وفي هذا السياق نلاحظ أن الأنظمة السياسية المفتقرة الى صيغ المشاركة السياسية الشعبية, والتي تعاني من جراء ذلك نقص الشرعية وعدم الاستقرار, تميل الى عدم الخضوع للقواعد الدستورية والقانونية, وتعمل على إفراغ التشريعات والمؤسسات المنبثقة عنها, من كل محتوى حقيقي , حتى ان (الدستور يتحول فيها إلى وثيقة شكلية توضع لتغطية ممارسة الحاكم وإضفاء الشرعية عليها, ولذلك فمن السهل إقراره, ومن السهل تغييره, ومن السهل خرقه) . لذلك تمارس هذه الأنظمة مفاعيلها السلطوية الأكثر زخما على أسس لاشرعية, مستخدمة آليات عمل تعجز عن ضمان التوازن بين ضرورة استمرارها واستقرارها من جهة, وضرورة حماية الحقوق والحريات الأساسية للإنسان من جهة ثانية, فتحدث نتيجة لذلك اختلالات هيكلية ووظيفية, تكون محصلاتها في الغالب لصالح استمرارية النظام السياسي ومتطلبات قوته على حساب مصالح المجتمع المدني واحتياجاته وحقوقه. ولقد تزايد خطر هذا النوع من الاختلالات, في ظروف تزايد زخم الفواعل السلطوية, جراء التحسن والتنوع المستمرين في آليات الضبط والتحكم الاجتماعي وتقنياتهما, وفي أنظمة الرقابة ووسائل القمع وأساليبه, فقد أتاح ذلك للنظم السياسية إمكانية أكبر لتطويع التعدد والتنوع الانسانيين, وقدرة أعلى على التحكم في البنية الكلية للمجتمع وخلاياه ومفاصله, يسمح بذلك ويهيئ له الأجواء المناسبة, انعدام الضمانات الدستورية والقانونية الكفيلة بحماية الحقوق والحريات الإنسانية, كظاهرة ملازمة لغياب المشاركة السياسية الشعبية. إن الانضباط المعقلن, الذي ميز الدولة القومية الحديثة في أوروبا, والمستند الى اشتراطات المشاركة السياسية الشعبية والشرعية والاستقرار, ساعد الأنظمة السياسية فيها على تنظيم الفعاليات الفردية والاجتماعية وتوجيهها, وفقا لمبادئ تنظيم وتوزيع وتناسق القوى ومراكز التوجيه وأدوات التنفيذ, ووضع كل ذلك في إطار مؤسسات تضمن توازن علاقات القوة والتفاعل بين الأفراد والجماعات, وتشريعات قانونية تنظم نشاطات تلك المؤسسات وآليات عملها. ولكن غياب هذه الاشتراطات عن آليات عمل الأنظمة السياسية في معظم المجتمعات النامية, ومن بينها المجتمعات العربية غيب عنها الانضباط المعقلن, وفاقم من سيطرة هذه النظم السياسية وقدرات الضبط فيها بقدر ما انتقص من عقلانيتها, حتى وصل بها الأمر الى حد التحكم الكيفي في حياة المجتمع المدني ومصادرة حقوقه وحرياته الأساسية. ان اتخاذ علاقة التفاعل بين النظام السياسي والمجتمع المدني هذه الصورة السلبية سيدفع بطرفيها إلى السير في اتجاهين مضادين, على الرغم مما يجمع بينهما من روابط الاعتمادية المتبادلة وصلاتها, ونتيجة لذلك سيضطر كل منهما الى استخدام ما يتاح له من وسائل القسر والإرغام وأدواتهما, لإجبار الطرف الآخر على التخلي عن مواقفه وخياراته والخضوع لارادة الطرف الأول والقبول بخياراته وتبني مواقفه وتوجهاته. ولما كانت وسائل القسر والإرغام وأدواتهما متاحة للنظام السياسي ومؤسساته, تدعمها وتسندها قدرته على استخدامها في ظل القانون وتحت حمايته, في إطار ما يسمى بشرعية استخدام العنف ووسائل القوة, فإنه سيكون بذلك الطرف المؤهل لفرض ارادته على الطرف الآخر (المجتمع المدني) عندها تتطابق صورة الدولة ونظامها السياسي في ذهن المجتمع حكاما ومحكومين مع أجهزة القمع, وتغدو السياسة نشاطا حرا ومطلقا يتحقق ويتطور خارج الدولة ومن ورائها. وسيرورة علاقات التفاعل بين النظام السياسي والمجتمع المدني وصيرورتها على هذه الشاكلة, امر يترتب عليه عجز النظام السياسي عن أداء وظيفته بوصفه المعبر عن الارادة العامة للمجتمع المدني والمجسد لها دستورياً ومؤسسياً في الداخل والخارج لتصبح صلته بمجتمعه المدني نوعاً من (العلاقة الميكانيكية.. كل منهما خارجي بالنسبة للآخر. وتأسيساً على ما تقدم تحكم علاقات التفاعل بين اشتراطات المشاركة السياسية الشعبية والشرعية والاستقرار القواعد التالية: 1ــ ان علاقة التفاعل بين النظام السياسي والمجتمع المدني استنادا الى شرط المشاركة السياسية الشعبية, تمنح النظام شرعيته الاجتماعية والقانوية, فيغدو المعبر عن الارادة الاجتماعية, والمجسد لها على صعيد العملية السياسية وقراراتها. 2ــ ان تمتع النظام السياسي بالشرعيتين الاجتماعية والقانونية, يؤسس لتمتعه بقدر مواز ومقابل من الاستقرار المستمد من هاتين الشرعيتين والمستند اليهما. 3ــ ان افتقار علاقة التفاعل بين النظام السياسي والمجتمع المدني الى شرط المشاركة السياسية الشعبية, سيحرم النظام من شرعيته, الاجتماعية على أقل تقدير, جراء قطيعته مع مجتمعه, خصوصاً ان هذا النوع من الانظمة ينطلق من افتراض يفيد بأن من ليس معها فهو ضدها. وهذا ما يخلق الظرف المناسب للصراع وفقدان الاستقرار بسبب لجوء النظام الى العنف والاستبداد في علاقته مع مجتمع. (فالاستبداد يولد التمرد, واحدهما يستدعي الآخر) . 4ــ إن فقدان النظام السياسي لاستقراره جراء فقدانه لشرعيته, سيدفع به الى حماية أمنه وضمان استمراريته واستقراره باللجوء الى معامل القوة القسرية, مادياً ومعنوياً, لتحقيق ذلك. 5ــ ان استقراراً يضمنه استخدام النظام السياسي لمعامل القوة القسرية ومفاعيله, استقرار هش وغير ثابت: ــ لأن معامل القوة القسرية الذي يستخدمه النظام السياسي لفرض الاستقرار, يتصف باحتمالية التغير والاختلال في حال فقدانه لأحد مقوماته أو لبعضها, وكما يقول جان جاك روسو (لن يكون الأقوى بالقوة الكافية لكي يكون السيد دائماً, الا اذا حول القوة الى حق والطاعة الى واجب) فاستقرار يكون اساسه معامل هش وغير ثابت هو الآخر استقرار هش وغير ثابت. ــ لأن معامل القوة القسرية الذي يستخدمه النظام السياسي لفرض الاستقرار يستدعي ويحفز معامل قوة قسرية مضاداً, تلجأ قوى المجتمع المدني المعارضة الى استخدامه ضد النظام السياسي. وعلى حد قول فوكو فـ (الشعب بعد التعود على رؤية سيلان الدم, يتعلم بسرعة انه لا يستطيع الانتقام الا بالدم) . 6ــ ان تصعيد النظام السياسي لزخم معامل القوة القسرية ضد قوى المجتمع المدني المعارضة سيدفع بهذه القوى, ان عاجلاً أو آجلاً, الى تصعيد مقابل لزخم معامل القوة القسرية المضاد للنظام, فتتحمل المعارضة بذلك كلفاً اضافية, ترفع من الاستحقاقات التي تطالب النظام السياسي بدفعها, وهذا مما يزيد من حجم جرعة العنف التي يتبادلها الطرفان, النظام والمعارضة. وتأسيساً على ما تقدم, فإن طبيعة معادلات العلاقة بين اشتراطات (المشاركة السياسية الشعبية والشرعية والاستقرار في النظم السياسية) هي, كما يلي: أ ــ تكون معادلة العلاقة بين المشاركة السياسية الشعبية وشرعية النظام السياسي, معادلة طردية. فكلما ازداد المتحقق من المشاركة السياسية الشعبية ازدادت بالمقابل شرعية النظام السياسي, والعكس صحيح (لاحظ شرعية النظم الديمقراطية مقارنة بشرعية النظم الفردية والشمولية). ب ــ تكون معادلة العلاقة بين شرعية النظام السياسي واستقراره معادلة طردية, فكلما ازدادت شرعية النظام السياسي, المستمدة من أخذه باشتراطات المشاركة السياسية الشعبية, ازداد استقراره, والعكس صحيح. (لاحظ استقرار الانظمة الديمقراطية مقارنة بافتقار النظم الفردية والشمولية الى الاستقرار , او استنادها الى استقرار