اليد الواحدة لا تصفق حتى وان كانت امريكية: بقلم-عمران سلمان

لقد احسنت الدول العربية تصرفا حين اصدرت بيانها الذي ادانت فيه بصورة حازمة وجازمة القصف الامريكي للسودان . فلو تقاعست هذه الدول أو اخذت موقفا ضعيفا أو امتنعت عن الادانات لكانت تركت المجال مفتوحا وواسعا امام الجماعات الاصولية لتصول وتجول في المنطقة. ولكانت وجدت الفرصة لحشد التأييد وتعبئة المزيد من المساكين والمحبطين في الشارع العربي. إن سياسة سحب البساط من تحت هذه الحركات عبر تبني مواقف متشددة احيانا وكلما اقتضى الامر هي سياسة حكيمة اثبتت نجاعتها حتى الآن. وفي حدود علمنا فان الولايات المتحدة تتفهم مثل هذه السياسة وربما حبذتها, أو هذا ما يبدو عليه الحال على الاقل. ولذلك فأنها لم تتشدد في طلبها من العواصم العربية تأييد ما قامت به من ضربات جوية. وستحسن صنعا هي بدورها ان قامت بمعالجة حكيمة لنتائج هذه الضربات. لكن بالأكيد ذلك لا يلغي ولا يحل المشكلات الاساسية التي تعاني منها المنطقة, والتي تستمد منها الحركات الاصولية الزاد والعتاد للنشاط والانتشار. اولى هذه المشكلات واعقدها على الاطلاق هي عملية السلام المتوقفة حاليا بين العرب والاسرائيليين, ولا اجد ــ شخصيا ــ مبررا كافيا لانكفاء الادارة الامريكية وامتناعها عن القيام بعمل حقيقي لإنعاش تلك العملية. ويمكن تفهم الصعوبات الداخلية الامريكية, وكذلك صعوبة معالجة هذا النوع من المشاكلات, وحيث يتعذر على الولايات المتحدة كما على غيرها ان تتدخل بصورة مباشرة أو تفرض حلا قسريا على باقي الاطراف. لكن بالتأكيد لا يمكن لدولة عظمى اذا أرادت ان تعدم عناصر الفعل والتأثير في أية قضية اقليمية مهما بدت شائكة. فما بالنا اذا كانت هذه العملية حيوية للمصالح الامريكية نفسها, وثمة جهد كبير قد بذل فيها حتى الآن. كما انه ليس هناك ما يبرر اظهار كل هذا الانحياز والتأييد الصارخ لاسرائيل, وفي احيان كثيرة دون اسباب واضحة ومقنعة. والحديث لا يدور هنا فقط عن المشكلة الفلسطينية, وانما يشمل ايضا المسارين السوري واللبناني, اما المشكلة الكأداء الثانية فهي السياسات الامريكية بالغة الحدة والقسوة تجاه دول عربية مثل العراق وليبيا. فهذه السياسات تلغّم الوجدان العربي وتعطل ملكة التفكير لديه وتجعله يشعر بالاضطهاد والتمييز في المعاملة عن باقي الشعوب. وليس من باب الصدفة ان حركة مثل الجماعة الاسلامية المصرية لم تجد مؤخرا ما تعتبره من دليل على (التواصل اليهودي الامريكي لضرب اسلامنا ومقدساتنا) سوى ممارسات الاحتلال الاسرائيلي تجاه الفلسطينيين, واستمرار الهجوم على جنوب لبنان واحتلال الجولان وحصار العراق وليبيا. ما يعني ان الجماعة باتت تستند كليا على معطيات الواقع السياسي لمخاطبة الجمهور, اكثر مما تستند على مرجعيتها الدينية أو الايديولوجية. إن ذلك بالغ الدلالة وليس من الحكمة تجاهل الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها منه. ولذلك لابد من خطوات امريكية جديدة على هذا الصعيد لتخفيف الآثار الكارثية الناتجة عن تلك السياسات على شعوب المنطقة. واذا صحت الانباء التي تحدثت عن موافقة واشنطن ولندن على محاكمة المتهمين الليبيين في قضية لوكيربي في هولندا, وفق القانون الاسكتلندي فان هذه ستكون خطوة في الطريق الصحيح. وقصارى القول ان سياسة ناجحة في مواجهة الارهاب لن يكتب لها النجاح دون نزع الذرائع والمبررات التي يستند عليها. وبالطبع لا احد يتوقع أو يتصور ان انقلابا جذريا يمكن ان يحدث في التفكير السياسي الامريكي تجاه المنطقة ومشاكلها بين ليلة وضحاها. لكن ترشيد السياسة الامريكية ــ وتشذيبها من الغلو والنصائح الليكودية ــ يمكنه ان يساعد واشنطن والدول الصديقة لها في المنطقة على مواجهة افضل للمواقف. كاتب وصحافي بحريني*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات