بعد استشعارها بخطورة النقمة العربية والاسلامية التي أثارتها ضرباتها الارهابية لكل من السودان وأفغانستان, واكتشافها لفداحة ما ارتكبته من أخطاء سياسية ومخابراتية في هذه العملية, قررت الحكومة الأمريكية استبدال العصا بالجزرة, وأقدمت على تحرك واسع النطاق على أكثر من جبهة, في محاولة لاستيعاب هذه النقمة والتغطية على تلك الأخطاء . فليس من غير هذا المدخل نستطيع فهم هذا العدد من التحركات المفاجئة التي زخمت بها أعمدة الصحف فشغلت معظم المعلقين والكتاب السياسيين. هكذا فهمنا هذا القبول غير المتوقع لنتانياهو على الخطة الأمريكية لاعادة انتشار قوات الاحتلال من نسبة 13% أخرى من أراضي الضفة الغربية, وما أوحى به هذا القبول من انعاش لعملية التسوية وقرنها مع الذكرى الخامسة لتوقيع اتفاقية أوسلو. وهكذا فهمنا هذا الاعلان المشترك لكل من الولايات المتحدة وبريطانيا على موافقتهما ــ الآن ــ على ان تتم محاكمة الليبيين المتهمين في قضية لوكيربي أمام قضاة اسكتلنديين, علما بأن عمر هذا المقترح يعود الى سنوات, واقرار محكمة العدل الدولية به فات عليه أكثر من عدة شهور. وهكذا فهمنا موقف حركة طالبان من تحذيرها لابن لادن بعدم تهديد الولايات المتحدة أو غيرها من أفغانستان, وتلهفها لمقايضة هذا الموقف باعتراف واشنطن بها كحكومة شرعية لكل أفغانستان. وهكذا ايضا فهمنا مغزى العرض الأمريكي على السودان لاقامة تعاون أمني, أي تحويل النظرة الأمريكية للخرطوم من عاصمة حامية للارهاب الى عاصمة تكافح هذا الارهاب, وما يترتب على مثل هذا التعاون, وفي حال اقراره, من ترتيبات لاعادة موازين القوى في السودان. حتى هذه الليونة غير المعتادة بالنسبة للعراق, وجدت حيزا لها في اطار هذه النقلة الامريكية, اذ لم نعد نسمع من حديث عن ضرب أو قصف للعراق, ليطغى حديث الضغوط السياسية والمعنوية. اذن, نحن لسنا أمام جزرة واحدة, وإنما أمام باقة من الجزرات, ولكل واحدة منها فم مرشح لأن يسيل فيه اللعاب, مما سيخلط الأوراق ويغير في المواقف, بل وقد يخلق انقسامات فوق ما هو قائم عربيا واسلاميا. فهل تنجح الجزرة في تفتيت ما وحدته العصا, أو كادت؟ ومن سيسدد (الفواتير) التي وعدت بها هذه الجزرة أو ادعت الوعد به؟ وهل سينال كل فريق ما يتمناه أم ان ما قد يقبضه البعض سيكون من حساب الآخر؟.. من المؤكد ان لكل فريق أولوياته, والكل يطمع في الحصول على شيء.. حتى لو كان على حساب الآخر ومواقفه السابقة منه! فالعمل السياسي لا يرحم ولا أخلاق له. واذا لاحظنا الاسلوب الذي اعتمدته مادلين أولبرايت في تقديم عروضها ــ على طريقة رجال المافيا ــ بشكل يصعب رفضها أو تعديلها أو حتى طلب المدة الكافية لدرسها, ندرك عندئذ مدى الحرج الذي تعانيه الآن هذه الأطراف. ولعل أكثر الجبهات عرضة للخسارة من هذا التحرك الأمريكي هي الجبهة الفلسطينية لما سيصحب أي تغيير عليها من دعاية ستحاول تصوير هذا التغيير كانتصار للسياسة الامريكية في سعيها الى دعم التسوية رغم مضي نتانياهو في تنفيذ خططه للتوسع في القدس والضفة. على الرغم من وعي عرفات ان القبول الاسرائيلي (الجديد) ليس في حقيقته أكثر من التفاف تمويهي لما سبق وأعلن عنه نتانياهو في الماضي, مما جعله يكتفي بالقول تعليقا ان هذه مجرد (بداية) سيجد نفسه في نهاية المطاف مجبرا على الموافقة والتنازل مقابل ــ ربما ــ تنازل اسرائيلي, بوقف المطالبة بعقد جلسة للمجلس الوطني لتعديل بنود الميثاق الوطني الفلسطيني والاكتفاء باللجنة التنفيذية للقيام بذلك. أما مكاسب نتانياهو فهي كثيرة, وأولها انه نفذ سياسته ومشروعه, وثانيها امتصاص النقمة العربية والاسلامية ضد اسرائيل بسبب ممالأتها لواشنطن, وثالثا تلميع صورته في العاصمة الامريكية بعد ان هددها بالحرق مما يريح الجالية اليهودية الأمريكية, خصوصا بعد اتهامها بالتواطؤ ضد كلينتون وتحريك الفضائح للتشهير به. وهكذا يكون نتانياهو بعناده وتمسكه بكل ورقة من أوراقه هو الرابح أمام من لم يبق ورق في يديه, وكان آخرها تلك التي قدمها سلفا عندما أقدم على اعلان موافقته على المبادرة الأمريكية واهما ان هناك فرقا بين الموقفين الأمريكي والاسرائيلي. واذا كانت الجزرة الفلسطينية مسمومة, فإن المهداة الى السودان ملوثة, لأن معنى (التعاون الأمني) بداية, هو الاتفاق على تصنيف الأعداء والاصدقاء بالنسبة للبلدين. فموضوعة الارهاب والارهابيين كما تفهمها واشنطن لا تتوافق مع المفهوم السوداني, بل ان المفهومين متناقضين ويستحيل بالتالي التعاون من حولهما أمنيا. ولذلك, فمن المتوقع ان يكون في حيثيات العرض الأمريكي ما يتطلب اعادة السودان للنظر في نظامه الراهن كليا, وبالتالي قلب كل ترتيباته التحالفية الراهنة رأسا على عقب, بما في ذلك مواقفه من مشاكل القرن الافريقي. فهل وصل النظام الى مثل هذا المفصل المصيري لينقلب بالتالي على نفسه أو على بعض من أركانه, وفك ارتباط الجيش بالحركة الاسلامية التي كانت ولاتزال واجهته الفكرية والسياسية؟ لا شك ان ثمة قلق يجتاح الآن الساحة السودانية بما في ذلك قوى المعارضة, كما ان القاهرة لن تكون مطمئنة الى مثل هذه النقلة لما قد تعكسه على سياستها الراهنة ومصالحها الثابتة في جنوب الوادي. وليس سرا على أحد ان القاهرة شديدة الحساسية تجاه كل ما يمس استراتيجيتها (النيلية) التاريخية بارادة أو بتخطيط خارجي. الجزرة الليبية, يحتار المرء في وصفها, وقد يصعب عليه اسداء النصيحة في تناولها أو عدمه. فمما لا شك فيه ان الجماهيرية الليبية, رغم تشددها المشهود له باتخاذ المواقف المبدئية وصولا الى حدود المثالية, فإنها قد تحملت عبر السنوات الطويلة, وبخاصة السنوات الثماني الأخيرة, سنوات حصار من حولها, الكثير من المعاناة والعزلة والعيش في وقت يبدو ضائعا. ان بلدا مثل ليبيا يعيش على النفط, بما يفرضه هذا المورد من نمط اقتصادي وبما يدره في ذات الوقت من ثروة تثير الطموحات المجتمعية والفردية معا, تبدو اليوم ــ بسبب سياستها ــ كثيرة التخلف قياسا عما يمكن ان تكون عليه لولا الموقف الغربي منها. ومما يضاعف في صعوبة اسداء النصح الى المسؤولين في طرابلس, ما يبدو من توافق في الأساس, بين القبول الانجلو ــ امريكي, بالاقتراح المطروح وبين ما كانت تطالب به ليبيا ومن ورائها جامعة الدول العربية. غير ان اللهجة الانجلو ــ أمريكية الموجهة الى ليبيا وما فيها من استفزاز, يجعل المراقب شديد الحذر في معايير الرفض أو القبول التي أمامه. وقد نفاجأ بأن لواشنطن ولندن مطالب أخرى سرعان ما تضعها شروطا بعد اعلان ليبيا قبول البادرة, لاسيما وان للرئيس الليبي في غرفة العمليات الامريكية صورة كاملة عن شخصيته ونفسيته وردود الفعل التي تنجم عنه. وان كان لابد من كلمة, يمكن قولها دون احراج, فهي انه آن الأوان لايجاد مخرج من مأزق لوكيربي هذا, ووضع حد لضريبة شعبية فادحة دفاعا عن متهمين اثنين, خصوصا اذا كانت هناك قناعة تامة ببراءتهما. ولكن دون ان يكون ذلك على حسابهما ظلما ولاسيما بعد كل هذا الثمن الذي دفعته ليبيا دفاعا عن مبادئها, وفي طليعتها الدفاع عن مواطنيها. باختصار يمكن القول بأن في الجزرة الليبية (طعماً) يستهدف ما هو أكثر من حل مشكلة لوكيربي ويطمح الى وضع الجماهيرية على سكة معاكسة قد تصل الى حدود المطالبة بالغاء كل هذه الرموز التي أطلقتها واللغة التي اعتمدتها طيلة السنوات الثلاثين الماضية. والسؤال هو: هل وصلت ثورة الفاتح الى هذا المنعطف المفصلي لتفاوض حول هذا النوع من القضايا؟ أم ان ذلك مجرد تمنيات غربية لا يرى الامريكيون أية خسارة في الرهان عليها؟ أما بالنسبة الى العراق, فليس لدي شخصيا أي أوهام حول رغبة الولايات المتحدة في ابقاء الواقع الراهن على ما هو عليه. ان تجربة واشنطن مع بغداد لم تعد مجرد تجربة عابرة مع قطر ما, وتحولت الى (نموذج) لا مثيل له في خدمة المصالح الامريكية, فالتجربة الأمريكية مع العراق لا حدود لتثمينها لجملة أسباب: أولها, افهام العراق ومن يهمه الأمر بأن لا مجال لأي تطور عمودي يصل بأي قطر الى حافة القدرة على التحول الى دولة تتقن التعامل مع التكنولوجيا الحديثة, وبخاصة في مجال التسلح. وثانيها, انها تجربة مدفوعة الثمن سلفا, وهو ثمن يتجاوز القيمة الفعلية للدور الأمريكي بما يكفل فائضا يفيد ميزان المدفوعات, هذا بالاضافة الى ما يمكن حصاده على شفير هذه التجربة من ابتزاز لفرض عقود للتسليح بملايين الدولارات, ومن دول لا تعرف كيف تستفيد من هذه الأسلحة, وان عرفت, فلن تستعمله على أي حال ضد اسرائيل. واعتقد ان بغداد تعرف ذلك ولن تخدعها اللغة اللينة التي تسمعها الآن. وان كانت تطرب لها وتساعدها على تأميل الشعب العراقي بالوصول الى حقوقه ببذل المزيد من الصبر. وشعب العراق, الذي لم يجد حتى الآن, قوميا, من يستشعر معاناته, بدأ يتحول ــ وهذا طبيعي ــ الى حالة شوفينية تحمل في ثناياها نواة رفض للاتجاه القومي الذي اشتهر به. شيء ما يحصل للعراقيين كما حدث للفلسطينيين الذين أوصل اليأس قيادتهم للتسليم باتفاقية أوسلو واعتبارها خشبة النجاة الوحيدة المتبقية. وفي الختام, وللتذكير, يقول المؤرخون الامريكيون ان الادارة الأمريكية خلال صراعها مع الهنود الحمر, لم توقع على أية اتفاقية تفاوضية لم تؤمن لها نفس المطلوب لو كان الحوار بالسلاح وليس بالكلمات. فلنحذر جميعا, هذه الباقة من الجزرات, ولنتعامل مع المبادرة الأمريكية الجديدة بعقل وروية من خلال اعتقاد جازم بألا خير فيها وان دسمها لا يخلو من السم.