ترى ما الذي يحدث في منطقة البحيرات الكبرى؟منذ بداية التسعينات وهذه المنطقة وسط افريقيا تشهد حروبا اهلية ومجازر بشعة اودت بحياة مئات الآلاف من البشر في رواندا وبوروندي . وحتى اليوم لم يستقر الوضع فيها, فقد عادت آلة الحرب والدمار تعصف بالكونغو .. كونغو كابيلا هذه المرة, والذي حول اسمها من زائير الى جمهورية الكونغو الديمقراطية بعد انتصاره المدوي على موبوتوسيسي سيكو. هل يراد لهذه المنطقة ان تكون الساحة التي يتم فيها حسم نزاع النفوذ بين فرنسا والولايات المتحدة؟ ربما, رغم ان هذا النزاع مستعر من شمال افريقيا في الجزائر ... الى غربها في السنغال وحتى وسطها وشرقها. وهو يخبو حينا في دولة افريقية ما, ثم يستعر حينا في دولة اخرى, حسب موازين القوى وحسب اهميتها وقربها او بعدها من مراكز التأثير والقوة. لكن النزاع الامريكي الفرنسي على الهيمنة في القارة السوداء, وهو نزاع حقيقي وموجود. لا يفسر مع ذلك كل شيء بالنسبة لما يحدث في منطقة البحيرات الكبرى. فهناك الجذور القبلية والعرقية (مثل النزاع بين الهوتو والتوتسي) . وهناك التقسيمات الادارية والسياسية غير المتوازنة التي ورثتها القارة من زمن الاستعمار الفرنسي والايطالي والبرتغالي ... الخ. وهناك ايضا الطموحات الشخصية في السلطة, لاجيال مخضرمة وحديثة من القادة الافارقة, الذين وجودا انفسهم محرومين من الفرصة, في ظل انظمة توتاليتارية وعسكرية بقت في الحكم طويلا. ثم هناك اخيرا نزعة التحديث والديمقراطية التي غذتها سنوات من الحكم الفردي والشمولي في بعض دول القارة . كل هذه العوامل تشكل في مجموعها فسيفساء الصراع الدائر في هذه المنطقة ولا غنى عنها لفهم طبيعة هذا الصراع واتجاهاته العامة. نعم, ثمة تداخل بين المعطيات الداخلية والخارجية. بمعنى ان السياق العام للصراع يدور على خلفية نزاعات اقليمية ودولية. تشترك في حلقة واحدة مع الاطراف المحلية. وهناك على سبيل المثال جهد امريكي بدأ يبرز منذ منتصف التسعينات لترتيب البيت الافريقي في اطار التوجهات الامريكية. وهذا الجهد ينطلق من خلفيات اقتصادية وسياسية واستراتيجية. وقد نجحت الولايات المتحدة في عدد من المواقع الافريقية (اوغندا, اثيوبيا, اريتريا, انجولا والكونغو نفسها ... الخ) ولاتزال تسعى في مناطق اخرى. كما تتنافس عدة دول اوروبية ايضا على الاحتفاظ بمواقعها, او احتلال مواقع جديدة لها في القارة الافريقية. غير ان هذا هو الوجه الاول فقط من الصورة. اما الوجه الآخر فهو ان الانقسامات العرقية والمصالح المحلية والاقليمية المتناقضة تلعب هي الاخرى دورا حاسما في تقرير مصائر هذه الدول. لقد ادى انهيار النظم القديمة التي اكتسبت شيئا من شرعيتها خلال حروب الاستقلال والتحرر الوطني, الى تفتت البنى السياسية في الكثير من دول افريقيا. ولم ينجح معظم هذه الدول في الامساك بالطريق الديمقراطي المؤمل وتحقيق السلم الداخلي والاجتماعي. وقد سمح ذلك للتكوينات القبلية والأولية (عرقية كانت ام دينية ام محلية) بأن تطل برأسها على مسرح الاحداث السياسية, ثم ما لبثت ان تسيدت هذا المسرح. وحيثما انتصرت تشكيلات قبلية معينة, اغلبية كانت تشكل ام اقلية, في هذه الدولة او تلك فانها خلفت وراءها ايضا جيوبا قبلية متمردة, تقف على اهبة الاستعداد, بانتظار الدعم الخارجي واستواء الظروف, للانقضاض على الحكم الجديد. وهذا يعني ان الانتصارات التي تتحقق في هذا الميدان, ليست نهائية, او هي في افضل الاحوال ليست مكتملة وناقصة الى حد كبير. وتشكل الكونغو (او