في لحظات حرجة تتسم بالدقة والانعطاف الحاسم, تعيش بلادنا وقضيتنا الوطنية الفلسطينية وشعبنا داخل فلسطين أجواء الاحتقان كما في الصخب السياسي العالي وحالة الحراك القائمة في منطقة الشرق الاوسط بعد ان وصلت (عملية التسوية)على مختلف مساراتها الى مفصل هام فإما الانعطاف نحو سلام حقيقي شامل ومتوازن , وإما التموضع والتوقف امام الاستعصاءات والمآزق الكبرى التي ترتبت على السياسة العدوانية التوسعية الاسرائيلية, فضلا عن التراكمات السلبية الناجمة عن اتفاقيات الحلول الجزئية المنفردة في أوسلو, وهي الاتفاقيات التي فتحت شهية التوسع والعدوان وأتت بشكل أو بآخر بصقور السياسة الصهيونية الى سدة القرار بتل ابيب. فبالانتفاضة الكبرى والصمود القومي بعد كامب ديفيد وغزو لبنان ثم سقوط حكومة الليكود ومجيء حكومة العمل لأنها دعت الى (حلول سياسة وليس عسكرية) , بينما اتفاق أوسلو الذي ترك (الارض متنازع عليها) فتح شهية غول الاستيطان فسقط حزب العمل وعاد تحالف اليمين الصهيوني التوسعي. نعم نحن نعيش هذه الفترة الزمنية حالة من القلق الكبير, في ظل هجوم محموم وكثيف يشن على المشروع الوطني/القومي التحرري الفلسطيني والسوري واللبناني, هذا المشروع الحالم والطامح لاستعادة الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني بما في ذلك حق شعبنا في تقرير المصير والاستقلال وعودة اللاجئين الذين يشكلون اكثر من 60% منه الى الوطن وفقا لقرارات الشرعية الدولية. هذا المشروع الوطني/القومي التحرري لاستعادة الارض العربية المحتلة الى ما وراء خطوط (الرابع من يونيو 1967, وعلى مساحة كامل الجولان المحتل فضلا عن جنوب لبنان والقطاع الغربي وهضبة شبعا اللبنانية المحتلة من عام 1968. في هذه الاثناء يتم التأكيد والرهان المرة تلو الاخرى على حقيقة البناء الهش والمهتز لــ (التسوية الراهنة) , وعدم الاستقامة والنزاهة بالموقف الامريكي المتفرد في رعاية العملية السلمية بل وانحياز واشنطن الصارخ والواضح للبرنامج التوسعي العدواني الاسرائيلي, والتي تنأى حتى عن ممارسة (الضغوط الخفيفة والمخملية) على دولة الاحتلال. لذا فمن المنطقي ان نشهد يوميا حالات الصراخ من تعثر العملية السلمية, فالبناء الرجراج وغياب المرجعية الدولية كما في الرعاية الدولية المفتقدة كلها عوامل اضافية تسهم في عرقلة وصول التسوية السلمية الى الغاية المعلنة بإقامة السلام في الشرق الاوسط. نعم مرة اخرى, نحن نشهد فصولا جديدة من عملية صراعية معقدة تشن ضد قوى الصمود العربية القومية والقطرية بأشكال وبأسلحة متنوعة, وسوريا العربية ولبنان الوطني الصامد وقوى الثورة وائتلاف منظمة التحرير الفلسطينية كلها مستهدفة من جبهة الاعداء الواسعة. لفرض السلام الاسرائيلي المزيف سلام الاستيطان والبلدوزرات والتهويد والحصار والاغلاق وضم الارض وتهجير سكانها, والمحزن ان هذا يتم بتنازلات جناح اليمين ويمين الوسط في منظمة التحرير الذي انشق عن الاجماع الوطني والبرنامج المشترك, وتنازلات الاجنحة العربية المرتدة عن الالتزامات القومية المشتركة في القمم العربية وقرارات الشرعية الدولية. اننا في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين كقوة رئيسية في صفوف الشعب الفلسطيني داخل وخارج الوطن وفي اطار الائتلاف الوطني العريض في (م.ت.ف) وحركة الثورة والشعب الوطنية نقف نحن كشعب فلسطيني والشعب الاردني ولبنان وسوريا العربية في خط المواجهة الأول للسياسة العدوانية التوسعية الصهيونية, ونقف في الصف الاول لتطوير الحالة العربية والفلسطينية, حتى يمكن ان نقف فعليا على أقدامنا بشكل صحيح في خطوة لابد منها لمواجهة الحلف المعادي بهجومه الجديد وبأسلحته الجديدة. هذا درب السلام العربي والفلسطيني ــ الاسرائيلي في المرحلة الراهنة, درب سلام الشرعية الدولية السلام الشامل المتوازن. في هذه الاثناء ومع التفاعلات يوميا نقف معا ونعلن بضرورة القيام بالمراجعة النقدية لكل الاوضاع الفلسطينية ــ الفلسطينية والعربية ــ العربية التي تشكلت بعد كارثة الخليج الثانية وصولا الى بناء الحد الادنى من اشكال التضامن العربي ــ العربي على اساس برنامج الحد الادنى الذي يحفظ الحقوق القومية لشعوبنا, وهنا يترتب على قوى الصمود العربية على امتداد المنطقة الدور الريادي في أخذ المبادرة العملية والمساهمة لإعادة صيانة الاوضاع العربية ــ العربية من جديد في اطار القمة العربية الشاملة والانفتاح البرنامجي على الحركة العربية الشعبية. كما يترتب على قوى الصمود الفلسطينية روح المبادرة لإعادة ترتيب وبناء الحركة الوطنية الفلسطينية وائتلاف (م.ت.ف) من جديد وعلى أساس برنامجها الائتلافي الموحد داخل وخارج الوطن الفلسطيني من كل ألوان الطيف من اليسار الى اليمين ومن القوى الوطنية بمحاورها التقدمية والقومية والاسلامية السياسية الوطنية, وبهذه المكونات وبالدور الوطني الفلسطيني والدور السوري والوطني اللبناني وبتطوير وتفعيل التضامن العربي, ورفع الحداد الذي طال عن نتائج حرب الخليج الثانية نصل معا الى توليد الحالة العربية الاقليمية الجديدة التي يمكن لها ان تسهم في خلق ظروف عملية وواقعية جديدة تمكن شعوبنا من خوض الصراع طويل النفس ضد الحلف المعادي والتصدي لكل أشكال الحروب التي تشن يوميا على حقوقنا لنبني مع قوى السلام في الدولة العبرية والعالم سلام (الحل الوسط) المستند للشرعية الدولية. في هذا السياق, وفي ظل الجمود على مسارات التسوية لابد من الاشارة والتطرق الى المفاهيم الاسرائيلية الصهيونية للسلام, حيث تقدم دولة الاحتلال اتفاقيات الانفراد كنماذج سامة بأغلفة من سلوفان يمكن البناء عليها في الارض الفلسطينية المحتلة (تهويد القدس 60 ــ 70% من الضفة, 37% من قطاع غزة), وفي مفاوضات سلمية مع سوريا ولبنان, بل وأسوأ من ذلك فإن نتانياهو يقدم في أفضل الحالات اشتراطات لعملية سلمية مع سوريا تقوم على اقتطاع اجزاء واسعة من هضبة الجولان (35% وهي المناطق المعروفة باسم الجولان الزراعي والمائي) فضلا عن الاشتراطات الامنية وتحويل الجولان الى مناطق متنازع عليها بدلا من اعتبارها اراض محتلة وفق القرارات الدولية, وهذا بالضبط هو نموذج أوسلو السام تحت شعار (التفاوض بدون شروط مسبقة) بينما تحتل الدولة العبرية الجولان وتزرع الاستيطان وتصادر الارض والمياه وكل هذه شروط مسبقة جاثمة على قلب المفاوضات, ومع لبنان فالأمر يكرر ذاته خاصة حين نعلم بأن دولة الاحتلال قد ضمت منذ العام 1968 وحتى العام 1976 وقبل احتلال الشريط الحدودي عام 1978, مساحة تزيد على 200 كلم مربع من منطقة شبعا وهي الهضبة الغربية الشمالية من جبل الشيخ الى دولة الاحتلال وأقامت عليها الكيبوتزات الزراعية, ومساحة هذه المنطقة تقارب (65%) من مساحة قطاع غزة, وفيها أنهار بانياس والدان وممر قطاع الحاصباني فضلا عن بحر المياه الجوفية تحت الهضبة. اذا سلام نتانياهو لنا نحن شعب فلسطين ولسوريا ولبنان لا يعدو كونه استسلاما فعليا يقوم على الاحتفاظ بالاجزاء الواسعة من الارض وبشروط تستلب اكثر من 60% من الارض المحتلة 67 وتثقل على سوريا ولبنان. كما في فلسطين حيث لم تأت اتفاقيات أوسلو ولا غيرها من الاتفاقيات المنفردة بالسمن والعسل لشعوبنا كما بشر اليمين ويمين الوسط في (م.ت.