عاود الرئيس الاسرائيلي عيزرا وايزمان اطلاق قنابله الدخانية باتجاه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو وحكومته, وهذه المرة لم يكتف بالدعوة لاجراء انتخابات مبكرة فقط , وإنما صعد من حركته في هذا الاتجاه من خلال اللقاءات التي عقدها مع قادة الأحزاب الاسرائيلية المشاركة في الائتلاف الحكومي, والمعارضة له, لاقناعها بهذا التوجه, وقد دأب عيزرا وايزمان بين فترة وأخرى على اطلاق تصريحات حامية ضد رئيس الحكومة الاسرائيلية متهما إياه بأنه المسؤول عن كل الأزمات التي تتعرض لها اسرائيل. ومن ناحيته فقد عبر نتانياهو مرارا وتكرارا عن انزعاجه من التصريحات التي يطلقها وايزمان والتي تعتبر تدخلا في الشؤون السياسية من قبل رئيس لا يتمتع إلا بصلاحيات رسمية بروتوكولية, ومن الواضح ان تصريحات وايزمان وتحركاته الأخيرة تضايق نتانياهو بالنظر للشعبية التي يتمتع بها وايزمان في اسرائيل لكونه من القادة التاريخيين, ولأسباب تتعلق بصفاته الشخصية. ويأتي هذا التصعيد على خلفية الأزمة السياسية التي تمر بها اسرائيل, حيث باتت الأحزاب الدينية (المفدال, شاس, يهوديت هاتوراه) , والأحزاب التي تمثل تجمعات إثنية معينة مثل حركة (جيشر) التي يتزعمها وزير الخارجية المستقيل ديفيد ليفي (قاعدتها من اليهود الشرقيين المغاربة), وحزب (اسرائيل بعليا) الذي يتولى الدفاع عن مصالح المهاجرين الروس, هي التي تقرر التوجهات الاسرائيلية للحكومة من النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية, وفي هذا الاطار أصبحت الأحزاب الكبيرة مشلولة في كثير من النواحي, بسبب خضوعها لابتزازات الأحزاب الصغيرة. من ناحية أخرى يأتي هذا التصعيد على خلفية الجمود الحاصل في عملية التسوية على مختلف المسارات وبخاصة المسار الفلسطيني, وقد أدى ذلك, كما هو معروف إلى فتور العلاقات الاسرائيلية ــ الأمريكية , وتراجع العلاقات الاسرائيلية ــ الأوروبية, وبالتالي أدى إلى تآكل صورة اسرائيل على المستوى الدول, وعلى الصعيد الاقليمي أدت سياسات حكومة نتانياهو إلى تجميد علاقات التطبيع بين اسرائيل وعديد من الدول العربية, أما المشروع الشرق أوسطي فقد بات مجرد اطروحات على الورق, حتى انه تم تجميد انعقاد مؤتمر القمة الاقتصادية للتنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هذا العام, بعد الفشل الذي تعرض له مؤتمر (الدوحة) الذي انعقد أواخر العام الماضي. ولم تتوقف الأزمات في اسرائيل على المستوى المتعلق بالنظام السياسي, وبأزمة عملية التسوية, وإنما شمل الجانب الاقتصادي, فقد تراجع النمو, وتراجعت الاستثمارات الخارجية, وازدادت البطالة بنسبة 9.3% بالمقارنة مع 6.5% عشية انتخاب نتانياهو, أما معدل النمو فقد تراوح بين 1 ــ 1.5% في العام 1998, مقابل 5.4% قبل عامين. وفي هذا السياق أجرت صحيفة (معاريف) استطلاعا للرأي نشرته يوم 7/8/1998 أفاد ان واحد, من كل أربعة اسرائيليين (25%) يفكر بالهجرة من اسرائيل. أما دوافع الهجرة فقد قال 28% ممن شملهم الاستطلاع انهم يفكرون بالهجرة من اسرائيل بسبب الوضع الاقتصادي. وقال 18% ان الوضع السياسي وتوقف عملية السلام هو سبب ذلك. وقال 11% ان السبب يعود للتوتر بين العلمانيين والمتدينين . وذكر 39% الأسباب الثلاثة معا, بينما 4% ذكر أسبابا أخرى. وهكذا فإن مجمل التطورات الجارية إن في اسرائيل أوعلى الصعيدين الدولي والإقليمي تشير إلى ان لحظة الدفع نحو احداث تغيير سياسي في اسرائيل قد اقتربت , وفي هذا السياق جاء الحديث عن تشكيل حكومة (وحدة وطنية) في اسرائيل , في هذه المرحلة , تعبيرا واضحا عن المأزق الذي تعاني منه السياسة الاسرائيلية بمختلف تياراتها , بغض النظر عن كونها في السلطة أو في المعارضة, وبالأخص فإن هذا الخيار يعبر تحديدا عن مأزق القطبين السياسيين الرئيسيين في النظام السياسي الاسرائيلي (حزبي العمل والليكود). ومن الجدير بالذكر ان الأزمات المتوالية والصعوبات الكبيرة التي عرفتها هذه الحكومة منذ قيامها, قبل أكثر من عامين (يونيو 1996) , كانت كل واحدة منها تقريبا كفيلة باسقاطها, ولكنها حافظت على بقائها, واستمرارها بسبب نظام الانتخاب المباشر لرئيس الحكومة, الذي جرى اعماده لأول مرة في تاريخ اسرائيل في انتخابات العام 1996م, فلولا هذا القانون لما أمكن لهذه الحكومة الاستمرار. ومن المعروف ان هذا القانون يمنح صلاحيات واسعة لرئيس الوزراء, خصوصا وأن نزع الثقة عن رئيس الحكومة يرتبط بحل الكنيست ذاته, وهذا الأمر هو الذي أدى إلى تماسك الائتلاف الحكومي (حتى الآن) , وهو الذي يمنع الأحزاب الصغيرة من اللجوء إلى خيار اسقاط الحكومة تخوفا على مقاعدها الحالية في الكنيست, وبالنظر للتكاليف الكبيرة للانتخابات. أما بالنسبة لإقالة رئيس الوزراء وحده (بدون حل الكنيست), فهذه تتطلب حشد ثلثي اعضاء الكنيست (80 عضوا) وهذا العدد من الصعب جدا تحقيقه بالنظر لتركيبة الكنيست الحالية, حيث حزب الليكود المتحالف مع حركة (تسومت) له 27 مقعدا (منها 22 لليكود لوحده), والاحزاب الدينية لها 23 مقعدا (10 شاس, 9 المفدال, 4 دجل هاتوراه), وحركة (موليدت) لها مقعدين, وهذا يعني ان اليمين القومي والديني له 52 مقعدا في الكنيست. والمعارضة لها 52 مقعدا: 34 لحزب العمل, 9 لحركة ميريتس 9 للاحزاب العربية. وباقي مقاعد الكنيست فهي لاحزاب يغلب عليها الطابع البرجماتي والانتهازي, وليس الطابع الايديولوجي مثل حزب (اسرائيل بعليا) , و(الطريق الثالث) الذي يدافع عن مصالح مستوطني الجولان (له 4 مقاعد), وهما مشاركان في الائتلاف الحكومي, و(حركة جيشر) التي خرجت من الائتلاف الحكومي لها 5 مقاعد, وهذه القوى (ومعها الاحزاب الدينية), لا ترتبط بهذه الحكومة سوى بروابط مصلحية, وببرامج معينة تخدم قواعدها الانتخابية, وقد أضعفت هذه القوى استقرار الحكومة, بمعارضتها المستمرة لسياسات نتانياهو على اكثر من صعيد. وعليه فان كل المؤشرات المحيطة بالسياسة الداخلية والخارجية لنتانياهو وحكومته, تؤكد بأنه مدين في بقائه لقانون الانتخاب المباشر لرئيس الوزراء, (كما قدمنا) فحتى اوضاعه في داخل حزبه الليكود ليست مستقرة ويلقى معارضة من كثير من قادة الليكود مثل بني بيجن ودان مريدور, وروني ميلو, وأيهود أولمرت, وحتى من اسحق موردخادي وزير الدفاع, وارييل شارون وزير البنى التحتية. كما يدين نتانياهو ببقائه الى ضعف المعارضة الاسرائيلية, وترددها, وعدم رغبتها على خوض الصراع معه على خلفية عملية التسوية خوفا على تآكل مكانتها, حيث انها لا تستطيع المزايدة على نتانياهو في هذا المجال, فضلا عن ان اوضاعها ورؤاها لم تنضج بعد لطرح تصور واضح ومتكامل في مسألة التسوية مع الفلسطينيين. بكل الأحوال فان نتانياهو ونتيجة التجربة السابقة وخصوصا بعد أن ضعف ائتلافه الحكومي بخروج حركة (جيشر) بات يدرك صعوبة وعه, وجاءت نتيجة التصويت على قانون حل الكنيست, أواخر الشهر الماضي, أبلغ انذار في هذا الاتجاه, حيث استطاعت المعارضة تمرير هذا القانون بمجموع 60 صوتا, اذ صوت الى جانب المعارضة نواب حركة جيشر و3 نواب من حركة الطريق الثالث (مشاركة في الائتلاف الحكومي), والقيادي في حزب الليكود دان مريدور, الذي استقال سابقا من وزارة المالية. على الاغلب فان نتايناهو, كعادته في المناورة والمداورة وفي سبيل اطالة أمد وجوده في السلطة, من مصلحته ان يلجأ الى خيار تشكيل حكومة (وحدة وطنية) في حال استطاع تمرير اشتراطاته لتشكيل هذه الحكومة, خاصة وانه يدرك ان حزب العمل ليس بافضل احواله, فزعيم هذا الحزب أيهود باراك لم يثبت جدارته كزعيم بديل مناوىء له, وشعبية الحزب ليست على ما يرام بنتيجة ضعف أداءه وبنتيجة التصريحات المهينة لليهود الشرقيين التي أدلى بها مؤخرا أوري أور أحد قيادييه البارزين, ثم ان هذا الحزب ليس مستعدا حتى الآن للمغامرة بمكانته في موضوع يتعلق بعملية التسوية مع الفلسطينيين. في مناورته هذه سيعمل نتانياهو على الاطالة لكسب الوقت ولكسب مزيد من النقاط لابتزاز حزب العمل, ومن الممكن ان يطرح خيار تمرير قانون حل الكنيست واللجوء الى انتخابات نيابية جديدة تعيد صوغ الخارطة السياسية الاسرائيلية, وبذلك يؤمن استمراره في رئاسة الوزارة الى نهاية الفترة الانتخابية الرئاسية مما يتيح له تعزيز وضعه في الانتخابات التي ستجرى في العام 2000 على منصب رئيس وزراء اسرائيل. اما في حال رفض حزب العمل فمن غير المرجح ان يوافق نتانياهو على تقريب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية حتى ولو في اطار اتفاق على تشكيل حكومة (وحدة وطنية) بين حزبي العمل والليكود, يجري بموجبه توزيع المناصب الوزارية بين قياديي الحزبين, بحيث يتسلم زعيم الحزب الخاسر منصب وزير الدفاع في هذه الحكومة, اذ لا يمكن ان يلجأ نتانياهو الى هذا الخيار الا في حال وجد استحالة في الاستمرار على وضعه الحالي, وفي حال استشعر تراجع حظ منافسه باراك في التفوق عليه. وهكذا يبدو احتمال قيام حكومة (وحدة وطنية) برئاسة نتانياهو هو الاحتمال الاقرب منالا من احتمال تقريب موعد الانتخابات, في حال لم يستطع نتانياهو الاستمرار بالوضع الراهن. المهم ان ثمة تغييرا سيجد طريقه ان عاجلا أم آجلا في السياسة الاسرائيلية, وحتى لا نتسرع كثيرا وتتلبسنا الأوهام حول ممكنات التغيير في اسرائيل يجب ان ندرك حقيقة ان هذا التغير ان حصل فهو سيحصل بدواعي الحفاظ على المصالح الاسرائيلية والامريكية, اما التغيير الذي يمكن ان يدفع اسرائيل باتجاه الاستجابة للحقوق العربية, فهذا يحتاج لشروط وعوامل اخرى تتعلق بالعرب أنفسهم وبصمودهم وتضامنهم, وبما يفعلونه, أو مالا يفعلونه لمواجهة السياسات الاسرائيلية. كاتب فلسطيني*