لأن الدنيا حرّ جدا, والكنيست في أجازه طويلة جدا, ومسيرة السلام في ثلاّجة (نتانياهو) الباردة جدا, فقد تولت (مونيكا لوينسكي) مشكورة, احياء الموسم السياسي الصيفي, بنجاح منقطع النظير وقدمت مسلسلا من النوع الذي يفتن العرب , يجمع بين الاثارة السياسية والاثارة العاطفية ويحفل بالغموض والتشويق والجرائم والمناورات ففيه بنت, إذا لم تكن فائقة الجمال, فهي شديدة الجاذبية, ورجل اذا كان قد جاوز سن الشباب, فهو رشيق ووسيم, وشقي, فضلا عن انه اشهر رجل في العالم. فكان طبيعيا ان يتابع العرب, وقائع هذا المسلسل المثير, ليس فقط لانهم يجدون متعة خاصة في قراءة اخبار الفضائح وتتبع عورات الناس ولكن ــ كذلك ــ لان مستقبلهم اصبح رهينا بمستقبل كلينتون السياسي, فلو اطاحت به (مونيكا) فمعنى ذلك ان كل ماقدمه للعرب من وعود وعهود وكلام وسلام, قد ذهب في الباي باي, وان عليهم ان يستعدوا للتعامل مع رئيس أمريكي جديد, ينتمي للحزب الجمهوري الاسرائىلي, قبل الموعد المحدد لذلك بعامين. وللتطور الخطير والمثير الذي وقع هذا الاسبوع, هو أن العرب قد تحولوا من مشاهدين للمسلسل, الى ممثلين فيه, وقاموا ــ بصفتهم عربا ومسلمين بدور مؤثر للغاية في الاحداث, هو دور الكومبارس الصامت, الذي مايكاد يظهر على الشاشة, حتى يدركه سيل من صواريخ (توما هوك) فتدمره تماما.. قبل ان يتبين المشاهدون ملامح وجهه! وعلى عكس كثيرين من العرب, فانني لم أجد في المسلسل, مايكفي من الاثارة, لكي اتابعه بانتظام, ربما لانني لم اقتنع بالتحليل الاكثر شيوعا بينهم, والذي يذهب الى ان (مونيكا) لانها يهودية, فهي دسيسة صهيونية, وان الدور الذي تقوم به على مسرح السياسة الدولية, ليس بعيدا عن تخطيط (الموساد) وغيرها من المنظمات الصهيونية العلنية والخفية, فهي جزء من مؤامرة صهيونية تهدف الى هزّ مركز الرئيس الامريكي وابتزازه, وهو كلام ينتمي الى نظرية المؤامرة, التي ادمنها العرب, وانتهت بتصوير الصهاينة في صورة العدو الذي لايقهر, والذي لا سبيل امام العرب لمواجهته, الا بأن يرفعوا ايديهم الى السماء> ويدعون عليه (دعوة ولية في ساعة مغربية) , سائلين الله عزّ وجلّ, بأن يرسل على الصهاينة, وعلى من يتشدد لهم, طيرا أبابيل, ترميهم بحجارة من سجيل, وتجعلهم كعصف مأكول. المضحك في الأمر ان الذين يقولون بهذا التحليل, ينطلقون من مقدمة يسارية واضحة, لكنها تقودهم الى نتائج يمينية فاضحة, خلاصتها ان (كلينتون) يتعرض لهذه المؤامرة الصهيونية المونيكية, بسبب تعاطفه مع العرب والفلسطينيين, ومواقفه الشجاعة ضد تعنت (نتانياهو) الذي انتهى بايقاف عملية السلام, وللحيلولة بين الرئيس الامريكي وبين اتخاذ مواقف حاسمة ضد اسرائيل, لا تقتصر على قطع المعونة الاقتصادية, بل ربما تصل الى قطع رقبة (نتانياهو) ذات نفسه. وهو كلام يميني ابله, يدل على ان الحرّ قد لحس دماغ اليساريين الذين يقولونه, فنسوا ان الادارات الامريكية المتتابعه, تلتزم جميعها, بالتعهد الذي قطعه وزير الخارجية الامريكي الاسبق (هنري كيسنجر) لاسرائيل, بألاّ تقبل واشنطن أية تسوية لاتقبلها, وتجاهلوا ان ادارة (كلينتون) سبق لها ان استخدمت الفيتو ثلاث مرات, لكي تحول بين مجلس الامن, وبين اصدار قرار بادانة اسرائىل, وان العلاقة بين الطرفين, هي استثناء من العلاقة بين الكبار والصغار التي يعرفها ــ وتعود عليها ـ العرب, فهي ليست علاقة تابع بمتبوع, يقول له قم فيقوم, ولاسيد بخادم يقول له أقعد فيقعد, ولكنها علاقة تحالف استراتيجي ومصالح مشتركة يحتفظ فيها الصغير بحريته في اتخاذ القرار الذي يرى انه في مصلحته, وتملك فيها اسرائيل معه اوراق القوة , مايمكنها من ان ترفض طلبات الجالس في البيت الابيض, وما يمكن (نتانياهو) من ان يقول بالفم المليان, وبطريقة اياك اعني والكلام لك يا جاره: ان الحكومة الاسرائىلية ليست من هذا النوع من الحكومات تملك الولايات المتحدة سلطة الضغط عليه, لكن تجبره على ان ينفذ مالايريد. وفضلا عن ذلك كله, فان التحليل ذات نفسه يتناقض مع مايعرفه العالم من احداث مسلسل (غراميات) مونيكا وكلينتون) , فالبنت لم تكن منذ البداية طرفا في مؤامرة التشهير بالرئىس الامريكي, حتى يقال انها دسيسة صهيونية وكل الذي فعلته هو انها روت ــ على سبيل الفخر ــ مشاهد من قصة الغرام التي جمعتها بالرئيس الامريكي, لصديقتها وزميلتها السابقة بالبيت الابيض (ليندا تريب) , التي ظلت تستدرجها, لكي تروي لها بالتفصيل الممل, وفي مكالمات هاتفية طويلة, كل ماكان يجري بين الرئىس اللعوب وبينها. ولم تدرك (مونيكا) المسكينة مضار هذا التفاخر, الاّ حين اكتشفت ان (ليندا) الموتورة من (كلينتون) بسبب نقلها بقرار تعسفي من البيت الأبيض إلى البنتاجون ـ كانت تسجل لها اعترافاتها, وان التسجيلات قد وصلت إلى دفاع (باولاجونز) التي استخدمتها للتدليل علي صحة ادعائها بأن الرئيس قد تحرش بها جنسيا. وإذا كانت (مونيكا) يهودية, فإن (ليندا) و (باولا) اللتين قامتا بفضح الرئيس ليستا كذلك, كما ان النساء اللواتي تنافسن للاعتراف أمام شاشات التليفزيون, بأن الرئيس قد منحهن شرف معاكسته, لم تكن بينهن واحدة يهودية, بل وكانت بينهن واحدة عربية, ومع ان (مونيكا) كانت الوحيدة التي تحتفظ بدليل قانوني دامغ على أنها قد نالت هذا الشرف فعلا, فقد صمدت , وكذبت على المحققين, ولم تعترف إلا بعد أن تعقد الموقف, وأصبح عليها ان تختار بين الاساءة لموقفها القانوني, والاساءة للرئيس, وبعد ان حصلت على تعهد من المحققين بألا تعاقب على اخفائها للحقيقة.. ومع أنها قدمت لهم الفستان المرصع بتوقيع فخامته, فقد توقت ان تزودهم بدليل على الواقعة الوحيدة, التي كان يمكن ان تسيء إلى مركزه السياسي, فنفت أنه حرضها على الكذب, أو طلب إليها ان تنكر الحقيقة, فحالت بذلك بينهم, وبين توجيه تهمة تضليل العدالة إليه. فإذا كان لابد وأن تكون هناك مؤامرة, فإن المتآمرة ليست (مونيكا) و المؤامرة ليست من النوع الصهيوني, ولكنها من نوع كيد النسا, التي لم يقل أحد من المحللين العرب أنه السبب في ضياع فلسطين, ولم يحمله أحدهم مسؤولية هرولتهم إلى مدريد ثم إلى أوسلو. ومع ان الدور الذي لعبه (كلينتون) في المسلسل, قد أعجب الرجال الذين لا يقدرون العواقب, فإن الدور الذي لعبته (هيلاري كلينتون) قد أعجبهم أكثر, فقد وقفت تدافع عن زوجها بقوة, وتؤكد اخلاصه واستقامته وتتهم خصومه السياسيين, من اليمينيين المتعفنين بأنهم يقفون وراء حملة التشهير به, وهي حجة يستطيع الرجال استخدامها إذا ما تعرضوا لمأزق مشابه, حتى لو كانوا هم أنفسهم من هؤلاء المتعفنين اليمينيين, وموقف يصلح لكي يضربوا به الأمثال لزوجاتهم على مدى ما ينبغي أن تتصف به الزوجة من مرونة وسعة أفق في التعامل مع مثل هذه الأحوال. لكنني ــ مع ذلك ــ لم أصدق مشهدا واحداً من المشاهد التي كانا يظهران فيها معا كأسرة سعيدة, تظللها السعادة, ويسود بينها التفاهم, ولا حرفا واحد من تصريحات (هيلاري) التي لا تقل بلاهة عن التحليلات العربية بوجود مؤامرة صهيونية متعفنة وراء حملة التشهير بالرئيس الأمريكي, إذ بدا لي منطويا على قدر كبير من الافتعال والتصنع الذي يتصادم مع منطق الحياة, ولكنه لا يتصادم مع منطق المسلسل ذات نفسه, الذي تقوم عقدته الدرامية على فكرة كيد النسا, فاستخفاف هيلاري بمنافساتها, لايستهدف إلا الكيد لهن, باستصغار شأنهن وإظهارهن في صورة المدعيات اللواتي ينسبن لأنفسهن شرفا لم تنله من النساء سواها, ودفاعها عن زوجها على الرغم مما يشاع عنه, هو نوع من الكيد له, إذ يظهرها, أمام الرأي العام, في صورة الزوجة العاقلة النبيلة التي تتعالى فوق آلامها وتدوس على مشاعرها, لكي تقوم بواجبها تجاه رجل لا يكف عن اللعب بذيله. على ان ذلك لاينفي ان الطريقة التي أدت بها (هيلاري كلينتون) دورها قد أفقد المسلسل واقعيته, وقصرت المشاهد الفكاهية فيه, على مشهد واحد فقط هو مشهد رباط العنق الذي أهدته (مونيكا) للرئيس, وقال لها انه سيشعر كلما ارتداه انها قريبة من قلبه, وحرص على ان يتزين به في اليوم الذي استدعيت فيه للادلاء بأقوالها. وظهر على التليفزيون لكي يقول أي كلام في أي موضوع , وهو يتحسس رباط الرقبة, ويتمتم بعبارات اقتبسها مما قاله (عماد حمدي) لـ (فاتن حمامة) في فيلم (بين الأطلال) من نوع: وأنت أيتها الشمس, لاتغربي قبل ان تشهدي ان حبي لمونيكا خالد كخلودك , ولا تنسي يامونيكا ما كان بيننا في الغرفة الملحقة بالمكتب البيضاوي, وحين يقع قرص الشمس الأحمر الدامي وراء الأفق, اذكريني بالخير عند المحقق كينث ستار) ! ولو ان (هيلاري) أدت دورها بشكل واقعي لشهدناها وهي تجر (كلينتون) من رباط الرقبة اياه, وتدخل به إلى الغرفة الملحقة بالبيت البيضاوي تنهال عليه عضا ورفسا, وتسأله عن مصدر كل ربطة عنق في دولابه, وعن عدد الفساتين التي بصم عليها قبل ذلك, وتنعي حظها الذي أوقعها في رجل معاكس, ثم تصاب بحالة عصبية فتندفع إلى المكتب البيضاوي ذات نفسه, لكي تبحث عما قد يكون قد أخفاه فيه من تذكارات أخرى ,وتمزق كل ما يقع بين يديها من أوراق, بينما تتصل هاتفيا بأمها لتطلب إليها الحضور حالا بالا, ومعها اثنان من الشهود والمأذون, لكي تنطلق فورا, فهي تفضل أن تعيش في كوخ إلى الأبد عن ان تعيش يوما آخر في البيت الأبيض, مع هذا الرجل الذي يوزع بصماته على كل فستان يقابله.. وهي مستعدة للتضحية بكل شيء في سبيل الطلاق بما في ذلك مؤخر الصداق ونفقة المتعة! وما تكاد الأم تصل ومعها المأذون والشهود, حتى تجد في انتظارها مفاجأة: هيلاري تقف في منتصف المكتب البيضاوي الذي تحطم كل شيء فيه, وكلينتون راكع على قدميه, وهو يقول لها: وانت أيتها الشمس لاترحلي قبل أن تشهدي على ان حبي لهيلاري خالد كخلودك, وحين يقع قرص الشمس الأحمر الدامي وراء الأفق, بين أطلال المكتب البيضاوي اذكريني يا هيلاري.. وسلامي للأخ ياسر عرفات .. والأخ اسامة بن لادن, والأخ الفريق عمر البشير!