ف) لسنغافورة وهونج كونج, ولم تأت بمطر الدولارات بل للبيروقراطية الفاسدة التي سرعان ما تضخمت من قطط سمان الى حيتان سمان في مفاصل السلطة بغزة ومدن الضفة. فمنذ اتفاق أوسلو الأول (13/9/93) تم مصادرة أكثر من (450) ألف دونم من الارض الفلسطينية في الضفة والقطاع, فضلا عن قفل تهويد القدس بمستوطنة جبل أبوغنيم, كما لم تتوقف حركة الاستيطان الزاحف, فضلا عن كل عوامل الضغط والخنق الاقتصادي مما ادى الى ارتفاع معدلات البطالة التي وصلت الى 65% في الضفة والقطاع وانتشار الجوع الحقيقي في صفوف سواد شعبنا داخل الاراضي الفلسطينية, وفي واشنطن مؤخرا فإن سلام أوسلو وفريقه لم يخرج بالحد الادنى من النتائج حيث وقع وغرق في التعويمات الاسرائيلية التي ارادت ان يكون الهم الامني الاسرائيلي هو الاساس وعلى حساب الطرف الفلسطيني. ان مآسي ومصائب وكوارث السلام المقدم اسرائيليا, حري بها ان تدفعنا نحو تحمل اعباء المرحلة واستنهاض الذات العربية الوطنية والقومية, القطرية والاقليمية, فكل المبادرات الدولية الايجابية وكل الجهود الاوروبية والروسية وقرارات الامم المتحدة وتوصيات قمم (دنفر) و(امستردام) و(بروكسل) و(متحدون من اجل السلام) تتآكل اذا لم تجد الروافع والاسانيد العربية والفلسطينية اللازمة, فبدون توفر العوامل الذاتية الصحية لا يمكن استثمار الحالة الدولية المؤيدة لحقوقنا الفلسطينية والعربية, ولا يمكن كسر التفرد الامريكي الاعمى والمنحاز لدولة الاحتلال. وفي هذا الاطار فإن جهود الدبلوماسية لقوى الصمود مباركة هامة وحيوية وضرورية في توفير مقومات استنهاض وتفعيل التضامن العربي, والمطلوب خطوات الى الامام لإعادة بناء ائتلاف الصف الوطني الفلسطيني والعربي على قواسم مشتركة عملية وواقعية وطنية/قومية, لتجاوز اتفاق أوسلو المذل والظالم بإعادة بناء مؤسسات (م.ت.ف) الائتلافية بوعاء الحركة العربية الشعبية المنظمة بآليات ومؤسسات دائمة حيث تتكامل حلقات الدفاع العربية نحو سلام شامل متوازن يقوم على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية 242, 338, 425 والقرار الأممي 194 لحل مشكلة اللاجئين والقرار 237 لعودة النازحين وعلى قاعدة الارض مقابل السلام, بتراجع الاحتلال الى ما وراء خطوط الرابع من يونيو 1967 عملا بالقرارات الدولية بمرجعية دولية بين أطراف الصراع, والتزاما بقرارات قمة القاهرة العربية في يونيو 1996 على يد الاطراف العربية. في الرؤيا والممارسة, في البرنامج والتحالفات يعلمنا التاريخ المعاصر لشعوب العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية وبعد انتهاء الحرب الثالثة (الحرب الباردة) ان الشعوب انتصرت بالديمقراطية والوحدة الوطنية والتحالفات الصحيحة الاقليمية والدولية, وخسرت وانهزمت عندما تفككت اساسيات النصر هذه, والدروس ذاتها علمتنا نحن شعوب الامة العربية وخاصة شعوب بلاد الشام (فلسطين, الاردن, سوريا, لبنان), ان طريق الخلاص الوطني/القومي هو طريق تحشيد الشعب بالديمقراطية الحقة والعملية والوحدة الوطنية القطرية والقومية والتحالفات الدولية الواقعية على ضوء تطور حركة خارطة العالم وتحولاته, وعلى قاعدة برنامج عملي واقعي, برنامج (الحل الوسط) لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية 242, 338 والقرارين الامميين 194, 237 الخاصين باللاجئين والنازحين ومبدأ الارض مقابل السلام, هذا هو البديل الواقعي عن حول الاستسلام للأمر الواقع التوسعي الاسرائيلي حلول التفاوض على الاراضي المحتلة باعتبارها (أراض متنازع عليها) ينهشها يوميا اخطبوط التهويد والاستيطان الاستعماري. الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين*