لم يكن من المستبعد ان تقوم الطائرات او السفن الحربية الامريكية بتوجيه صواريخها الى اهداف سودانية ذلك ان الحملات الاعلامية والدبلوماسية من جانب الولايات المتحدة وحلفائها في العالم متواصلة ضد السودان وحكومته منذ ان وصل الفريق عمر البشير ومعه الجبهة الاسلامية الى السلطة , وهو امر ترافق مع اتهامات امريكية للسودان بـ (رعاية الارهاب) وانه (يقدم المساعدة للجماعات والانشطة الارهابية في العالم) الامر الذي صار من الطبيعي ان يتردد معه اسم السودان لدى كل عمل عنفي وارهابي يحدث في العالم. وكان من ثمار تلك الحملات الامريكية ــ الغربية على السودان ان تم فرض الحصار عليه, وصارت مهيأ لفرصة العدوان المسلح على السودان, وهو احتمال صعد الى القمة مع عمليتي تفجير السفارتين الامريكيتين في كل من نيروبي ودار السلام, والاولى عاصمة كينيا جارة السودان, والثانية عاصمة تنزانيا التي لا تبعد كثيرا عن السودان. ولهذه الاعتبارات لم تفاجىء الصواريخ الامريكية متابعي الوضع السوداني وسياسة الولايات المتحدة ازاء هذا البلد, ولكن المفاجأة برزت مع وضوح الهدف الذي ضربته الصواريخ الامريكية والذي لم يكن سوى مصنع للادوية في العاصمة الخرطوم, وكان قد وصفه كبار المسؤولين الامريكيين بأنه مصنع للاسلحة الكيماوية. ومنذ اللحظات الاولى للقصف الامريكي لمصنع ادوية الشفاء في الخرطوم بدأت الكاميرات التلفزيونية في بث الصور الحية من المصنع المدمر في وقت مازالت تشتعل فيه النيران, وبين انقاض المصنع كانت تظهر علب وزجاجات الدواء وقد اصاب معظمها اثار الانفجار والحريق الناتج عن الصواريخ الامريكية. وبالسرعة نفسها اخذت تتوارد المعلومات الدقيقة المتصلة بمصنع الشفاء للادوية لتؤكد ان المصنع لا يمت بصلة الى الحكومة السودانية, ولا يقع تحت سيطرتها الادارية والمالية, انما تعود ملكيته وادارته لملياردير سوداني يحمل جنسية سعودية قضى عمره في المغترب قبل ان يعود الى السودان منذ سنوات ليقيم امبراطورية اقتصادية, احد تعبيراتها مصنع الشفاء للادوية وقد تم تدشينه في يوليو ,1997 كواحد من اكبر مصانع الادوية في العالم العربي وافريقيا, اذ انه يؤمن وحده اكبر من نصف الادوية التي يحتاجها السودان سنويا, ويقوم بتصدير ادوية الى عدة دول عربية وافريقية كما انه ينتج كافة احتياجات الدول الافريقية من الادوية البيطرية. وطبقا للمعلومات, فان المصنع لم يكن سراً في انشائه ولا في انتاجه اذ شارك في تصميمه وانشائه خبراء ومهندسون عرب واجانب منذ عام 1994 وبينهم خبير امريكي, كما تم توريد اجهزة ومعدات المصنع من دول عدة, بينها الولايات المتحدة الامريكية في وقت يفرض الحظر على توريد الاجهزة والمعدات الامريكية ذات التقنيات العالمية, والتي تثير الشبهة ليس الى السودان فحسب, ولكل دول العالم التي تصنفها الولايات المتحدة بأنها دول (غير صديقة) ويشمل هذا الامر دولا صديقة لواشنطن في بعض الاحيان. كما ان اكثر من مؤسسات دولية على اطلاع بأحوال المصنع, من ذلك بنك التنمية الافريقي الذي قدم للمصنع قرضا لشراء المواد الاولية مما اعطى بعض ممثليه فرصة الحضور داخل المصنع ومراقبة كل فعالياته ومنتجاته وفوق ما تقدم فان للمصنع ولكل واحد من اقسامه سجلا يبين كل التفاصيل في منتجاته في نوعياتها وكمياتها, كما انه كان مفتوحا بصورة دائمة امام الزوار من داخل السودان وخارجه. وبطبيعة الحال فان هذه الوقائع تسقط الذريعة الامريكية التي اتخذتها واشنطن لقصف المصنع, وتكشف كذب الادعاء بأنه مصنع للاسلحة الكيماوية الامر الذي تسبب بقتل وفقدان اكثر من ثلاثمائة من عمال المصنع وبخسائر مادية تجاوزت المائة مليون دولار بعد ان تم تدمير المصنع بصورة كاملة. وفي ضوء تلك الوقائع يمكن القول اننا امام واحد من احتمالين كانا وراء القرار الامريكي بضرب مصنع (الشفاء) للادوية الاول ان الولايات المتحدة لا تعرف حقيقة المصنع وانها كانت عرضة لمعلومات خاطئة ومضللة, حصلت عليها المخابرات الامريكية, او قامت بايصالها لها بعض فصائل المعارضة السودانية على نحو ما رددت الانباء وقد اعتمدت الاستخبارات الامريكية على تلك المعلومات واتخذتها قاعدة في فرضيات الضربة الامريكية فكان تورط واشنطن في العملية. اما الاحتمال الثاني فهو ان الادارة الامريكية تعلم علم اليقين ماهية الهدف الذي تم تدميره باعتباره مصنعا للادوية وانها اصرت على تدميره بصورة نهائية في محاولة لافهام حكومة الخرطوم ان كل الاهداف السودانية ممكنة من جهة ومن اجل خلق المزيد من الصعوبات امام الحكومة السودانية التي لا يعاني السودان في ظلها من نتائج الحرب الاهلية في الجنوب فقط ولا من تدخلات دول الجوار في شؤونه بل يعاني من مشاكل سياسية واقتصادية بما فيها الحصار بفعل سياسة الولايات المتحدة ازاء السودان, ولعله من الطبيعي ان توجه ضربة امريكية عسكرية ضد هدف حيوي يقدم اكثر من خمسين بالمائة من احتياجات سوق الدواء السوداني, واذا كان الامر على هذا النحو فان ورطة الولايات المتحدة في السودان تبدو اكبر من سابقتها. ان ورطة الاحتمال الاول تكشف ضعف مصداقية معلومات الاجهزة الامريكية التي تقدم واشنطن زعيمة للعالم ومتحكمة باتجاهات تطوره وسياساته فيما تكشف ورطة الاحتمال الثاني هشاشة الادعاءات الامريكية بالدور العالمي في مجال القيم الانسانية والاخلاقية وبخاصة في موضوع حقوق الانسان, اذ يمنع بتدميرها مصنع الادوية المواطن السوداني من حق الحصول على دواء يعالج صحته, وهي في آن معا تبين الى اي درك وصلت حدود الحرب الامريكية ضد السودان مما يفقد واشنطن مصداقيتها السياسية, ويكشف حقدها الدفين على السودان. كاتب وصحفي سوري*