إذا صح ما تناقلته وكالات الأنباء عن اصرار الرئيس بيل كلينتون على الضربة الصاروخية للسودان رغم معارضة الأجهزة الأمريكية لهذا الخيار, فلاشك ان النتائج التي استهدفها قد باءت جميعها بالفشل الذريع . فإن كان قد توقع شغل الرأي العام الأمريكي عن فضائحه عبر عمل عسكري حازم يؤكد هيبة أكبر دولة في العالم, إلا ان المحقق ستار لا يزال يواصل مهمته في دأب وعناد لتعريته حتى من ورقة التوت, وهو قد استدعى عشيقته مونيكا للمرة الثانية, وأدلت بمعلومات ووقائع جديدة مثيرة وشائنة, أبعد مدى من الفجور الذي اختزله كلينتون في خطابه للأمة الأمريكية بدعوى ارتكابه مجرد فعل (غير لائق) , بينما الحقيقة التي حاول الالتفاف عليها تشير إلى انه حاول ان يمارس معها شتى ألوان الترغيب والترهيب لاخفاء ما دار بينهما في الغرفة المجاورة لمكتبه البيضاوي, وحسبما ذكرته الصحفة الأمريكية فقد بات من المتوقع استدعاؤه للشهادة للمرة الثانية, وبعدها يتقدم ستار بتقريره إلى الكونجرس متضمنا رسوما ايضاحية مخزية لأوضاعه مع مونيكا, اضافة إلى نتيجة الفحص المعملي لفستانها الشهير الذي احتفظت به للذكرى بعد مضاهاة ما علق به بعينة حية من الرئيس الأمريكي. أما ان كان كلينتون قد حسب حساباته ورتب ترتيباته على انهيار النظام الحاكم في السودان بمجرد ضرب مصنع للأدوية بالصواريخ (توما هوك) , فقد كسب النظام من حيث لم يحتسب شعبية كبيرة في الداخل وتعاطفا عربيا وإسلاميا وإفريقيا واسعا, طالما سعى إليها وفشل بسبب اتهامه بالارهاب! والذين يعرفون السودان ومفردات ثوابته الوطنية, ويدركون عاملين أساسيين غابا عن تقدير الأجهزة الأمريكية المسؤولة عن جمع المعلومات ووضع الخطط وتحديد الأهداف قبل توجيه الضربة الصاروخية. العامل الأول: أن سكان العاصمة السودانية الخرطوم ــ كما خبرتهم ــ لا يعرفون كتمان أدق الأسرار عبر جلسات الونسة التي تمثل المنابر الديمقراطية الشعبية, فإذا كان مصنع الشفاء ــ على حد المزاعم الأمريكية ــ قد شرع في انتاج الأسلحة الكيماوية وغازات الأعصاب, فمن باب أولى ان يشيع الخبر وتتداوله جلسات الونسة, خاصة وأن العاملين في هذا المصنع ينتمون إلى شتى الفصائل والتيارات السياسية وبينهم بالقطع من ينتمي إلى المعارضة, ثم ان زيارة المصنع متاحة للأفراد وطلبة المدارس والجامعات وأعضاء النقابات والسلك الديبلوماسي باعتباره صرحا للتنمية ومفخرة وطنية, وإلا لما كان الترحيب بزيارة السفير البريطاني مؤخرا للمصنع وتفقده لأقسامه! وإذا كان المصنع يحمل صفة السرية العسكرية , فلماذا لا يقف على بابه سوى حراس مدنيين غير مسلحين, ولماذا تفرط الحكومة في ملكيته لرجل الأعمال صلاح ادريس الذي يساهم بنصيب في رأس المال إلى جانب نصيب شركائه في الخليج وأفريقيا, أو يعهد بادارته لأردني وخبراء هنود, ولماذا وقع الاختيار على مكانه وسط المنطقة الصناعية في حي بحري وعلى بضع خطوات من أضخم محطة لتوليد الكهرباء وإلى جواره مصنع مدني للحلاوة الطحينية . حتى لو كان المصنع بالفعل على هذه الدرجة من الخطورة, إذن لكان من دواعي السرية والحيطة اختيار مكانه في منطقة نائية بعيدة عن التجمعات السكانية, وتقوم على حراسته قوة مسلحة من الجيش أو الشرطة, وإن سمح بزيارته فمن باب التمويه فحسب, مع استبعاد عنابر انتاج الأسلحة الكيماوية وغازات الأعصاب من الزيارة, وهذا لم يحدث بشهادة الشهود على اختلاف جنسياتهم! ولنفرض ان المصنع كما صورته أمريكا على هذا القدر من الخطورة, ألم يكن المفروض أولا تحذير السودان لوقف هذا النشاط المريب, ثم انذاره ثانيا بعرض الأمر على مجلس الأمن في حالة عدم استجابته توطئة لارسال بعثة تحقيق, وبعدها تأتي مرحلة فرض العقوبات والحصول على اذن من الشرعية الدولية قبل توجيه الضربة العسكرية وفقا لسوابق التعامل مع العراق ومصنع ترهونة الليبي؟ أما ان تبرر أمريكا فعلتها الشنعاء, بدعوى نقل عينة من مخلفات المصنع وتحليلها والتأكد من انتاجه لمواد محظورة بعد أيام من الاعتداء على السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام, حتى يستخدمها أسامة بن لادن في العدوان على المصالح والرعايا الأمريكيين, فلاشك ان فطنة الرأي العام تضحد هذا الافتراض أو الافتراء فضلا عن استبعادالخبراء هذا الاحتمال باعتبار ان انتاج تلك المواد ليس مرهونا بقرار سياسي فقط, ولكنه يحتاج كذلك إلى تجهيزات خاصة وتوفير الخامات اللازمة , وتدريب العمال, اضافة إلى الوقت الكافي لعمليات الاختبار. والغريب حقا ان ثمة خيارات أخرى عديدة متاحة كان بامكان امريكا تفعيلها لإثبات الشبهات المثارة حول علاقة النظام السوداني بالارهاب, وبينها توجيه الضربة الصاروخية للمزارع التي كان بن لادن يستخدمها في تدريب المجاهدين الأفغان عندما كان هذا النشاط يحظى بالرعاية والدعم الأمريكي, ثم استخدم تلك المزارع لايواء الأفغان العرب تمهيدا لنقلهم إلى أوطانهم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسحب قواته من أفغانستان, كذلك كان الخيار متاحا أمام أمريكا لضرب أي من معسكرات الجيش السوداني, وعندئذ ربما وجدت أذانا صاغية وعقولا تصدق ادعاءاتها وتبريراتها, بحجة ان هذه الأماكن لا تزال تمارس عمليات تدريب الإرهابيين, وعندئذ تكون مهمة الحكومة السودانية إزاء تكذيب هذه الادعاءات عسيرة, وانها تمكنت من تهريب الارهابيين قبل وصول لجنة دولية للتحقيق, لكن يشاء السميع العليم ان يقع اختيار أمريكا على مصنع الشفاء الذي يصعب على أمريكا اتهامه بالضلوع في دعم الارهاب. العامل الثاني الذي غاب عن خطة الضربة الصاروخية, يكمن في عدم أدراكها لثوابت الشخصية السودانية, فهي قد راهنت على خلافات فريق من أهل السودان مع نظامه الحاكم, وانحياز هذا الفريق تلقائيا للادعاءات الأمريكية, ايذانا بانتهازه الفرصة لتنظيم المظاهرات والتنديد بالنظام الذي جلبت ممارساته العدوان والخراب, بينما تاريخ السودان القديم والحديث حافل بالنضال والتضحيات دفاعا عن الكرامة والأرض والسيادة, والتحشد على قلب رجل واحد اتساقا مع قول الرسول عليه الصلاة والسلام (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) , والذي حاق بالسودان عدوان ظالم لاشك فيه, وفقا لأحكام القانون الدولي وكافة الاعراف الحضارية التي تأبى شريعة الغاب. صحيح ان بعض قيادات المعارضة السودانية استدرجت للادلاء بتصريحات سياسية واعلامية غائمة تحتمل التأكيد على مصداقية المزاعم الأمريكية, لكن على ما يبدو ان قواعدها الشعبية بادرت إلى استنكارها, إذ ليس هذا وقت تصفية الحسابات بينما جثث وأشلاء الضحايا الأبرياء في مصنع الشفاء تفرض على أهل السودان التكاتف والتضامن عند الشدائد والملمات, ومن هنا كان تأكيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة المعارض في حواره مع برنامج (وراء الأحداث) الذي بثه التليفزيون المصري مساء الثلاثاء الماضي, من ان المصنع مدني صرف وليس هناك ثمة احتمال انتاجه لمواد عسكرية محظورة, وقال ان الضربة الأمريكية في هذا التوقيت فضلا عن قرار أمريكا السابق تجميد أرصدة السودان المالية ابان اجتماع ممثلين للنظام السوداني والحركة الشعبية لحل مشكلة الجنوب فاقم من تعقيدات النزاع السياسي في السودان, بينما أهل السودان أولى وأقدر على حل مشاكلهم إذا ما توقفت التدخلات الأجنبية في شؤونهم! كاتب مصري*