطلع رأى لندن قبل اعطاء كلمته, وكان ان تلقى امرا من الخارجية البريطانية بالسماح بانشاء الجامعة في القدس, وبالفعل وضع حجر الاساس في 24 يوليو 1918 اي قبل انتهاء الحرب العالمية الاولى رسميا واقرار الادارة المدنية البريطانية والانتداب على فلسطين! كان الحدث بالغ الدلالة, ولذا تم ــ في ظل الاحتجاج العربي الفلسطيني ــ على جرعات, فقد بدأت الجامعة بمبنى المكتبة, ثم انشىء قسم للدراسات الشرقية ومعهدان للميكروبات وللكيمياء الحيوية, ثم تحول المعهدان الى كلية للعلوم, ثم الحق مستشفى روتشيلد في القدس بالجامعة بصفته كلية للطب, ثم تحولت محطة للتجارب الزراعية بالجامعة الى كلية للزراعة, ثم وحدت الجامعة معاهد العلوم اليهودية والدراسات الشرقية والاداب وحولتهم جميعا الى كلية للاداب. بهذه الاجراءات المتدرجة بين وضع حجر الاساس عام 1918 والافتتاح عام 1925 وحتى منتصف الثلاثينات, اصبحنا امام مؤسسة صهيونية يهودية كبرى في القدس.. وفي وقت لاحق, تجاهل الجانب الصهيوني الذلة والمسكنة التي ابداها هرتسل في السابق, وراح يطالب بالمدينة على اعتبار ان له جامعة بها. بخلاف التسلسل والتدرج في التغلغل وتكريس هذه المؤسسة, يمكن ملاحظة ظواهر اخرى, منها: * الدلالة الاستراتيجية, اذ اقيمت الجامعة على ارض تابعة لضاحية جبل مسكوبس, وهو موقع له مكانة استراتيجية امنيا وسياسيا, فهو يسيطر على شمال القدس ويشرف على القرى المجاورة في وادى الاردن وجبال الاردن الغربية. * الأبعاد الثقافية والسياسية الاقليمية, وهي تستشف من اعتبار الجامعة مركز لاشعاع الثقافة اليهودية بحشوها الصهيوني واحياء التقاليد العبرية ونشرها في محيط فلسطين وخارج مجالها الجغرافي. ويفهم ذلك على الاقل من كلمة (بلفور) الذي شارك بنفسه في حفل الافتتاح (ابريل 1925) : (نأمل في ان تصبح الجامعة مركز اشعاع سياسي وقومي للحركة الصهيونية, حتى تعم منطقة الشرق الاوسط من سيناء الى سوريا الى شرق العراق, او الى مدى أبعد من ذلك) . * استبعاد النظير والبديل العربي الفلسطيني... فقد اعترضت الحركة الصهيونية وساندها الانتداب البريطاني في ذلك, على انشاء جامعة عربية فلسطينية في القدس, حدث ذلك اثناء عهد الانتداب, واستمر في العهود اللاحقة وصولا الى الوقت الحاضر, وكانت العلة بكل صراحة هي (ان قيام جامعة فلسطينية سوف يهدد الثقافة العبرية وهدف تهويد القدس) ... وبالمناسبة, ثمة جامعة فلسطينية الآن تسمى جامعة القدس... لكنها تعمل خارجة الاعتراف الصهيوني الاسرائيلي, وتتخذ من محيط القدس مقرات لكلياتها وتعتمد فقط على الاعتراف العربي والفلسطيني بها. وبالمناسبة, فان الوعي الفلسطيني بمعنى غياب المؤسسة الجامعية الذاتية, واقامة المؤسسة الجامعية الصهيونية في القدس, هذا الوعي كان متوفرا بقوة في جميع المراحل, فعلاوة على الاستمساك بهدف تجذير المؤسسة الجامعية الخاصة في الوقت الراهن, بغض النظر, وعلى الرغم من, العقبات التي تدفع بها اسرائيل امام هذا الهدف, ثمة مؤشر تاريخي على هذا الوعي... فعند افتتاح الجامعة العبرية (قامت المظاهرات الفلسطينية, واغلقت الحوانيت في القدس (ويافا وحيفا) , بحيث جرت المراسم وسط اجراءات أمنية مشددة) ... هكذا وصفت المصادر يوم الافتتاح ووقعه على الجانب الفلسطيني. كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة