ليلة كاملة على القناة الخامسة للتلفزيون الاوروبي الثقافي(أرتي ARTE)ليلة الخميس 27اغسطس 1998خصصت للتعريف بعدالة القضية الفلسطينية . تتركب السهرة من ثلاثة اقسام: القسم الاول تضمن تحقيقا ميدانيا للتعرف على مدى فداحة المأساة الفلسطينية بعد خمسين عاما من النكبة وتخلله حديث صريح مع الرئيس ياسر عرفات وكذلك مع معارضيه... والقسم الثاني تضمن عرسا في أحد الملاجئ بين شاب وفتاة من ابناء هذا الجيل المعذب وأروع ما في هذا (الربرتاج) هو شرط العروس الفلسطينية على زوجها, فقد اشترطت عليه كمهر ان يخلص للقضية وان يقاوم! حتى يستحق الزواج منها, والقسم الثالث يتضمن شريطا فلسطينيا فرنسيا للمخرج (باتريك جانو) بعنوان حبات الالماس الثلاث حول حلم طفل فلسطيني, كانت سهرة كاملة انصفت العرب وقضيتهم وأدانت العدوان التوسعي الاسرائيلي وهذه السهرة الاعلامية التي شاهدها ملايين الاوروبيين أكدت ان هناك تحولا عميقا سريعا في نظرة الغرب لقضية فلسطين العادلة, وفي الحقيقة فان هذه السهرة المشرفة ليست بيضة الديك, فقد تعددت الآراء المناهضة لاسرائيل واصبحنا نأمل الخير, لكننا نطرح دائما مسألة سوء التفاهم بين الحضارة العربية الاسلامية وبين الرأي العام الغربي. وقد تعرضنا في حلقة ماضية الى سعي العرب والمسلمين الى استلهام واحترام سائر ابواب المعرفة الغربية وفنون الابداع الغربي في كل المجالات, ولا يقابل هذا السعي المشكور بمجهود غربي يوازيه او يرد له التحية, بل ا ننا نجد الاعلام الغربي ــ في أغلبه ــ يواصل تقديم صورة مشوهة عن العالم الاسلامي وقضاياه وحقوقه وطموحاته ومصالحه وثقافته وعاداته وتقاليده, مع استثناءات قليلة مثل سهرة الخميس الماضي. ولذلك وجب الاقرار بأن هناك عدم توازن بين ارادتنا الاسلامية وارادة الغرب وبالتالي تستمر ظاهرة سوء التفاهم بل وتكاد تصبح ظاهرة سوء فهم غربي للواقع الاسلامي, لا يقابلها دائما وبالضرورة سوء فهم اسلامي للواقع الغربي, مما يعني ان هذه الظاهرة تتحول الى ذات اتجاه واحد. ولكن هذه الظاهرة بامتداداتها الثقافية والسياسية والتربوية والاعلامية لا تمنع من القيام بعمل علمي رصين من اجل تصحيح صورة الاسلام لدى المجتمعات الغربية وهذا يتطلب تحليلا لمعطيات الوضع الراهن التي هي كالآتي من ناحية الخلفية الذهنية التاريخية: ــ من ثوابت الفلسفة الغربية منذ جذورها الرومانية واليونانية الى مرحلة الاستعمار وفرض الهيمنة انها محكومة باعتبار الحضارات الاخرى حضارات (بربرية أو همجية) فنجد نظرية استعباد الشعوب المختلفة عن الشعب الروماني وفرض الحروب على الشعوب المغايرة للشعب اليوناني مرورا بمكونات الفلسفات الاوروبية الحديثة فنجد نظرية البقاء للأقوى لدى (داروين) ونظرية التناقض الثقافي لدى (هيجل) ونظرية سحق الضعيف لدى (نيتشة) ونظرية الصراع الطبقي لدى (ماركس) ونظرية التنافس الاقتصادي المتوحش لدى (آدم سميث) وصولا الى نظرية صدام الحضارات لدى (صمويل هنتنجتون) , وكلها لا تخلو من مبررات عنصرية وعرقية ناصعة. ولكي نكون موضوعيين فان الفلسفة الغربية انتجت ايضا الفكر الانساني المبدع والمنصف, لكن حركات مثل الحملات الصليبية او فرض الاستعمار لم تستلهم الا من الجانب العنصري والرافض للآخر من فلسفات الغرب, وبذلك تغلب جانب الصراع على جانب الحوار... ونعتقد ان الامر لايزال كذلك الى اليوم, وفي هذا المجال يقول المفكر العربي زكي ميلاد (ان الغرب لا يجد الحضارات الاخرى متكافئة معه ليدخل معها في حوار) . ولعل الفيلسوف والمفكر الفرنسي (روجي جارودي) ابلغ من تصدى لهذه المفارقة في كتابه الذي صدر عام 1978 بعنوان (حوار الحضارات) وهو ينتقد انتقادا قاسيا عقلية الاستعلاء الثقافي التي تزخر بها الفلسفة الغربية بل ووظفتها على مر القرون في استعباد شعوب اخرى مثلما وقع لخمسين مليون ضحية من ضحايا تجارة الرق الذين سيقوا قسرا الى أوروبا وأمريكا لبناء نهضة زراعية وصناعية قليلة التكاليف, وقبل ذلك عمليات ابادة السكان الاصليين لأمريكا وبعد ذلك استفحال ظاهرة الاستعمار المباشر الذي جلب معه قوافل الاضطهاد للشعوب والسلب للخيرات والتشويه للهويات, لاتزال تعاني منها الامة الاسلامية الى اليوم كما هو واقع في الجزائر ــ ذلك النموذج النمطي الصارخ ــ, واننا لم ننصرف عن موضوع بحثنا الاصلي الذي هو تفكيك آلية سوء التفاهم بيننا وبين الغرب, حين عرضنا من وجهة نظرنا تلك القاعدة الفلسفية التي تحولت مع الزمن الى خلفية ذهنية تغذي الذاكرة الجماعية في الغرب بصورة مشوهة عن الاسلام. وبالطبع يمكن ان تحفل دراسات (كاملة وكتب) مطولة عن تلك الصورة المشوهة التي تتداولها المخيلة الجماعية الغربية عن الاسلام, ويكفي ان تقرأ فقط التفسير الذي تقدمه قواميس الطلاب لعبارة الحروب الصليبية الى اليوم لكي تضع يدك بيسر على مدى اتساع الهوة بين الحقيقة والتحريف. كما يكفي ان تقرأ تعريف المجاهد البحار خير الدين بربروسة في الكتب المدرسية الغربية لتتأكد مدى المظالم المسلطة على تاريخنا وواقعنا كعرب وكمسلمين, بل ان كتبا عربية نقلت ذلك التعريف العنصري بكل (امانة) ! ولو تأملنا في مكونات تلك الذهنية الغربية بازاء الاسلام لوجدنا جذورها بالطبع راجعة الى احداث كبرى في التاريخ مثل الفتوح الاسلامية والحملات الصليبية والصدام الحضاري الناتج عن الاستعمار والمقاومة, ولكن ايضا عن عمل المستشرقين ــ وللحقيقة نقول الاغلبية منهم ــ الذي كان يخدم مصالح الغرب الاستعماري وحده منذ القرن التاسع عشر ولم يوظف العلم للتقريب بين الحضارات والشعوب. استاذ بقسم الاعلام ــ جامعة قطر*