زائير سابقا) نموذجا لحالة الالتباس والتشابك بين عوامل عدة للنزاع الدائر في منطقة البحيرات الكبرى. ففي سبتمبر 1996 قاد لوران ديزيريه كابيلا هجومه العسكري الناجح على نظام المارشال موبوتو, والذي توج بالانتصار وتشكيل حكومة جديدة. وكان لافتا ان معظم الدول المحيطة بالكونغو, وخصوصا انجولا وأوغندا ورواندا, قد ساعدت كابيلا في انتصاره. يومها كان الحديث يدور عن نجاح واشنطن في ازاحة أحد أكثر البيادق أهمية وقربا من فرنسا (نظام موبوتو) في القارة الافريقية. غير ان العلاقات بين كابيلا وكل من رواندا وأوغندا سرعان ما تدهورت بسبب الاختلافات العميقة حول كيفية التعامل مع الضرورات الأمنية لكلا البلدين. ففي شرقي الكونغو المتاخم لأوغندا ورواندا وبوروندي وتنزانيا توجد المواقع الخلفية للمتمردين الأوغنديين والروانديين وهم من الهوتو, في حين ان نظامي البلدين يتكونان أساسا من التوتسي. وكان دعم الحكومة الرواندية لكابيلا في البداية قد تم على أساس القضاء على معسكرات الهوتو في شرقي البلاد, وضمان وجود منطقة أمنية على الحدود لمنع تسلل المتمردين. وقد تم حينها تدمير مخيم كبير للاجئين هو توروانديين مقيمين في كيفو (المنطقة الحدودية في شرقي الكونغو) منذ مجزرة 1994 في رواندا. غير ان نظام كابيلا وبمجرد مجيئه للحكم رفض الحل العسكري للمشكلة وآثر الحوار والمفاوضات. وهو الأمر الذي أغضب كل من رواندا وأوغندا ودفعهما إلى دعم التمرد المناهض لكابيلا, الذي بدأه محاربون (بانيا مولنجي) (كونغوليون توتسي من أصل رواندي). وقد سيطر هؤلاء منذ بداية التمرد على شرقي الجمهورية, لا سيما منطقة كيفو. ومن هناك بدأوا الزحف والسيطرة على المدن والمناطق في غربي البلاد وجنوبها, حتى وصلوا إلى مشارف العاصمة الكونغولية كينشاسا وباتوا يهددون نظام الرئيس كابيلا. غير ان نجاح المتمردين التوتسي في انتزاع الحكم في الكونغو, من شأنه أن يغير خارطة التوازنات في المنطقة لصالح تحالف أوغندا ــ رواندا. وقد تحركت كل من انجولا وزيمبابوي وناميبيا لدعم كابيلا وأرسلت قوات عسكرية ضخمة للحيلولة دون سقوط كينشاسا. فيما هددت رواندا من جانبها بالتدخل العسكري المباشر لصالح التوتسي. وهكذا أصبحت الكونغو نفسها على حافة التقسيم وبؤرة لصراع اقليمي يمكن ان يتطور ويأخذ أبعادا خطيرة تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة. وكما نلاحظ فإن الخلفية العرقية والصراع على السلطة يلعب دورا محوريا في هذا النزاع (رواندا, زيمبابوي, أوغندا) فيما يلعب العامل الاقتصادي والاضطرابات الداخلية هو الآخر دورا لا يقل أهمية, كما هو الحال مع انجولا التي تدخلت بعد تردد في الحرب لدعم نظام كابيلا. وبالنسبة للحكومة الانجولية فإن ما يهمها هو استقرار الوضع في كينشاسا بسبب قربها من حقول النفط الانجولية ولحل أزمتها الداخلية الكبرى, المتمثلة في تمرد حركة يونيتا السابق. وهي حركة نشأت واستمرت بفضل دعم الاستخبارات الأمريكية لها خلال الحرب الباردة في مواجهة النفوذ السوفييتي الكوبي في انجولا. يذكر ان عناصر اليونيتا وقفوا إلى جانب موبوتو في الحرب الأهلية, في حين وقفت الحكومية الانجولية مع كابيلا. وتهدد اليونيتا الآن بالدخول في الحرب الحالية إلى جانب متمردي التوتسي ضد كينشاسا. وضمن هذه الخلفية يمكن فهم أبعاد وطبيعة التأثير الذي يلعبه التنافس الفرنسي الأمريكي في منطقة البحيرات الكبرى وفي افريقيا عموما, والذي لا يجب أن يضخم كما لا يجب أن يهمل بالقدر نفسه. كاتب وصحافي بحريني*