الارهاب وخطر تبريره ثقافيا: بقلم- د. محمد الرميحي

ما هي العلاقة بين لندن وطرابلس وكابول؟ لأول وهلة لا توجد اية علاقة تذكر, فالعواصم الثلاث مختلفة تقريبا في كل شيء, الا صفة واحدة يصفها بها مخالفوها وهي انها جميعا متهمة بـ(ايواء عناصر الارهاب), فلندن متهمة من بعض العواصم العربية بأنها تؤوي الارهاب , لأن هناك بعض المنظمات العربية والاسلامية النشطة ضد بلدانها, سواء كان هذا النشاط اعلاميا وتحريضيا او هو نشاط يساعد على الفعل الارهابي بالسلاح, ولندن ليست العاصمة الوحيدة الاوروبية المتهمة بهذا الايواء, فباريس تتهمها بعض عواصم الشمال العربي الافريقي بأنها تؤوي الارهاب ايضا, خاصة تلك المنظمات النشطة في العمل الاعلامي او العسكري المسلح في تلك البلدان. كانت العواصم الغربية الى وقت متأخر تفلسف الامر وتحاول ان تفرق بين النشاط الاعلامي الموجه الى تحفيز الرغبة في ضمان حقوق الانسان وتنشيط المشاركة السياسية في تلك البلاد والذي تقوم به مثل هذه الجماعات في المنفى الطوعي او القسري, وبين النشاط المسلح او التحريض عليه الذي يستخدم القوة والعنف لفرض آرائه وارادته, وبين هذين الفهمين دار الجدل بين حكومات ــ في الغالب عربية ــ وبين حكومات غربية ــ في الغالب أوروبية ــ الاولى تقول انه ليس هناك فرق بين العمل الاعلامي والتحريضي والنشاط المسلح الا بقدر وجود الفرصة للقيام بعمل ارهابي عنيف, فهناك جسر بينهما, فالعملان يخدم كل منهما الآخر, بينما ظلت الحكومات الغربية تصر على ضرورة وجود ادلة مادية دامغة بأن النشطين في عواصمها لهم علاقة مباشرة بذلك النشاط العنيف, كما تصر على ضرورة توافر ضمانات لمحاكمات عادلة للمعنيين ان سلموا لهذه العاصمة او تلك من العواصم المشرقية. ولكن بعد تفاقم موجة الارهاب والتي تمثلت اخيرا في تفجيرات نيروبي ودار السلام وجنوب افريقيا, وربما قبل ذلك بقليل تنبهت بعض العواصم الغربية الى ان العالم لم يعد متسعا وكبيرا كما كان, فان تخطيط عملية ارهابية في كابول يمكن ان يصل الى جنوب افريقيا بتمويل ربما من جماعات في المانيا, لذا اتخذت هذه العواصم بعض القرارات بالملاحقة والتسليم, وقد حدث بالفعل ان سلم بعض الافراد من وسط اوروبا لعواصم مشرقية. كان البعض يرى ــ تبعا لنظرية المؤامرة ان العواصم الغربية ربما كانت تشجع الخروج بالقوة او باللفظ وبالاعلام على بعض الانظمة العربية من اجل ابتزازها او على اقل تقدير من اجل (اصلاح مسيرتها السياسية) الا ان الامر بعد ذلك خرج عما هو مرسوم له, واصبحت هذه الجماعات تعمل لحسابها. في كابول الامر مختلف, فقد اراد الغرب في وقت ما ان يحتوي التوسع الشيوعي وشهوة الاتحاد السوفييتي في التوسع بمحاربته من داخل الثقافة المحلية, فشجع باسم الاسلام حركات هي شبه طائفية وقبلية, كما نجح في توظيف وتفعيل طبيعة الشعوب الافغانية للمقاومة, ولكنها لم, تترك الامر افغانيا بل شجعت فئات اخرى للانخراط في الجهاد وهذه الفئات هي عربية اسلامية في الغالب وجدت قيادتها متنفسا لتفريغ مشاعر الاحباط والغضب لديها, وعندما انفض السامر عاد الافغان الى سيرتهم الاولى في التناحر, ووجد الافغان العرب مساحة حرة للتنفس, ولكنهم وجهوا جهودهم الجهادية نحو اوطانهم ونسوا او تناسوا ان هذه الاوطان مسلمة منذ امد بعيد فظهر الافغان العرب في مصر وفي الجزائر وفي اماكن اخرى, ويبدو ان بعضهم لم يسمع بعد بانهيار الاتحاد السوفييتي, وان سمع فانه يبدو كمن لم يتعرف على نتائج هذا الانهيار. افغانستان في التاريخ وجدت لتكون دولة عازلة بين عدد من الدول الكبيرة المحيطة ومانعة للاتصال المباشر بينها في تاريخها الطويل, كل نفوذ اجنبي حاول احتكارها تخلصت منه, بريطانيا في العصر الحديث ثم الاتحاد السوفييتي, والآن باكستان التي