اساسه معامل القوة القسرية). ج ــ تكون معادلة العلاقة بين المشاركة السياسية الشعبية واستقرار النظام السياسي, وبدلالة المعادلتين السابقتين, معادلة طردية, فكلما ازداد المتحقق من المشاركة السياسية واتسعت قاعدتها, ازداد استقرار النظام السياسي, تأسيساً على ازدياد شرعيته جراء أخذه باشتراطات المشاركة السياسية الشعبية, والعكس صحيح. د ــ تكون معادلة العلاقة بين المتحقق من اشتراطات المشاركة السياسية الشعبية ومعارضة المجتمع المدني للنظام السياسي, معادلة عكسية. فكلما تناقص المتحقق من اشتراطات المشاركة السياسية ازدادت معارضة المجتمع المدني للنظام السياسي, والعكس صحيح. هـ ــ تكون معادلة العلاقة بين المتحقق من اشتراطات المشاركة السياسية الشعبية, واستخدام النظام السياسي لمعامل القوة القسرية لمواجهة معارضة المجتمع المدني, معادلة عكسية. فكلما تناقص المتحقق من اشتراطات المشاركة السياسية, ازدادت معارضة المجتمع المدني للنظام السياسي, ومن ثم ازداد استخدام النظام السياسي لمعامل القوة القسرية, لمواجهة تزايد معارضة المجتمع المدني, والعكس صحيح. و ــ تكون معادلة العلاقة بين استخدام النظام السياسي لمعامل القوة القسرية ضد المعارضة, في غياب اشتراطات المشاركة السياسية, واستخدام المعارضة لمعامل قوة قسرية مضاد, معادلة طردية, فكلما ازداد عنف النظام ضد المعارضة, ازداد عنف المعارضة ضد النظام, ومن ثم ازدادت الاستحقاقات التي تطلب المعارضة من النظام الايفاء بها والعكس صحيح. ثانيا: تجديد المشروع القومي العربي في ضوء معادلات العلاقة بين المشاركة السياسية الشعبية والشرعية والاستقرار في النظم السياسية العربية اذاكانت معادلات العلاقة, في صورها السالفة الذكر, قابلة للتعميم, ومن ثم للتطبيق على علاقة اي نظام سياسي بمجتمعه المدني, فمن الطبيعي ان تكون قابلة للتطبيق أيضا, على علاقة النظم السياسية العربية بمجتمعاتها المدنية. ولفهم طبيعة هذه المعادلات في اطارها العربي, لابد ابتداءً من تفحص هذا الاطار والتعرف على خصائصه, التي لم تعد خافية على أحد. فلم يكن موضع خلاف, ومنذ عقود عدة, وصف النظم السياسية العربية بالافتقار الى التشريعات الضامنة للحقوق الانسانية الاساسية, والمؤسسات والآليات المسؤولة عن ذلك. وهو ما يؤكده التقرير الصادر عن (المنظمة العربية لحقوق الانسان) , الذي يعلن صراحة ان اهم أسباب الأزمة الحاضرة, هو التغييب القسري للجماهير العربية عن المشاركة في تقرير مصيرها, والاسهام في صياغة حاضرها ومستقبلها, والدفاع عن أوطانها. وان هذا التغييب يبدأ بمصادرة الحريات الاساسية للجماهير, وينتهي بالانتهاك الفاضح لحقوق الانسان الفرد. وقد ترتب على ذلك, أن اصبحت قضايا الحقوق الانسانية الاساسية ورسائل ضمانها وحمايتها, من أبعد القضايا عن اهتمام النظم السياسية العربية ومؤسساتها, مثلما هي الاكثر غموضا والتباسا في معظم المعادلات السياسية العربية. يعمق كل ذلك ويضاعف نتائجه السلبية, معاناة النظم السياسية العربية من الآثار الضارة لآليات الهيمنة والتحكم, في النظام الدولي الجديد في صورته الامبريالية المعدلة, التي اتخذت شكل نظام القطبية الاحادية, في ظل انفراد الولايات المتحدة الامريكية بالدور الأساسي والفاعل على الساحة الدولية. ويجد المتفحص لطبيعة النظم السياسية العربية نفسه امام واقع ذي اشكالية مركبة, تعكس الأزمة المركبة لهذه النظم. يجسد هذه الأزمة ويعبر عنها, أن عالم السياسة وأنشطته فيها (تعكس تطابق أجهزة الدولة مع سياسة الحاكم, واستخدام هذا الاخير لها كأداة لتنفيذ مآربه الشخصية, او لتحقيق مصلحة الحكم والسلطة المباشرة) . وهو ما يعني من الناحية العملية, تعطيل وظائف النظام السياسي وأدوار مؤسساته, مما يجعل من الدولة كيانا غريبا عن المجتمع, مفتقرا لاية فاعلية ايجابية لصالحه, تمارس السياسة من خلال نظامها وأطره التشريعية والمؤسسية, على أنها (فعل ارادي) , تحتكر لنفسها حق ممارسته. فتحرم الفاعل الاجتماعي (المجتمع المدني) من حق مزاولته او مجرد الاشتراك فيه, ملغية ارادته, ومتنكرة لحقيقة الواقعة السياسية بوصفها (جدلية متشابكة من الافعال والاوضاع, ليس للفاعل فيها قدرة أحادية الجانب) . وبهذا تتحول جدلية الفعل السياسي بين النظام والمجتمع, الى نقيضها لتصبح اطارا لخلق الصراعات وعوامل التعارض وتأجيجها, بدلا من حلها او تسويتها على اقل تقدير. ان التغييب السلطوي في النظم السياسية العربية, لحق المشاركة السياسية الشعبية, وتعطيلها لاية صيغ دستورية ومؤسسية يمكن ان تحقق تداولا سليما لمناصب السلطة ومسؤولياتها, او تلاعبها بشروط التداول وآلياته. وقد أدى ذلك كله الى غياب شرعية هذه النظم, وضعف اللحمة الوطنية التضامنية في مجتمعاتها المدنية, مما انتهى بالدولة القطرية العربية التي تشعر: (أنها تفتقر الى جزء من الشرعية.. الى أن تؤكد نفسها اكثر كقوة سياسية, وعلى حساب عناصر الشرعية الثقافية والدينية, ولكنها لا تلبث حتى تستفز هذه المشاعر, وتفقد اكثر فاكثر من شرعيتها) . فالشرعية مرهونة بالاخذ باشتراطات المشاركة السياسية الشعبية, وهذه الاخيرة تمثل شرطا لازما لتحقيق التوازن بين الحقوق الانسانية والارادات الفردية والجماعية, والواجبات وضرورات تأمين الديمومة المستقرة للنظم السياسية والفاعلية الانجازية لمؤسساتها. وكل هذا تفتقر اليه النظم السياسية العربية, مما أوقعها في دائرة العجز عن الانجاز وعدم القدرة على الاستجابة لمطالب المجتمع المدني, ومن ثم وضع شرعيتها وحقها في الاستمرار موضع شك وتساؤل. وهذا ما يعكس اختلال بنية النظم السياسية العربية, المتجسد في افتقارها الى التوازن بين: الحرية والنظام. الحقوق والواجبات. المجتمع المدني والنظام السياسي. فكما يرى أحد الباحثين المعاصرين, فان المشكلة لا تكمن في الحرية, بل في ايجاد نظام عام شرعي. قد يحصل الناس بالطبع على النظام من دون الحرية, لكنهم لن يتمكنوا من الحصول على الحرية من دون النظام. ومن هذه المشكلة تعاني الانظمة السياسية العربية, الأمر الذي حرمها, ومن ثم حرم الدولة القطرية العربية, من الكثير من مقومات الدولة الحديثة, جاعلا منها فضاء تتعايش فيه التناقضات, فلا تحل ولا تسوى. لذلك تبدو هذه الدولة مشتتة بين ثنائيات ــ مزدوجات متضادة بقدر ما هي متقابلة ومتعايشة. حيث تجتمع فيها, تاريخية المرجعيات القيمية المعيارية والنماذج السلوكية, بحداثة التنظيمات المؤسسية والتقنيات الادائية, واستبدادية السلطة المشخصنة وبدائية أساليبها في الحكم وفجاجتها, بحداثة وسائل تقييدها للارادة الشعبية وأساليب تغييبها للحريات والحقوق الانسانية الاساسية. وهكذا تتركز المعضلة الاساسية للنظم السياسية العربية, حول انفصال الدولة ونظامها السياسي عن المجتمع المدني, ومن ثم فان حل هذه المعضلة يشترط احداث تغيير جوهري في بنيتها على مستويين: مستوى علاقة التفاعل بين النظام السياسي والمجتمع المدني. مستوى المسؤولية الوظيفية للنظام السياسي. وهذا التعبير يضمن تأسيس علاقة التفاعل على اشتراطات المشاركة السياسية الشعبية القادرة على حل أزمات الشرعية والاستقرار في النظم السياسية العربية, ويوسع دائرة المسؤولية الوظيفية للنظم العربية, ومن ثم للدولة القطرية العربية, بقدر ما يقننها ويزيد من ايجابية علاقاتها التفاعلية وحركيتها وانجازيتها. الا ان احداث هذا التغيير مشروط بقدرة النظم السياسية العربية على تجسيد ارادة مجتمعاتها المدنية والتعبير عنها تشريعيا ومؤسسيا من جهة, وقدرة المجتمعات المدنية العربية على ممارسة حقها في التعبير عن آرائها بحرية, والمشاركة في صياغة أسس العملية السياسية وصنع قراراتها واتخاذها من جهة ثانية. ولن يتحقق ذلك إلا عبر صيغ المشاركة السياسية وآلياتها الضامنة لشرعية النظام السياسي المحققة لاستقراره, وبما يرسخ الهوية الوطنية والقومية لهذه المجتمعات, ويحقق لها عدالة توزيع الحقوق وأداء الواجبات, وينجز عملية اندماجها ويقوي لحمتها الوطنية. هكذا يكون بمقدور الارادات الوطنية العربية, المتجسدة في صورة دول قطرية ذات أنظمة سياسية تتمتع بالشرعية, وتتميز بالاستقرار, ان تدرك حقيقة أهدافها ومصالحها, وان ترسم على أساس ذلك سياساتها وتتخذ قراراتها لتحقيق أهدافها وحماية مصالحها. فإذا كانت الوحدة العربية هي أكثر تلك الأهداف والمصالح ضرورة وحيوية, فهذا أمر تقرره الارادة الاجتماعية العربية, أو قد تقر خلاف ذلك. فإذا تبنت خيار الوحدة وإقامة الدولة القومية الموحدة, فلن يكون ذلك ممكنا إلا من خلال الدولة وبواسطتها, إذ (لابد لتحقيق الوحدة من جهاز دولة) و(ليس هناك من دولة في الفضاء الاجتماعي ــ السياسي العربي سوى الدولة القطرية) . لقد وقع دعاة المشروع القومي وناشطوه التقليديون في اشكالية مركبة وتمثلت من جهة في اهمالهم لأبرز خصائص الفضاء السياسي القطري؛ خاصية سيادة الدولة القطرية ونظمها الحاكمة في نطاق حدودها السيادية الثلاثة, البشرية والسياسية والجغرافية, واحتكارها المطلق أو شبه المطلق لحق ممارسة الدور الأساسي والفاعل فيه, في ظروف غياب فاعلية مؤسسات مجتمعاتها المدنية أو محدودية تأثيرها في حالات فاعليتها النادرة, وافتراضهم من جهة ثانية عداء الدولة القطرية لمشروعهم التوحيدي, واستحالة قيامها بأي دور ايجابي لصالحه, مستنتجين على هذا الأساس, بأن تحقيقهم لأهدافهم الوحدوية القومية, لن يكون ممكنا إلا بالمرور فوق جثة الدولة القطرية, وان اسقاطها يعد شرطا وجوبيا لاقامة الدولة القومية المنشودة. ونتيجة لما تقدم, فقد عانت الصيغ التقليدية للمشروع القومي العربي اختلالات هيكلية بنيوية ووظيفية جوهرية, انعكست في ممارساتها لنشاطاتها في بيئة أخفقت في إدراك خصائصها التكوينية, وعجزت عن اكتشاف امكاناتها القابلة للاستخدام والتوظيف لصالح مشروعها القومي, فكان ذلك سببا آخر يضاف إلى أسباب اخفاق تلك الصيغ وعجزها عن تحقيق أي من أهدافها, إن لم يكن هو الأصل في تلك الأسباب وعلتها الأولى ومصدرها. فترسخت جراء ذلك صورة الدولة القطرية ودورها كعائق أساسي في طريق المشروع القومي وأهدافه التوحيدية, في وقت كانت فيه الظروف تتطلب ان تكون الواقعة القطرية مدخلاً للواقعة القومية وأداة لخلقها, وليس العكس, فتحقيق المطالب القومية النظرية, كان يفترض ابتداء تلقيحها بالاعتبارات السياسية الواقعية, الأمر الذي لم يكن بالامكان انجازه إلا من خلال المصالحة بين صيغ المشروع القومي العربي المختلفة والدولة القطرية العربية, عبر صياغة جديدة لنظرية الدولة في الخطاب القومي العربي, (لأنه دون نظرية الدولة العربية الواقعية الفعلية, الدولة العربية القطرية باختلاف اشكالها, لا يمكن وضع نظرية عملية في الوحدة العربية) . وفي هذا السياق انطلقت الصياغات التجديدية للمشروع القومي العربي من موقف مختلف في أسلوب فهمها لطبيعة الدولة القطرية, ودورها (الممكن والمحتمل) في تحقيق أهداف الوحدة القومية, فقد رفعت من شأنها وقومتها باعتبارها (تجربة العرب الراهنة في الدولة الوطنية المعاصرة.. تجربتهم الأولى والأولية في ادارة الدولة ومعايشتها وإكمال بنائها) . وبذلك جعلت من الدولة في المجتمع العربي (مركز تأسيس سلطة ضرورية لبقاء الأمة ولاستمرار المجتمع.. هذا يعني أنه يكفي تحطيم هذا الوسيط حتى تفقد الجماعة واسطة عقدها ومركز توازنها السياسي. هذا الرأي الذي قيل لوصف موقع الدولة ودورها في المجتمع العربي الكبير, يبدو أكثر تناسبا مع موقع الدولة ودورها في المجتمعات العربية المجزأة المتشظية, إذ لا بديل لها سوى تشرذم الجماعات الوطنية العربية وتفتتها الذري, تبعا لعصائبها المتنافرة وولاءاتها المتقاطعة المتصارعة, ولأن العجز عن بناء الدولة القطرية وترسيخها وإدامتها, ادعى لتأكيد العجز من بناء الدولة القومية وترسيخها وإدامتها. فمن المتعذر تصور امكانية اقامة مجتمع عربي, متجانس قوميا, وموحد في اطار مؤسسي سياسي دائم ومستقر في ظروف أخفقت فيها محاولات اقامة مجتمع كهذا على مستوى الوحدات القطرية, أو أن ما تحقق من تلك المحاولات جاء في حده الأدنى, وكان وما زال عرضة للانهيار لأسباب شتى. لقد أعادت صيغ المشروع القومي العربي التجديدية النظر في موقفها من الدولة القطرية, استنادا إلى تقويمها بمقياس ما سبق في مرحلة الخضوع العربي للسيطرة العثمانية, لأنها ستصبح عند ذلك (خطوات توحيدية مهمة, يجب عدم التقليل من أهميتها المرحلية التاريخية, باتجاه الوحدة القومية, إذ أدرك الوعي العربي الحقيقة الانقسامية المذهلة التي كانت عليها الوحدات المجتمعية العربية الصغرى من ولايات ومدن ومحلات وقبائل وطوائف غير مترابطة موضوعيا غداة خروجها من دائرة الظل تحت المظلة العثمانية الواهية والمهلهلة) . فإذا كانت اقامة الدولة القطرية العربية بمثابة (خطوة ملموسة باتجاه التوحيد) فإنها ليست بأقل من ذلك بمقياس ما هو كائن وما سيكون , إذا ما أخذنا في الاعتبار (ما يتهدد بعض الدول القطرية العربية في هذه الآونة من مخاطر العودة إلى هذه الانقسامية.. ومن هذه الزاوية فإن الحفاظ على وحدة الكيانات القطرية القائمة ــ ضد تهديد العودة إلى التجزؤ الذري ــ تبدو الآن مطلبا تاريخيا تقدميا) . ففي الظروف الراهنة لا تواجه النزعة القومية العربية حالة (انحسار وحسب, بل ان نزعة قومية محلية تشتد في محلها أو تبدو أكثر فعلا.. يرافق ذلك ان بلدانا عربية كثيرة أخذت عوض الاندماج المأمول في كيان عربي أكبر, تتشقق داخليا على أساس اثني, وديني, وطائفي, كما لو أن عوامل الالتحام التقليدية, أو ما قبل الحديثة, راحت تجدد شبابها, فيما عوامل الاندماج المعاصر تبدو خائرة القوى. هكذا وتأسيسا على ما سبق, سيكون بالامكان القول بأن الدولة القطرية العربية تعد شرطا ضروريا لقيام الوحدة العربية, مما يعني أن بناء دولة الوحدة يمثل عملية لاحقة لبناء الدولة القطرية ومنطلقة منها ومستندة إليها. إلا ان هذه الصلة الارتباطية بين الدولة القطرية العربية ومساهمتها في بناء الدولة القومية الموحدة, لا تبدو صلة تلازمية وحتمية, لأن وجودها واكتسابها لهذه الخصائص يفترض ان يكون المشروع القومي خيارا اراديا مستقبليا لهذه الدول ونظمها السياسية, ومجتمعاتها المدنية, وإذا كان أمرا مرجحا تبني المجتمعات المدنية العربية للخيار القومي والوحدوي, فإن ذلك أمر بعيد الاحتمال بالنسبة للأنظمة السياسية العربية ومؤسساتها الحاكمة التي ترسخت جذورها ومصالح الطبقات والفئات المستفيدة من وجودها وسياساتها, فالدولة القطرية العربية (لا تجسم في سلطتها أو ممارساتها الحالية, المصالح المشروعة للتكوينات الاجتماعية الرئيسية في أقطارها, وان الفجوة في ازدياد بين المجتمع المدني من ناحية, والدولة من ناحية أخرى) .لذلك فإن خيار الوحدة يمثل تهديدا مباشرا وصريحا, ليس لمصالح تلك الطبقات والفئات فحسب, بل لوجودها أيضا. ولذلك أيضا يبدو أمر جعل خيار الوحدة القومية خيارا إراديا للأنظمة السياسية العربية مشروطا بأحداث تغيير جوهري في بنية تلك الأنظمة وطبيعة مؤسساتها؛ تغيير يجعل منها تجسيدا سياسيا ومؤسسيا لارادة مجتمعاتها المدنية, وهو ما يستلزم لتحقيقه, وتأسيسا على ما تم ايضاحه في القسم الأول من الدراسة, أخذ النظم السياسية القطرية العربية باشتراط المشاركة السياسية الشعبية, فعندها وحسب ستصبح الوحدة العربية خيارا اراديا حرا لكل من الأنظمة السياسية والمجتمعات المدنية العربية على حد سواء, والتي ستكون قادرة بفعل أخذها بذلك الاشتراط على التعبير الارادي الحر عن خياراتها, والعمل على تحقيقها عبر مؤسساتها الرسمية والشعبية, من خلال سياساتها وقراراتها التنفيذية الملزمة, وبواسطة أنظمتها السياسية, وليس من فوقها ولا رغما عنها. فالخيارات الاجتماعية الارادية الحرة, لا تصنعها الا صيغ المشاركة السياسية الشعبية, وآلياتها التي تجعل من تلك الخيارات مشروعات لصناعة المستقبل, تتبناها المجتمعات المدنية, وترسم مع أنظمتها السياسية خطوطها العامة وخطط تحقيقها, وتتحمل معها مسؤولية المفاضلة بينها واختيار الانسب منها والاقدر على تحقيق مصالح المجتمع وأهدافه عبر المؤسسات الضامنة للمشاركة السياسية الشعبية, وحق المجتمع في التعبير عن آرائه بحرية, فتطبيق المشاركة السياسية الشعبية يعني (انه ستكون هناك ضغوط متزايدة على النخبات الحاكمة للاتجاه نحو التوحد العربي, واضافة الى ذلك ستعني دورا متعاظما في تحديد شروط هذا التوحد وتقنينه وضبطه ورقابته وحمايته) . فهكذا يصار الى تحقيق الوحدة القومية القادرة على احتواء التعدد وتأطير التنوع, في صورة علاقة تعاقدية اسبق بين المجتمعات المدنية العربية ونظمها السياسية, علاقة تكون هي الاخرى مقننة ومؤسس لها تشريعيا ووظيفيا, لتصبح صيغ التقنين والتأسيس العلائقي التي ابتدأت قطريا, ثم امتدت واتسعت قوميا, سياجا مضاعفا يحمي حقوق المواطن والمجتمع, ويحدد مسؤوليات النظام السياسي ونطاق سلطاته في أي من الدولتين (القطرية كواقع راهن) , و(القومية كطموح مستقبلي) على حد سواء. ولكن فاقد الشيء لا يعطيه, فالممارسة السياسية العربية, ومن ورائها أغلب صيغ الخطاب السياسي العربي المعبرة عنها داخل السلطة او خارجها, تفتقر الى مفهوم العقد الارادي بين المجتمع المدني والنظام السياسي على المستوى الوطني/ القطري, الامر الذي يعني عجزها عن اقامة أي تأسيسات فكرية او تشريعية أو مؤسسية ــ هيكلية لعقد ارادي قومي, استنادا الى عقد عجزت عن تجسيده قطريا. لقد أعطت اولويات بناء الدولة القطرية وضرورات ترسيخ كيانها وضمان أمنها وديمومتها, مسوغات مقبولة نسبيا, خلال المراحل السابقة للتركيز المفرط في السياسات القطرية, على قضايا حماية السلطة الوطنية وتحصينها, وبرامج التنمية الاقتصادية, على حساب قضايا الحريات الاساسية للمجتمع وحقوق الانسان والمشاركة السياسية, حتى غدت هاتان المجموعتان من القضايا طرفين في معادلة صفرية ما يربحه احدهما يكون مما يخسره الآخر, وكان ذلك سببا مباشرا في اعاقة عمليات نمو المجتمعات المدنية العربية وتبلور مؤسساتها, وفي المقابل فان النظم السياسية العربية غدت اكثر قوة وسيطرة ولكنها ايضا أكثر عزلة وافتقارا الى الشرعية, ولا يمكن