مع قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة صاروخيه الى مواقع تابعة لبن لادن في افغانستان يمكن القول ان مرحلة جديدة قد بدأت في الصراع حول العنف الذي تواجهه الولايات المتحدة . بل قد تكون احدى معالم المرحلة المقبلة كثافة اكبر في اعمال العنف الموجه ضد المدنيين والذي شاهدنا نموذجا منه في شرق افريقيا ولكن سيقابل هذا العنف كثافة اكبر في الرد كما رأينا في الرد الامريكي الموجه ضد كل من افغانستان والسودان, ولكن الحسم في كل هذا سيكون صعبا. فهناك في هذه المعركة فريقان. الاول وهو الفريق الامريكي الذي يمثل الدولة الكبرى المتبقية كونيا وهي دولة لديها امتداد في كل مكان وبالتالي يصعب عليها ان تختبىء خلف القضبان لان قوتها تقوم على شبكة علاقاتها الدولية وتواجدها العلني, ان مقدرة الولايات المتحدة على التعبير عن الذات من خلال رموز السينما والمطاعم والغناء والفضاء والسلوك والاقتصاد والجيوش والاساطيل يجعل وجودها اكثر زخما ويجعل تأثيرها اكثر عمقا وجدية من اية قوى كبرى عرفها التاريخ حتى الان. ومن هنا من الطبيعي ان تخلق هذه القوة الكبيرة وتعبيراتها الكثير من ردود الفعل, كما سيكون من الصعب تأمين انتصار حاسم لها في المعركة ضد الارهاب. اما الفريق الاخر فهو يعبر عن نفسه اليوم بمجموعات من الافراد ذوي الميول المتطرفة ممن اختبروا الصراع في افغانستان مع الاتحاد السوفييتي والشيوعية وشاهدوا بالممارسة امكانية هزيمة دولة كبرى واستنتجوا ان الولايات المتحدة يمكن هزيمتها كما هزم الاتحاد السوفييتي, وهؤلاء يشكلون مجموعة ترى في الرمز الامريكي عدوا وترى الصراع مع الولايات المتحدة صراعاً مع كل تعبيراتها ورموزها الثقافية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والاقتصادية. هذا الفريق يقف اليوم ممثلا لاحد اهم تعبيرات الاتجاه الرافض للدور الامريكي ولتأثيراته وامتداداته, وهو يمثل اتجاها له عمقه في البلاد العربية والاسلامية وذلك لانه كثيرا ما يتغذى من ممارسات اسرائىل السلبية في الاراضي الفلسطينية وفي القدس, ويتغذى ايضا من حالة العقوبات الدولية على العراق (بغض النظر عن دور النظام العراقي في تسبيب كارثة العراق) وايضا على ليبيا, وهو ينظر للانظمة العربية القريبة من السياسة الامريكية على انها انظمة يجب ازاحتها بالعنف والقوة. ان الصراع الذي نشاهده يمثل صراعا يصعب على الولايات المتحدة السيطرة على كل جوانبه, فبينما الوجود الامريكي مرأي وانتشاره في كل مكان نجد من جهة اخرى ان الجماعات التي تمارس العنف في جماعات سريه من السهل عليها ان توجه ضرباتها على جسم الولايات المتحدة الممتد. هذا يجعل الصراع مع الارهاب الذي تواجهه الولايات المتحدة صعبا, ويفتح المجال لاخطاء قد ترتكبها الولايات المتحدة في هذا الرد او ذاك, وهذا مايبدو اليوم من خلال محاولات السودان اثبات ان المصنع الذي ضرب لم يكن للاسلحة الكيماوية. وبينما تشكل ظروف العولمة والانتشار العالمي عوامل مساعدة تسهل على الولايات المتحدة جمع المعلومات عن هذه الجماعة او تلك, الا ان ملاحقه هذه الجماعات التي تؤمن بما تقوم به وتمارسه عن قناعة هو بحد ذاته امر شديد الصعوبة وقد يتطلب من الولايات المتحدة توسيع قاعدة تحالفاتها وتوثيق علاقاتها بالدول العربية والاسلامية التي تواجه الارهاب. في هذا الصراع يختلط الوضع الدولي بالداخلي الامريكي ويختلط ايضا مع اوضاع الشرق المتأزمة سياسيا واقتصادية. لهذا من السهل على الدولة الكبرى الاولى ان ترتكب اخطاء تسجل ضدها وتصب لصالح من تواجه خاصة اذا اخلت بتحالفاتها وعلاقاتها العربية. وقد تختلف الاراء الامريكية حول توقيت دخول الادارة الامريكية في هذه الحرب, الا ان الاغلبية الامريكية تؤيد سياسات الادارة الحالية, وهناك أقلية تصل الى 20% تعتبر الضربة الصاروخية الامريكية محاولة من الرئىس الامريكي لتغير مسار قضية لوينسكي. ان الاغلبية الامريكية ومعها أغلبية الكونجرس الجمهوري والديمقراطي وجد نفسه يؤيد الرئيس في قراره الاخير بقصف كل من افغانستان والسودان. بل ان الاغلبية والتي تصل الى 65% تؤيد ارسال قوات ارضيه لمواجهة جماعات تمارس العنف ضد الاهداف المدنية والانتشار الامريكي العالمي. ان هذا يعني ان الاستعداد الامريكي لتوجيه ضربات والدخول بمواجهات ومحاولات خطف واعتقال من يقومون بهذه الاعمال سوف يشهد ارتفاعا في المرحلة المقبلة, كما ان سعي الولايات المتحدة للضغط على الدول الاخرى لتجميد اموال بن لادن والجماعات التي تعمل بنفس العقلية سوف يزداد. فبعد الانتصار في مواجهات عدة: الغزو العراقي للكويت عام 1990, مرحلة الارهاب ضد الامريكيين في الثمانينات, المعركة مع الاتحاد السوفييتي, تصبح معركة المواجهة مع العنف من المعارك التي ترى الولايات المتحدة ان فرص النجاح تتفوق على فرص الفشل, ولكن بالوقت نفسه تواجه الولايات المتحدة معركة يصعب الانتصار فيها وهي لاشك ستستنزف طاقات الادارة الامريكية وستؤثر في سياساتها الداخلية. وقد يكون من الضروري في كل هذا ان تعي الولايات المتحدة ان العالم العربي والاسلامي تواق للاستقرار والازدهار والنمو ويبحث بالوقت نفسه عن الانتصار في معركة الامن والسلام. ولهذا فبينما يتغذى الارهاب على مجموعة من القضايا فان مواجهة هذا الارهاب غير ممكنة بلا قيام الولايات المتحدة بتوضيح مواقفها من هذه القضايا وبالسعي بعد ذلك لحل هذه القضايا بما يتلاءم وحدود المنطق وعدالة الموقف, هذا يعني ان الصراع العربي الاسرائيلي من جهة, والمواجهة المصطنعة بين الاسلام والولايات المتحدة, وملف تأهيل العراق بعد صدام ستكون من الامور الحاسمة التي تتطلب الكثير من الحساسية والمتابعة. قسم العلوم السياسية, جامعة الكويت, مدير المكتب الاعلامي الكويتي في واشنطن*