لقد أعادت صيغ المشروع القومي العربي التجديدية النظر في موقفها من الدولة القطرية, استنادا إلى تقويمها بمقياس ما سبق في مرحلة الخضوع العربي للسيطرة العثمانية, لأنها ستصبح عند ذلك خطوات توحيدية مهمة, يجب عدم التقليل من أهميتها المرحلية التاريخية , باتجاه الوحدة القومية, إذ أدرك الوعي العربي الحقيقة الانقسامية المذهلة التي كانت عليها الوحدات المجتمعية العربية الصغرى من ولايات ومدن ومحلات وقبائل وطوائف غير مترابطة موضوعيا غداة خروجها من دائرة الظل تحت المظلة العثمانية الواهية والمهلهلة) . فإذا كانت اقامة الدولة القطرية العربية بمثابة (خطوة ملموسة باتجاه التوحيد) فإنها ليست بأقل من ذلك بمقياس ما هو كائن وما سيكون , إذا ما أخذنا في الاعتبار (ما يتهدد بعض الدول القطرية العربية في هذه الآونة من مخاطر العودة إلى هذه الانقسامية.. ومن هذه الزاوية فإن الحفاظ على وحدة الكيانات القطرية القائمة ــ ضد تهديد العودة إلى التجزؤ الذري ــ تبدو الآن مطلبا تاريخيا تقدميا) . ففي الظروف الراهنة لا تواجه النزعة القومية العربية حالة (انحسار وحسب, بل ان نزعة قومية محلية تشتد في محلها أو تبدو أكثر فعلا.. يرافق ذلك ان بلدانا عربية كثيرة أخذت عوض الاندماج المأمول في كيان عربي أكبر, تتشقق داخليا على أساس اثني, وديني, وطائفي, كما لو أن عوامل الالتحام التقليدية, أو ما قبل الحديثة, راحت تجدد شبابها, فيما عوامل الاندماج المعاصر تبدو خائرة القوى. هكذا وتأسيسا على ما سبق, سيكون بالامكان القول بأن الدولة القطرية العربية تعد شرطا ضروريا لقيام الوحدة العربية, مما يعني أن بناء دولة الوحدة يمثل عملية لاحقة لبناء الدولة القطرية ومنطلقة منها ومستندة إليها. إلا ان هذه الصلة الارتباطية بين الدولة القطرية العربية ومساهمتها في بناء الدولة القومية الموحدة, لا تبدو صلة تلازمية وحتمية, لأن وجودها واكتسابها لهذه الخصائص يفترض ان يكون المشروع القومي خيارا اراديا مستقبليا لهذه الدول ونظمها السياسية, ومجتمعاتها المدنية, وإذا كان أمرا مرجحا تبني المجتمعات المدنية العربية للخيار القومي والوحدوي, فإن ذلك أمر بعيد الاحتمال بالنسبة للأنظمة السياسية العربية ومؤسساتها الحاكمة التي ترسخت جذورها ومصالح الطبقات والفئات المستفيدة من وجودها وسياساتها, فالدولة القطرية العربية (لا تجسم في سلطتها أو ممارساتها الحالية, المصالح المشروعة للتكوينات الاجتماعية الرئيسية في أقطارها, وان الفجوة في ازدياد بين المجتمع المدني من ناحية, والدولة من ناحية أخرى) .لذلك فإن خيار الوحدة يمثل تهديدا مباشرا وصريحا, ليس لمصالح تلك الطبقات والفئات فحسب, بل لوجودها أيضا. ولذلك أيضا يبدو أمر جعل خيار الوحدة القومية خيارا إراديا للأنظمة السياسية العربية مشروطا بأحداث تغيير جوهري في بنية تلك الأنظمة وطبيعة مؤسساتها؛ تغيير يجعل منها تجسيدا سياسيا ومؤسسيا لارادة مجتمعاتها المدنية, وهو ما يستلزم لتحقيقه, وتأسيسا على ما تم ايضاحه في القسم الأول من الدراسة, أخذ النظم السياسية القطرية العربية باشتراط المشاركة السياسية الشعبية, فعندها وحسب ستصبح الوحدة العربية خيارا اراديا حرا لكل من الأنظمة السياسية والمجتمعات المدنية العربية على حد سواء, والتي ستكون قادرة بفعل أخذها بذلك الاشتراط على التعبير الارادي الحر عن خياراتها, والعمل على تحقيقها عبر مؤسساتها الرسمية والشعبية, من خلال سياساتها وقراراتها التنفيذية الملزمة, وبواسطة أنظمتها السياسية, وليس من فوقها ولا رغما عنها. فالخيارات الاجتماعية الارادية الحرة, لا تصنعها الا صيغ المشاركة السياسية الشعبية, وآلياتها التي تجعل من تلك الخيارات مشروعات لصناعة المستقبل, تتبناها المجتمعات المدنية, وترسم مع أنظمتها السياسية خطوطها العامة وخطط تحقيقها, وتتحمل معها مسؤولية المفاضلة بينها واختيار الانسب منها والاقدر على تحقيق مصالح المجتمع وأهدافه عبر المؤسسات الضامنة للمشاركة السياسية الشعبية, وحق المجتمع في التعبير عن آرائه بحرية, فتطبيق المشاركة السياسية الشعبية يعني (انه ستكون هناك ضغوط متزايدة على النخبات الحاكمة للاتجاه نحو التوحد العربي, واضافة الى ذلك ستعني دورا متعاظما في تحديد شروط هذا التوحد وتقنينه وضبطه ورقابته وحمايته) . فهكذا يصار الى تحقيق الوحدة القومية القادرة على احتواء التعدد وتأطير التنوع, في صورة علاقة تعاقدية اسبق بين المجتمعات المدنية العربية ونظمها السياسية, علاقة تكون هي الاخرى مقننة ومؤسس لها تشريعيا ووظيفيا, لتصبح صيغ التقنين والتأسيس العلائقي التي ابتدأت قطريا, ثم امتدت واتسعت قوميا, سياجا مضاعفا يحمي حقوق المواطن والمجتمع, ويحدد مسؤوليات النظام السياسي ونطاق سلطاته في أي من الدولتين (القطرية كواقع راهن) , و(القومية كطموح مستقبلي) على حد سواء. ولكن فاقد الشيء لا يعطيه, فالممارسة السياسية العربية, ومن ورائها أغلب صيغ الخطاب السياسي العربي المعبرة عنها داخل السلطة او خارجها, تفتقر الى مفهوم العقد الارادي بين المجتمع المدني والنظام السياسي على المستوى الوطني/ القطري, الامر الذي يعني عجزها عن اقامة أي تأسيسات فكرية او تشريعية أو مؤسسية ــ هيكلية لعقد ارادي قومي, استنادا الى عقد عجزت عن تجسيده قطريا. لقد أعطت اولويات بناء الدولة القطرية وضرورات ترسيخ كيانها وضمان أمنها وديمومتها, مسوغات مقبولة نسبيا, خلال المراحل السابقة للتركيز المفرط في السياسات القطرية, على قضايا حماية السلطة الوطنية وتحصينها, وبرامج التنمية الاقتصادية, على حساب قضايا الحريات الاساسية للمجتمع وحقوق الانسان والمشاركة السياسية, حتى غدت هاتان المجموعتان من القضايا طرفين في معادلة صفرية ما يربحه احدهما يكون مما يخسره الآخر, وكان ذلك سببا مباشرا في اعاقة عمليات نمو المجتمعات المدنية العربية وتبلور مؤسساتها, وفي المقابل فان النظم السياسية العربية غدت اكثر قوة وسيطرة ولكنها ايضا أكثر عزلة وافتقارا الى الشرعية, ولا يمكن افتراض ان نظما سياسية فاقدة لشرعيتها معزولة عن مجتمعها المدني مشغولة بتأكيد ذاتها والدفاع عن وجودها, ستسارع الى تبني مشروع قومي توحيدي, تعرف ان انجازه يضع حدا لوجودها واستمرارها. اما حل ازمة العلاقة بين هذه النظم والمشروع القومي فرهن بتغيير بنيتها وطبيعتها على اساس الأخذ باشتراط المشاركة السياسية تمهيدا لاكتساب اشتراطي الشرعية والاستقرار وتحقيقهما. لذلك بات التأسيس لسيادة المفهوم التعاقدي بين المجتمع المدني العربي ونظامه السياسي القطري شرطا لازما, وضرورة لا مناص من تلبيتها, لاعادة بناء العلاقة من جديد بين هذين الطرفين على أسس صحيحة, ولوضع نهاية لمسار تاريخي ــ اجتماعي طويل, كانت فيه السلطة الفردية او النخبوية في النظم السياسية العربية ولاتزال, مطلقة لا حد لها ولا قيد عليها, الا مشيئة الحكام بعد مشيئة الله تعالى. اما اقامة الدولة القومية الموحدة, فهي هدف لن تصل مجتمعاتنا العربية اليه, مالم تنجز المفهوم التعاقدي الارادي على الصعيد القطري أولا, فالبداية ترتبط كيفما نظرنا اليها بالدولة القطرية, لانها وحدة البناء الاساسية في كيان الدولة القومية, ومثلما ان الوصول الى الكل يفترض الابتداء بالجزء والمرور به أولا فكذلك الوصول الى الدولة القومية الموحدة, يفترض الابتداء بالدولة القطرية والمرور بها أولا, لان سلامة الكيان السياسي القومي الموحد, رهن بسلامة الاجزاء القطرية المكونة لهذا الكيان, وسلامة الاجزاء القطرية/ الدولة القطرية ونظمها السياسية, رهن بشرعيتها واستقرارها المرتهنين بأخذها باشتراط المشاركة السياسية الشعبية وصيغها الضامنة. واذا ماكانت الشرعية والاستقرار مطلبين لا تنالهما النظم السياسية ودولها, باللجوء الى استخدام معامل القوة القسرية وتضخيم زخم مفاعليه ضد شعوبها, فان المشاركة السياسية الشعبية ضرورة لا تطمئنها الأماني, اذ لابد لتحقيقها من جهود جدية وتضحيات سخية, يقدمها المجتمع المدني ومؤسساته, لاقناع النظام بتطمينها, أو اجباره على ذلك, ان تطلب الامر. اما التهاون في بذل الجهد وتقديم التضحيات, فسيسمح للنظام السياسي بحرمان المجتمع المدني من حقه في المشاركة السياسية, بل سيشجعه على انكار هذا الحق جملة وتفصيلا, وسيكون ذلك مدخلا واسعا لفرض ارادة النظام على المجتمع والتحكم فيه, وليس العكس. ان المشاركة السياسية الشعبية, وهي ضمانة الشرعية وركيزتها, ودعامة الاستقرار وأساسه, واقعة اجتماعية يتحمل المجتمع السياسي (الدولي) ممثلين في (المجتمع المدني والنظام السياسي) مسؤولية تحقيقها بشكل مشترك, وسيكون تفريط المجتمع المدني في الدفاع عن حقوقه سببا لافراط النظام السياسي في استخدام سلطاته وقدراته, وليس لمن وقع في التفريط ان يلوم من وقع في الافراط, بل هو احق منه با للوم, لتفريطه في حقوقه وتخليه عن مسؤوليته عن حمايتها وتوفير ضمانات استمرارها وديمومتها, والمشروع القومي العربي هو ابرز حقوق المجتمع المدني العربي وأهم مسؤولياته, وانجازه وتحقيق اهدافه رهن بقدرة هذا المجتمع على التعبير عن ذاته والدفاع عن اهدافه ومصالحه, وفي مقدمتها اهدافه رهن بقدرة هذا المجتمع على التعبير عن ذاته والدفاع عن اهدافه ومصالحه, وفي مقدمتها اهدافه القومية الوحدوية, وعلى الزام النظم السياسية العربية بتبنيها والعمل من اجل تحقيقها وحمايتها, وهو ما يبقى مرتهنا بامتلاك تلك النظم لاشتراطات المشاركة السياسية الشعبية والشرعية والاستقرار التي مازالت تفتقر اليها وتغيب عن فضاءاتها. استاذ العلوم السياسية المساعد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة قاريونس, ليبيا*