افتراض ان نظما سياسية فاقدة لشرعيتها معزولة عن مجتمعها المدني مشغولة بتأكيد ذاتها والدفاع عن وجودها, ستسارع الى تبني مشروع قومي توحيدي, تعرف ان انجازه يضع حدا لوجودها واستمرارها. اما حل ازمة العلاقة بين هذه النظم والمشروع القومي فرهن بتغيير بنيتها وطبيعتها على اساس الأخذ باشتراط المشاركة السياسية تمهيدا لاكتساب اشتراطي الشرعية والاستقرار وتحقيقهما. لذلك بات التأسيس لسيادة المفهوم التعاقدي بين المجتمع المدني العربي ونظامه السياسي القطري شرطا لازما, وضرورة لا مناص من تلبيتها, لاعادة بناء العلاقة من جديد بين هذين الطرفين على أسس صحيحة, ولوضع نهاية لمسار تاريخي ــ اجتماعي طويل, كانت فيه السلطة الفردية او النخبوية في النظم السياسية العربية ولاتزال, مطلقة لا حد لها ولا قيد عليها, الا مشيئة الحكام بعد مشيئة الله تعالى. اما اقامة الدولة القومية الموحدة, فهي هدف لن تصل مجتمعاتنا العربية اليه, مالم تنجز المفهوم التعاقدي الارادي على الصعيد القطري أولا, فالبداية ترتبط كيفما نظرنا اليها بالدولة القطرية, لانها وحدة البناء الاساسية في كيان الدولة القومية, ومثلما ان الوصول الى الكل يفترض الابتداء بالجزء والمرور به أولا فكذلك الوصول الى الدولة القومية الموحدة, يفترض الابتداء بالدولة القطرية والمرور بها أولا, لان سلامة الكيان السياسي القومي الموحد, رهن بسلامة الاجزاء القطرية المكونة لهذا الكيان, وسلامة الاجزاء القطرية/ الدولة القطرية ونظمها السياسية, رهن بشرعيتها واستقرارها المرتهنين بأخذها باشتراط المشاركة السياسية الشعبية وصيغها الضامنة. واذا ماكانت الشرعية والاستقرار مطلبين لا تنالهما النظم السياسية ودولها, باللجوء الى استخدام معامل القوة القسرية وتضخيم زخم مفاعليه ضد شعوبها, فان المشاركة السياسية الشعبية ضرورة لا تطمئنها الأماني, اذ لابد لتحقيقها من جهود جدية وتضحيات سخية, يقدمها المجتمع المدني ومؤسساته, لاقناع النظام بتطمينها, أو اجباره على ذلك, ان تطلب الامر. اما التهاون في بذل الجهد وتقديم التضحيات, فسيسمح للنظام السياسي بحرمان المجتمع المدني من حقه في المشاركة السياسية, بل سيشجعه على انكار هذا الحق جملة وتفصيلا, وسيكون ذلك مدخلا واسعا لفرض ارادة النظام على المجتمع والتحكم فيه, وليس العكس. ان المشاركة السياسية الشعبية, وهي ضمانة الشرعية وركيزتها, ودعامة الاستقرار وأساسه, واقعة اجتماعية يتحمل المجتمع السياسي (الدولي) ممثلين في (المجتمع المدني والنظام السياسي) مسؤولية تحقيقها بشكل مشترك, وسيكون تفريط المجتمع المدني في الدفاع عن حقوقه سببا لافراط النظام السياسي في استخدام سلطاته وقدراته, وليس لمن وقع في التفريط ان يلوم من وقع في الافراط, بل هو احق منه با للوم, لتفريطه في حقوقه وتخليه عن مسؤوليته عن حمايتها وتوفير ضمانات استمرارها وديمومتها, والمشروع القومي العربي هو ابرز حقوق المجتمع المدني العربي وأهم مسؤولياته, وانجازه وتحقيق اهدافه رهن بقدرة هذا المجتمع على التعبير عن ذاته والدفاع عن اهدافه ومصالحه, وفي مقدمتها اهدافه رهن بقدرة هذا المجتمع على التعبير عن ذاته والدفاع عن اهدافه ومصالحه, وفي مقدمتها اهدافه القومية الوحدوية, وعلى الزام النظم السياسية العربية بتبنيها والعمل من اجل تحقيقها وحمايتها, وهو ما يبقى مرتهنا بامتلاك تلك النظم لاشتراطات المشاركة السياسية الشعبية والشرعية والاستقرار التي مازالت تفتقر اليها وتغيب عن فضاءاتها. استاذ العلوم السياسية المساعد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة قاريونس, ليبيا*