تقدم التطورات الاخيرة المتعلقة بعمليات الانتقام المتبادل بين الولايات المتحدة الامريكية وبعض التنظيمات المعادية لها, دليلا جديدا على تعذر معالجة الظاهرة الارهابية على المستوى العالمي , من دون العودة الى الشرعية الدولية والخضوع لمبادئها ومقتضياتها ومن دون تحديد مفهوم موحد للارهاب يحظى بتوافق دولي ويجعل المحاسبة مستندة الى قاعدة ثابتة, واضحة ومحددة. فالواقع السائد الآن يؤكد ان وجهات النظر المتصلة بأعمال العنف التي تقع في مناطق متعددة من العالم, تنبني على اجتهادات شخصية ركيزتها المصلحة الذاتية لكل طرف من الاطراف المعنية مباشرة بالمشكلة. ولكن بقدر ما اساء هذا التضارب الى نضال حركات التحرر الوطني التي تخوض معاركها الرئيسية ضد الاحتلال الاجنبي والهيمنة الخارجية, كما هو الحال بالنسبة لواقع المواجهة ضد الاحتلال الاسرائيلي ــ على سبيل المثال ــ فانه سمح لبعض القوى الدولية, وفي مقدمتها الولايات المتحدة باحلال مفهومها الخاص للارهاب بدلا من المفهوم القانوني العام الذي يميز حكما بين الارهاب الفردي الذي يتوخى المصالح المادية المباشرة ويستخدم وسائل غير مشروعة وبين النضال الشرعي لحركات التحرر الوطني. كان السؤال المطروح دائما ولايزال: من هي الجهة التي تحدد مفهوم العدالة على المستوى العالمي؟ هل هي دولة بعينها؟ هل هي الامم المتحدة باعتبارها تمثل ارادة المجتمع الدولي كله؟ ذلك انه في غياب المرجعية الدولية المعترف بها في هذا الشأن بخاصة, او في غيره من الشؤون الاقل اهمية يصبح من المستحيل الاتفاق على اي مفهوم آخر بما في ذلك مفهوم الارهاب. فأعمال العنف التي تحدث لها اسبابها المختلفة بطبيعة الحال ومن هنا ينبغي اخضاع كل عمل من هذه الاعمال لتقييم دقيق وموضوعي وفقا لمعايير متفق عليها, بدلا من اصدار احكام جاهزة عليها كما يحدث الان. ومثل هذه المهمة لابد ان تمارسها جهة دولية وحيدة محايدة هي الامم المتحدة. وكل مرجعية اخرى خلاف ذلك تكون مرجعية مزيفة لا يعتد بأحكامها ولا باجتهاداتها او مواقفها. فهل استطاعت الامم المتحدة ان تمارس هذا الدور حتى الآن؟ فيما يتعلق بموضوع ظاهرة الارهاب كانت هذه الاشكالية مطروحة باستمرار على المنظمة الدولية الا ان تعذر تحقيق انجاز رئيسي في اطارها يمكن من مواجهة الظاهرة ويضع حدا لها. وذلك بعد ان عطلت الولايات المتحدة ودول اخرى تدور في فلكها في مقدمتها اسرائيل كل المحاولات الرامية لاحداث تمييز بين الاعمال الارهابية العادية وبين نشاطات حركات المقاومة الوطنية التي تكافح ضد الاحتلال الاجنبي والتمييز العنصري. ولان الولايات المتحدة تتحكم بقرارات مجلس الامن الدولي, من خلال حق النقض (الفيتو) الذي تتمتع به, كانت دول العالم المهتمة بالمشكلة تتحول نحو الجمعية العامة للامم المتحدة. بيد ان هذه المؤسسة ظلت عاجزة عن ان تقوم بدور حاسم فيما يخص تحديد مفهوم واضح للارهاب وان تكن عملت ما تستطيعه في هذا المجال. وتشير بعض التفاصيل الى انه على اثر مناقشات استمرت سبع سنوات وافقت الجمعية العامة للامم المتحدة (في دورتها لعام 1979) على مجموعة من التدابير المبدئية والعملية من اجل مواجهة مشكلة الارهاب. لكن المنظمة كانت حريصة في جميع القرارات التي اصدرتها بعد ذلك في هذا الموضوع على تأكيد (الحق غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال لجميع الشعوب الخاضعة لنظم استعمارية وعنصرية ولغيرها من اشكال السيطرة الاجنبية. كذلك الاقرار بشرعية كفاح حركات التحرر الوطني وفقا لمعاهدات ومبادىء ميثاق الامم المتحدة ولاعلان مبادىء القانون الدولي المتعلق بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول) . اما التدابير المشار اليها فتشمل جميع اوجه التعاون بين دول لعالم لا لمكافحة الارهاب فقط بل للقضاء على الاسباب الكامنة وراء اعمال الارهاب الدولي والتماس الحلول العادلة من اجل التصدي لها. وينص احد البنود المتعلقة بهذا التوجه الايجابي على (ان تولي الجمعية العامة للامم المتحدة ومجلس الامن الدولي اهتماما خاصا لجميع الحالات التي تتولد فيها تلك الاسباب, ومنها الاستعمار والعنصرية والاحتلال الاجنبي, وقد تعرض السلم والامن الدوليين للخطر وذلك بقصد تطبيق ما يتصل بالموضوع من احكام ميثاق الامم المتحدة) . بيد ان كل هذه المحاولات والجهود ذهبت سدى وذلك بسبب اصرار الولايات المتحدة على الانفراد في التعامل مع الظاهرة الارهابية وفقا لنظرتها الخاصة لها, وفي ضوء مصالحها ,ومن ذلك عدم التمييز بين نضال حركات التحرر الوطني من اجل الحرية والاستقلال وتقرير المصير وبين الاعمال الارهابية العادية. وقد لعبت اسرائيل دورا رئيسيا في تغليب هذا الواقع من خلال تصنيف حركات المقاومة الفلسطينية والعربية التي تتصدى لاعتداءاتها وسياساتها التوسعية بانها حركات ارهابية, وهو ما تتبناه واشنطن وتصوغ سياساتها على اساسه. هناك خطوات ثلاث لابد منها اذا كانت ثمة رغبة حقيقية في معالجة الظاهرة الارهابية واخطارها: ــ اولا: تحديد مفهوم واضح محدد للارهاب من خلال مؤتمر دولي شامل. ــ ثانيا: معالجة اسباب الارهاب وكل اعمال العنف المشابهة لا الاكتفاء بالتصدي الامني لها, اي بالارهاب المضاد او ارهاب الدولة كما هو الحال الآن. ــ ثالثا: اعطاء دور رئيسي للامم المتحدة في أية اجراءات يتم الاتفاق عليها لمكافحة الارهاب ومعالجة اسبابه. وما ينبغي التذكير به في هذه العجالة انه حتى على المستوى العربي لم يكن من الممكن الوصول الى وضع اتفاقية مشتركة لمكافحة الارهاب وهي الخطوة التي تمت بنجاح قبل عدة اشهر الا بعد ان نجح القانونيون في وضع تعريف موحد للارهاب ابرز ما فيه احداث تمييز واضح بين الاعمال الارهابية العادية وبين نشاطات حركات المقاومة التي تواجه الاحتلال الاسرائيلي واي وجود استعماري او استيطاني مماثل. واذا لم تتوصل الامم المتحدة الى نتيجة مشابهة سيظل الخلاف حول موضوع الارهاب قائما ولن تجد الولايات المتحدة الى جانبها في هذه المواجهة سوى اسرائىل والقليل من دول العالم. بقلم- رياض ابوملحم