لايستطيع المرء وصف تفجير السفارة الامريكية في كل من نيروبي ودار السلام الا بأنهما جريمتان تسببتا في قتل وجرح المئات من الابرياء والحقتا دمارا هائلا في المباني والممتلكات واثارتا الهلع والذعر في عامة الناس مما يعني انه يجب الا يكون هناك تهوين من شأن مرتكبي الحادثتين . في الوقت ذاته يجب عدم الزج بالاسلام طرفا في هذا العدوان مهما كانت هوية الفاعلين فغاية من يمكن ان يصف به هؤلاء الفاعلون ان صحت نسبة هويتهم العربية الاسلامية بأنهم فئة بائسة ويائسة لجأت الى الباطل وادركته في نيروبي ودار السلام رأت هذه الفئة في ضوء الواقع ومعطياته الولايات المتحدة شيطانا يجب ملاحقته ومطاردته في اي مكان كما رأت في استهداف مصالحه واجبا لابد من تأديته, وجهادا لابد من الاستمرار فيه. وقد ذهب احد المنظرين المعبرين عن اتجاه وفكر هذه الفئة الى ابعد من هذا وذلك عندما رأى في الاسبوع الماضي, وفي برنامج تلفزيوني بثته احدى الفضائيات العربية المثيرة, ضرورة ضرب الشعوب (الكافرة) في عقر دارها ان هي اعرضت عن الدخول في الاسلام! وقد استشهد صاحبنا في ذلك بقوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة) دون اعتبار لتكلمة الآية : كما يقاتلونكم كافة) . اذا تم استحضار الفكر الموجه لجماعات شاذة في ضوء قراءات خاطئة وفهم سقيم لنصوص تراثنا الفكري, بعد بترها من السياق الذي وردت فيه, واستبعاد النصوص الاخرى او جهلها, وتم دعم ذلك الفكر بمظاهر اليأس في الواقع المعاش, والتي تفرض نفسها على عامة الناس في كثير من البلاد العربية والاسلامية والمواقف غير العادلة للدول الكبرى تجاه قضايا تلك البلاد, خاصة موقف الولايات المتحدة ودعمها المطلق لاسرائيل. فإنه يمكنك ان تجد انصارا واتباعا لهذا الفكر, بل ومنفذين لما يملي عليهم ذلك الفهم الذي اشرت اليه ربما كانت بعض تلك الاعمال الارهابية انعكاسا لفكر تلك الجماعات وتطبيقا لفهمها. الامر الذي يدعونا الى التوقف عند هذا الاتجاه وآثاره ولكن قبل ذلك يجب التأكيد على ان اعمال العنف تلك والمنسوبة الى بعض جماعات التطرف ليست بالحجم الذي يتم تصويرها فهناك تهويل ظاهر من شأنها بلغ حد وصفها بأنها ظاهرة ارهابية عالمية مما يتطلب استعدادا كبيرا لمواجهتها والتصدي لها! والملفت ان ذلك التهويل من شأن الارهاب الاسلامي يزداد في عدة احوال, يأتي بالطبع في المقام الاول عندما يستهدف الحدث مصلحة غربية ولعل اقرب مثال على ذلك, تلك التغطية الهائلة لتفجيرات نيروبي ودار السلام ثم يأتي التهويل من خطورة الارهاب (الاسلامي) عندما يكون العنف وسيلة لحل الصراعات او انتزاع الحقوق في بعض الدول العربية ويكون الاتجاه الاسلامي او من يدعي الانتساب اليه, طرفا في ذلك الصراع مع السلطة ويأتي هذا التهويل واطلاق الصبغة الاسلامية على الاعمال الارهابية في تلك الدول بحسبانها صفة لازمة لذلك الاتجاه برمته ويأتي كذلك في اطار حملة منظمة لربط تلك الاعمال بذلك الاتجاه تنفيرا للناس منه, وحثا على استعدائه ومحاصرة المنتسبين اليه الذي يدعو الى الحزن ان بعض الانظمة العربية تلعب دورا هاما وفي ظل صراعها مع الاتجاه الاسلامي في الترويج لمقولة التطرف الاسلامي ولاتتردد تلك الانظمة لمقولة التطرف الاسلامي ولاتتردد تلك الانظمة في اختلاق ازمات وافتعال مشكلات بل وارتكاب اعمال عنف وارهاب في سبيل اقناع الدول الغربية الكبرى بأن هناك خطرا (اسلاميا) يهدد المنظومة العلمانية في المنطقة والمصالح الغربية فيها! مما يستدعي تدخلا غربيا لمساندة تلك الانظمة ودعمها او على الاقل تفهما لاساليب تعاملها وممارستها مع جماعات المعارضة تلك الممارسات التي لاتدع حقا من حقوق الانسان الا وانتهكته ولا حرية من حرياته الا وسلبتها. تشخيص خاطىء لظاهرة العنف الايام التي فصلت تفجيري السفارتين الامريكييتين في نيروبي ودار السلام عن ضرب المواقع في افغانستان والسودان كانت حافلة بعرض صور ضحايا تفجيري السفارتين الامريكيتين وشهدت كذلك حملة اعلامية هائلة مهدت للهجوم على مواقع في افغانستان ومصنع الادوية في السودان حشدت تلك الحملة ــ بطبيعة الحال ــ كل مايمكن ذكره وعرضه من مواد تدين تلك الاعمال التي استهدفت المصالح الامريكية ومرتكبيها وهو امر يتفق عليه الاسوياء غير ان الخطيئة التي وقعت فيها وسائل الاعلام الغربية خاصة الامريكية انها خلطت بين الاسلام والارهاب وحاولت اثبات علاقة معينة بين الاثنين. وقد رأينا تقارير غربية لكتاب ومثقفين بارزين تتعرض لمفهوم الجهاد في الاسلام وتورد آيات قرآنية على انها الدافع الاساسي وراء العنف (الاسلامي) ووراء العمليات المستهدفة للمصالح الامريكية! بل ووقعت تلك الوسائل في خطيئة اخرى عندما صورت الالتزام بتعاليم الدين ومظاهره على انها من علامات التطرف احدى ابرز المحطات التلفزيونية الامريكية تطرقت لمسألة التطرف الديني في مصر, وعرضت تقريرا من واقع الحياة العادية اليومية للشارع المصري, واشتمل التقرير على لقطات لنساء وفتيات مصريات وهن يرتدين الحجاب مع تعليق لمذيع امريكي على ان تلك الصور هي من مظاهر التطرف الديني, بل ومن الدلائل على تنامي التطرف في مصر! يذكرنا هذا التفسير الخاطىء للتطرف واسبابه بما يحدث في بعض البلاد العربية والاسلامية من قبل انظمتها السياسية او المؤسسات العسكرية المهيمنة فيها. وذلك عندما رأت في الالتزام بمظاهر الدين وتعاليمه مؤشرا على التطرف الديني, ومن ثم خطرا على الديمقراطية والحريات المكفولة في ظلها. وقد نتج عن ذلك التشخيص الخاطىء ان تطوع مثقفون باقتراحات تدعو الى محاصرة الدين في دور العبادة, والى تجفيف منابع التدين من خلال المناهج الدراسية ووسائل الاعلام والمؤسسات الثقافية بل وذهب اخرون الى ابعد من ذلك عندما دعوا الى الترويج لثقافة المتعة والاباحة والتحلل بديلا للثقافة الدينية! وتناسى هؤلاء انهم بهذا الاسلوب في مواجهة التدين, انما يصادمون فطرة لازمة لدى الانسان لاغنى له عنها بل ويسهمون ـ من حيث لايشعرون ـ في الترويج للتطرف الديني الذي يسعون الى اقصائه واستئصاله وذلك عندما يلجأ هؤلاء (المحاصرون) الى اي مصدر بديل لنيل حاجة التدين ويكون البديل المتاح في كثير من الاحيان مشوبا بالكثير من الغموض والشبهات مثل المنظر الذي اشرت اليه في بداية هذا المقال. وللعلم فإن مسألة التدين ليست من الامور التي يشذ او يتفرد بها المسلم ويراها ضرورة فطرية بل رأينا بحثا متواصلا من قبل اناس ينتمون الى المنظومة الغربية وغيرها لحل ازمة الهوية ومشكلة الفراغ الروحي, خاصة في ظل المجتمعات التي تئن تحت وطأة المادية الطاغية من الامثلة القوية على ذلك الجماعات والمنظمات الدينية في امريكا, مثل مجموعة (ديفيد فورش) وميليشا ميتشجان, وفي اليابان جماعة (اوم شيزي كيو) اي الحقيقة المطلقة والملفت ان هذه الجماعات التقت مع بعض الجماعات الدينية التي ظهرت في الشرق الاسلامي في اللجوء الى العنف كوسيلة لتحقيق مبادئها ولعل انفجار اوكلاهوما في عام 1995, واطلاق الغازات السامة في اليابان في العام نفسه, والحوادث التي قام بها جماعات الشرق من الادلة على ذلك الامر وكل ذلك يشير الى حقائق اهمها ان العنف غير مرتبط بالضرورة بدين او مذهب, وانه غير قاصر على وطن معين, ويشير كذلك الى التفكير في اسلوب آخر للتعامل مع ظاهرة العنف. العنف والعنف المضاد سواء كان المستهدف من العنف رهبانا في صعيد مصر, ام في الجزائر في ام في سفارة امريكية في افريقيا فإنه يجب اولا رفض تلك الاعمال ونفي الصفة الاسلامية عنها ثم وبدرجة لاتقل اهمية يجب التوقف عند الحدث نفسه, بل ينبغي بحث الظروف والملابسات التي سبقت الحدث وصاحبته بالاضافة الى الاسباب التي دفعت الى ارتكابه هذا اذا صدقت النوايا وكانت هناك رغبة جادة في القضاء على الاسباب الحقيقية التي ادت الى ظهور نبتة التطرف وانتشار آثارها اذ بغير ذلك لايتوقع ان تتوقف ظاهرة خطيرة مثل ظاهرة العنف والمؤسف ان معظم محاولات البحث عن تلك الاسباب وقفت عند الظاهرة على انها مشكلة امنية, او نتيجة لأزمة اقتصادية, وفقر وبطالة ونحوهما ولم تبحث تلك المحاولات (اشئت الدقة) لم تتجرأ لذكر الاسباب الحقيقية لظاهرة التشدد الديني او التطرف فيه, ومن ثم نتائجه من عنف وبطش وارهاب وقد وردت بعض تلك الاسباب في مواضع من هذا المقال. تفرقة واجبة بين جهاد مشروع وارهاب ممنوع احسب ان هناك ضرورة التأكيد على هذه التفرقة بين الجهاد المشروع ويتمثل في الدفاع عن النفس والوطن والهوية وحماية المقدسات ويعد هذا الجهاد مشروعا وواجبا ولعل ابرز قضية ينبغي التأكيد عليها في هذا السياق قضية فلسطين خاصة وانها بصدد الاغتيال والتصفية وذلك مع اشتداد حملة محو الذاكرة العربية وما تشتمل عليه في تاريخ صراعها مع الصهاينة. من مظاهر اغتيال القضية هو الخلط الغريب بين مشروعية دفاع الفلسطينيين عن الارض وذبح المعتدي من خلال العمليات الفدائية الاستشهادية وبين الارهاب الذي يستهدف الآمنين الابرياء. في مقام سابق اشرت الى الانقلاب في المفاهيم والذي تسعى اسرائيل واطراف اخرى الى احداثه والترويج له وذلك من خلال عملية التسوية التي بدأت في مدريد في عام 1991 وكان ابرز تلك المفاهيم مفهوم الجهاد وحق مقاومة المحتل وتصوير ذلك على انه لون من الوان الارهاب, الذي يستدعي المواجهة والاستئصال واحسب ان هذا الامر في غاية الاهمية والخطورة, لان نجاح اسرائيل في تقرير هذا المفهوم ينفي عنها صفة الاعتداء التي اوجدت هذا الكيان اصلا, ويضفي عليها شرعية تستوجب احترامها وعدم المساس بها, ومقتضى التسليم بهذا المفهوم, انه لم يعد مقبولا (خاصة في ظل اتفاقات التسوية التي حولت ذلك العدو التاريخي الى جيران واصدقاء وابناء عمومة) القيام بأي عمل ينتهك الوضع الذي شكل العلاقة الحالية مع الكيان ويمثل ــ بطبيعة الحال ــ اي عمل مسلح ضده خطرا يهدد عملية السلام! والغريب اننا وجدنا طائفة من (المطبعين) العرب يرددون المقولة الاسرائيلية في وصف القائمين بالاعمال الفدائية بأنها اعمال ارهابية! بل وتجاوز الامر الى حد الدعوة من قبل غلاة (المطبعين) الى (ارهاب الارهاب) وملخص هذه الدعوة يتمثل في ارهاب اي استئصال المقاومة الفلسطينية والقضاء عليها وذهب آخرون الى وصف العمليات الفدائية بأنها عمليات انتحارية. وألخص الرد على ذلك الزعم بكلام نفيس للدكتور يوسف القرضاوي بعد ان كثر الجدل حول تلك المسألة حيث اشار الى ان وصف مثل هذه العمليات بأنها (انتحارية) تسمية خاطئة ومضللة, فهي عمليات فدائية بطولية استشهادية, وهي ابعد ما تكون عن الانتحار, ومن يقوم بها أبعد ما يكون عن نفسية المنتحر. ان المنتحر يقتل نفسه من اجل نفسه, وهذا يقتل نفسه من اجل دينه وأمته, إن هؤلاء الشبان يدافعون عن ارضهم ــ وهي ارض الاسلام ــ وعن دينهم وامتهم ليسوا بمنتحرين, وانما هم شهداء حقا, بذلوا ارواحهم وهم راضون في سبيل الله, مادامت نياتهم خالصة لله, مادامو مضطرين لهذا الطريق لارهاب اعداء الله. انهم ليسوا بمنتحرين, ليسوا بارهابيين, فهم يقاومون مقاومة مشروعة من احتل ارضهم وشردهم وشرد أهلهم واغتصب حقهم وصادر مستقبلهم, ولايزال يمارس عدوانه عليهم. المشرف العام لجامعة زايد*