تحاول جر افغانستان لنفوذها, كل من اراد لنفسه مركز نفوذ في هذه البلاد اذعنت له حينا ثم استهلكته افغانستان اليوم بصراعها الدموي فيما بين القوى القبلية والطائفية داخلها انما تعكس الصراع على النفوذ بين الدول المحيطة, او البعيدة ذات المصالح. في هذا الجو السياسي المشبع بسيولة كبيرة, تنشط جماعات تستفيد من هذا الصراع, وهذه السيولة كي تقوم بما يحلو لها من ارهاب وعنف بشعارات مختلفة وفي بلدان بعيدة, ويكاد المرء ان يصل الى نتيجة مفادها انه اذا حدث ارهاب في اي مكان من المعمورة في اي وقت فما عليك الا الانتظار على بوابات الدخول الى افغانستان وستجد في وقت ما واحدا او اكثر من المنفذين او المخططين, وقد شرف المكان وجاء مبتسما يحدث نفسه بالغنيمة هذا ما حدث بالضبط للمتهم الرئيسي اليوم الذي سلمته باكستان في الاسبوع الماضي وكان قادما من ساحة الجريمة. اما طرابلس فانها في معضلة لا تحسد عليها اليوم, فبعد مطالبات رسمية بأن يحاكم المتهمان الليبيان في دولة ثالثة ومحايدة, وافقت الدول الغربية على هذا الاقتراح, ولكن طرابلس لم تستجب بشكل فوري, ولا اظن انها سوف تستجيب لسببين رئيسيين على الاقل, الاول: انها تراهن اكثر واكثر على قوة بلدان العالم الثالث ولقد جدت في قرار مؤتمر القمة الافريقية الاخير والقائل باحتمال رفع الحظر الدولي من جانب هذه الدول في موعد اقصاه سبتمبر المقبل ان لم تتحرك الدول الغربية لبدء آلية لرفع الحظر الدولي, وجدت طرابلس في ذلك مخرجا قد يقود ــ في رأيها ــ الى رفع تدريجي او تساقط بالتقادم, لذا فاللعب على الوقت مهم, والسبب الثاني لعدم الاستجابة للمحاكمة في بلد ثالث: ان هناك في ليبيا من يعرف ان تلك المحاكمة قد تقود ــ حتى وهي في بلد محايد ــ للاشارة الى شخصيات اكبر من المنفذين او المتهمين, وهي سلسلة نعرف اولها ولكن لا احد على يقين من معرفة اين تقود والى ماذا تصل. نعود الى الارهاب والتهديد به حيث يعرّف القاموس الارهاب بأنه الاستخدام المنظم للعنف بقصد الترهيب والتخويف لتحقيق هدف ما, والإرهابي أو الإرهابيون هو الشخص أو هم الأشخاص الذين يقومون بهذه الأعمال, ويعرّف آخرون الإرهاب بأنه كل عمل منظم يستخدم فيه العنف يرتكبه أو يشجع على ارتكابه شخص أو جماعة أو دولة, ويكون موجها ضد مدنيين أبرياء رسميين أو غير رسميين, أو ضد أموال عامة أو خاصة وذلك من أجل تحقيق أهداف سياسية عن طريق إشاعة الرعب في أذهان أشخاص معينين أو لدى العامة من الناس. هناك دراسات كثيرة تقول: ان القانون يرسمه أصحاب المصالح, ويدافع هؤلاء عن مصالحهم التي يعتبرونها ضمن القانون, ولكن بالتأكيد هناك مساحة واسعة من المصالح المشتركة بين الدول تحدد القانون, فليس هناك خطوط مستقيمة في الحياة, ولكن أيضاً وبنفس المعنى ليست كل الخطوط متشابكة وإلا أصبحنا في فوضى, وفي حالة غياب كامل وواضح للعدل في المجتمع ينشأ العنف بأشكاله المختلفة, لذلك جاء في التراث أن العدل أساس الملك, والفلسفة السياسية الحديثة في المجتمعات المتقدمة مبنية أساسا على حل الصراعات والخلافات بآلية متفق عليها تسمى في الغالب بالديمقراطية, أي إزاحة الظلم بطرق يقرها المجتمع, منها القانون والعرف والسوابق المتفق عليها. خصص العدد الصادر في الأسبوع الثاني من أبريل هذا العام من مجلة (التايم) الأمريكية الشهيرة بكامله للاحتفاء بـ (قادة وثورات القرن العشرين) وبجانب القادة الكبار الذين أثروا تأثيرا واضحا في أحداث القرن العشرين, اختارت المجلة أربع قضايا دولية سوف تؤثر في أحداث القرن الواحد والعشرين وتقرر المستقبل, وهي مشكلات البيئة, سيادة القبلية (خاصة في افريقيا) , والعولمة ثم (الأصولية) . ما يهمنا هنا هو القضية الأخيرة, فالمجلة الأمريكية ترى ان (الأصولية الإسلامية) هي بؤرة الإرهاب العالمي في المستقبل, ليس كحركات إسلامية فقط, وإنما أيضاً كحكومات محتملة, ولعل ذلك الاستنتاج نتيجة المظاهر المشاهدة في بعض البلاد العربية من حالة جلد الذات والثورة على البنى الاجتماعية والسياسية, وتحطيم المعايير والتي صارت حالة نفسية واجتماعية عامة تمثل السخط والاستنكار لواقع يزداد مأساوية وتتسع الهوة فيه يوما بعد يوم ليس بين الحكام والشعوب فقط وإنما بين الجماعات والتيارات والأفراد في بعض بلادنا العربية ولعل الحالة الماثلة في الذهن هي حالة الجزائر. وزارة الخارجية الأمريكية لها تصنيف يجدد سنويا للدول الموضوعة على لائحة الإرهاب, هذه اللائحة تضم غالبا دولا مثل إيران والعراق وليبيا والسودان وسوريا وكوريا وكوبا, تزيد أو تنقص سنويا منها واحدة أو اثنتان, وهي دول توصف بأنها داعمة للإرهاب أو راعية له, وعلى الجانب الآخر هناك من لايبرئ بعض هذه البلاد على تلك اللائحة بأنها تقوم بشكل أو بآخر بتشجيع أو رعاية بعض مظاهر الإرهاب, والبعض الآخر يبرئها على أساس أن ما تقوم به هو رعاية حركات سياسية تناضل من أجل طرد المحتل, هذا مثال حي على الخلاف حول ما تعنيه مفاهيم الإرهاب والعنف من إسقاطات سياسية وخلافات عقائدية مسبقة تلون هذه المفاهيم. معظم الإشارات للإرهاب تتجه الى عالمنا العربي, بعد ان انخفضت وتيرة الإرهاب في آسيا وأمريكا اللاتينية, ولم يعد للجماعات الإرهابية هناك إلا بعض الفصائل, وكان آخر من ودع المسرح من أمريكا الجنوبية هو كارلوس الذي سلمه السودان لفرنسا. ولصعوبة التفرقة بين السياسي والإرهابي فإن الاتفاقات الدولية اختارت أن تأخذ الجانب الآخر في التفرقة بين الإرهاب والأفعال الأخرى, فاستثنت ما سمته الحقوق غير القابلة للتنازل كالحق في تقرير المصير والاستقلال لكل الشعوب الخاضعة لسيطرة الأنظمة الاستعمارية والعنصرية أو أي أشكال أخرى من السيطرة الأجنبية أو الحق المشروع للكفاح خاصة كفاح حركات التحرر الوطني. وإن كان الكفاح ضد الآخر (المستعمر) محسوما عالميا فإن الخلاف الحاد اليوم هو الخروج ضد السلطة الوطنية, أو القيام بأعمال إرهابية لايبدو لها غرض سياسي واضح. ويتفق العديد من الباحثين على أن هناك مدخلا للتمييز بين الإرهاب والعمل الوطني يتجسد في حالات بعينها مثل: الغزو المسلح لدولة ضد دولة أخرى, كما حدث للكويت عندما قام الغازي العراقي باستباحتها, هنا تكون المقاومة بالعنف مقاومة مطلوبة, وأيضاً: خروج المحتل عن قواعد الاحتلال الحربي, بإهدار مجموعة القواعد القانونية التي أقرها المجتمع الدولي والتي تنظم العلاقة بين سلطات الاحتلال والإقليم المحتل, كونها حالة مؤقتة, والتركيز على الاعتبارات الحضارية, وهنا فإن المقاومة الفلسطينية ضد الاسرائيليين أو تلك التي في جنوب لبنان هي أعمال وطنية, وأخيراً: فشل الحلول السياسية العادلة فحين تفشل الجهود الدولية لإزاحة الاحتلال, فإن القيادات السياسية والروحية والاجتماعية مدعوة لتوحيد صفوفها ومقاومة المحتل. مما سبق يبدو واضحا أنه ومن أهم العناصر المميزة بين الإرهاب والنضال أربع سمات هي: الطابع الشعبي, والدافع الوطني, وطبيعة القوى التي تجري ضدها المقاومة, والمشروعية الدولية. إن مواجهة خطر الإرهاب تبدأ بإصلاح البنية الثقافية والفكرية أولاً في المجتمع, فالحالة الراهنة التي يقبل فيها بعضنا ببعض مظاهر الإرهاب, المادي أو المعنوي لم نصل إليها إلا بعد تراكمات ثقافية كرست قوة أفراد وجماعات بعينها, وجعلت تيارات فكرية تطغى على أخرى. كم هي سيئة حياتنا الثقافية وكم هي خاوية وكم هي تابعة أيضاً إذ لم نكتشف - نحن نحاول التقليد - عوراتنا الفكرية والثقافية, ونعرف إن الإرهاب لن يقف أمام أية عقبة إن نحن بررناه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات