تتأرجح أمريكا اللاتينية بين رغبة شعوبها في الخروج من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة التي تطاردها, وبين رغبة السياسيين المحترفين في الابقاء على تلك الازمات لأطول فترة ممكنة, فيضعون العراقيل امام أي حلول ممكنة او يدمرون المؤسسات الدستورية التي تحكم لعبة السياسة في بلادهم, ويصل بعضهم الى حد تحدي الدستور بكل الوسائل الشرعية وغير الشرعية التي تمكنهم من تحقيق رغبتهم, بالنسبة لهؤلاء السياسيين المحترفين كل شيء مباح من اجل تحقيق هدف البقاء في السلطة. ما ان استقرت الاوضاع السياسية في الارجنتين بانتخاب الرئيس السابق الدكتور راؤول الفونسين, ومحاكمة العسكريين الانقلابيين على الجرائم التي ارتكبوها ضد شعب الارجنتين خلال الفترة الدموية التي حكموا فيها البلاد بعد تعطيل المؤسسات الدستورية جميعا, حتى جاء الحزب البيروني بزعيمه الجديد (كارلوس منعم) الى رئاسة الدولة, وكان برنامج الرئيس الجديد ــ كالعادة ــ مليئاً بالشعارات التي يبدو ظاهرها وضع مصلحة الشعب والوطن قبل المصلحة الخاصة. تحت هذا الشعار طالب الرئيس منعم بتعديل الدستور لتكون الرئاسة لفترتين متتاليتين بدلاً من الفترة الواحدة التي كان يتضمنها دستور البلاد القديم, وذلك لمنح الفرصة للرئيس لتنفيذ برامج طويلة الأمد, ووضع منعم مثالاً على ذلك برنامجه الاقتصادي الذي كان يحاول خلال خطوطه العريضة ان يستعيد القدرة الاقتصادية لبلاده التي فقدتها بسبب فساد العسكريين الذين زجوا بالبلاد في أزمة اقتصادية طاحنة. بعد عملية استفتاء شعبية, استخدم فيها الرئيس منعم كل وسائل الدعاية على الطريقة الامريكية, استطاع ان يحصل على موافقة جماهيرية مقبولة, تضمن له اجراء هذا التعديل الذي كان يسعى اليه. لكن الرئيس منعم ما ان حصل على فترته الثانية في الرئاسة ليكون أول رئيس ارجنتيني يحكم البلاد لفترتين متتاليتين, ونفذ جزءا كبيراً من برنامجه الاقتصادي الذي تبين انه غير شعبي على الاطلاق, بل على العكس اغرق الطبقة الكادحة في مزيد من الفقر بسبب الامتيازات التي قدمها للشركات الاجنبية الكبرى وبشكل خاص الامريكية, حتى قرر بشكل منفرد ان يكون اول رئيس يحكم الارجنتين لثلاث فترات متتالية. وللوصول الى هدفه قدم تفسيرات متعددة للدستور, ابرزها ان فترته الرئاسية الاولى تمت تطبيقاً للدستور القديم, وان رئاسته الثانية جرت في اطار تطبيق التعديل الدستوري الجديد, اي ان يتم حساب الرئاسة طبقاً للتعديل الدستوري الجديد, ومهد لدعم هذه التفسيرات القانونية بالاطاحة بكل اعضاء المحكمة الدستورية العليا في البلاد المعارضين لهذا التفسير, ووضع بدلاً منهم قضاة يتبعون هواه. لكن الرئيس كارلوس منعم لم يحسب حساب المتطلعين للرئاسة في حزبه, وبشكل خاص منافسه (ادواردو دوالدي) حاكم العاصمة (بوينس آيريس) , الذي كان ينتظر فرصته في الوصول الى مقعد الرئاسة, وبسبب اصرار الرئيس منعم على الاستمرار في رئاسة البلاد رغم أنف الدستور, بدأت معركة ساخنة بين الرئيس منعم ومنافسه, ليس على زعامة الحزب البيروني فقط, بل على الفوز بمقعد الرئاسة, ولجأ المنافس للرئيس الى سلاح الاحتكام الى الاستفتاء الشعبي. وبدأت استطلاعات الرأي تتوالى منذرة بهزيمة الرئيس منعم في هذا الاستفتاء, خاصة ان النتائج السلبية للبرنامج الاقتصادي الليبرالي بدأت تضرب جيوب العمال, وتدفع بالطبقة العاملة الى حافة الفقر رغم النتائج الربحية المذهلة التي تحققها الشركات الاجنبية من خلال شركات القطاع العام التي اشترتها بأسعار زهيدة, وشردت عمالها وموظفيها, وقامت بتخفيض رواتب من ابقت عليهم تحت شعار (الوضع الاقتصادي المتردي للبلاد) . عندما وجد الرئيس كارلوس منعم ان معركته مع منافسه خاسرة, قرر التراجع ولو الى ان يتغير اتجاه الريح, لأن الانتخابات الرئاسية لن تحين قبل عام 2000, وأعلن قبل أسبوعين انه لا يفكر في ترشيح نفسه حتى لو أعلن قضاة المحكمة الدستورية العليا أحقيته في ذلك. بينما كانت الارجنتين تعيش أزمة ترشيح الرئيس منعم لفترة ثالثة, كانت البيرو تعاني من أزمة سياسية على الطريقة نفسها, فالرئيس البيرواني (البيرتو فوجيموري) وصل إلى رئاسة البلاد عام 1990 بعد معركة ايده فيها الشعب المخدوع بشعار تطهير الحياة السياسية من السياسيين المحترفين, واستعادة الشعب لسلطته في الحكم. لكن ما ان استتب الامر للرئيس فوجيموري, حتى قرر ان يتخذ طريق الذين اعلن انه جاء لتصفيتهم والقضاء عليهم, تحالف مع جنرالات الجيش والسياسيين المحترفين من خلال انقلاب سياسي ضد الدستور, واجرى تعديلات على دستور البيرو مشابهة للتعديلات التي اجراها الرئيس منعم على دستور الارجنتين, وبعد أن انهى فترة رئاسته الاولى تقدم للرئاسة لفترة ثانية, ونجح في هذه الانتخابات لانها جاءت في وقت كانت فيها شعبيته مرتفعة بسبب نجاحه في المعركة الشرسة ضد متمردي (الدرب المضيء) . بعد هذا النجاح, وتأييد الجنرالات الذين اطلق يدهم في ادارة امور البلاد, وصلت إلى درجة أنه كثيرا ما ينام في قواعد عسكرية تأمينا لحياته, قرر أن يخوض معركة جديدة تضمن له العودة إلى الرئاسة لفترة ثالثة, وبدأ في تشكيل المحكمة الدستورية العليا من قضاة على هواه حتى يضمن تفسيرا دستوريا يدعو لاحقيته في الترشيح في الانتخابات المقبلة عام 2000. بدأ دعاة ترشيح فوجيموري لفترة ثالثة في تحريك قواهم, وبدأ الحديث عن تفسير دستوري يضمن هذا الترشيح, ولم يكن صعبا أن يحصل على هذا التفسير بعد ان تمكن من تطهير المحكمة الدستورية العليا من القضاة (المشاغبين) ودعما لترشيحه بدأ الحديث عن اجراء استفتاء شعبي ايضا, لكن الرياح لا تأتي دائما بما تشتهي السفن, فقد بدأت شعبيته في التضاؤل بسبب الازمة الاقتصادية, إضافة إلى اكتشاف الزيف الذي صاحب الكثير من ممارساته السياسية, والتي وضعته مع محترفي السياسة القدامى في سلة واحدة. ازاء الاحصائيات التي اكدت انه خاسر لهذا الاستفتاء, خاصة ان المعارضة استطاعت ان تجمع ما يقرب من مليوني توقيع تطالب الرئيس بعدم ترشيح نفسه في الانتخابات المقبلة, وازدياد المعارضة في الجامعات التي شهدت اكثر من اضراب طلابي ضد دكتاتورية الرئيس, وخرقه للقوانين والدستور, قرر الرئيس فوجيموري ان يلجأ إلى السياسيين المحترفين المعروفين بالفساد, وقرر طرح احقيته في الترشيح لفترة ثالثة من خلال اجراء تصويت بين اعضاء البرلمان. كان الرئيس فوجيموري يعرف تماما ان مصيره مرتبط بمحترفي السياسة. تماما كما ان مصير هؤلاء مرتبط به, لان الفساد اصبح يعم كل شيء, الرئيس يمارس فسادا مقابل ان يسمح للآخرين بممارسة الفساد. صوت اعضاء البرلمان على تفسير المادة الدستورية التي تتحدث عن احقية الرئيس في الترشيح في الانتخابات الرئاسية المقبلة, وجاءت النتيجة على هوى الرئيس فوجيموري, بهذه النتيجة ضمن الرئيس فوجيموري ان يوضع اسمه في قائمة السياسيين المحترفين المعروفين بالفساد, ولكنه لم يضمن الرئاسة لفترة ثالثة, لان هذه النتيجة افقدته المصداقية لدى الجماهير, اضافة إلى الاوضاع الاقتصادية المتردية الناتجة عن تنفيذ سياسات صندوق النقد الدولي. هناك من يقول ان تراجع الرئيس الارجنتيني كارلوس منعم عن ترشيح نفسه امر مؤقت, وان لعبة الرئيس البيرواني فوجيموري ايضا مؤقتة, ولكن المؤكد ان هذه التطلعات الشخصية في البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة لها آثارها السلبية على شعوب تلك البلاد, وان ممارساتهما تكشف عن ان ايا من الرئيسين لا يهمه من العمل السياسي سوى تحقيق المصالح الشخصية على حساب المصالح العامة لشعبه ووطنه. كاتب مصري مقيم في اسبانيا*