عندما وقف الرئيس كلينتون موجها رسالة الى الشعب الامريكي يخبره فيها انه ساهم في تضليل الرأي العام وانه اقام بالفعل علاقة (غير لائقة)وخاطئة مع المتدربة في البيت الابيض مونيكا لوينسكي فإنه اعاد الى الاذهان قضية طالما اعتبرها المفكرون السياسيون من اهم الموضوعات , الا وهي قضية العلاقة بين الاخلاق والسياسة. فالى اي مدى ينبغي ان تخضع السياسة لمعايير وموجهات اخلاقية والى اي مدى وفي اية حالات يمكن التجاوز عن ذلك؟ وما هي العلاقة بين الاداء العام والسلوك الخاص لرجال السياسة؟ وهل من حق رجال السياسة خصوصا اولئك الذي يحتلون مواقع القيادة العليا ان تكون لهم حياتهم الخاصة التي لاترتبط بمعايير اخلاقية؟ ومما زاد من اهمية طرح هذه الاسئلة الموقف الذي اتخذه الرأي العام الامريكي تجاه كلينتون في قضية لوينسكي. فحتى نهاية شهر اغسطس فان استقصاءات الرأي العام كانت تشير الى ان غالبية الامريكيين مازالوا على تأييدهم للرئيس ولايعتبرون ان ما قام به يوفر اساسا دستوريا لقيام الكونجرس بسحب الثقة منه وعزله. ودلالة هذه النتيجة انها تقيم تمييزا واضحا بين الحياة العامة للرئيس وحسن قيامه بالاختصاصات التي خولها له الدستور وبين اي مغامرات شخصية او عاطفية له طالما انها لاتؤثر على دورة العام. ومن الواضح ان هذه الصورة تنطبق على حالة الرئيس كلينتون ففي خلال فترة حكمه انتعش الاقتصاد الامريكي واستمر معدل نموه بشكل مضطرد وتدنت نسبة البطالة واستعادت الدولة قدرا من دورها الاجتماعي في حماية: الفقراء, والضعفاء والمرضى وذلك على خلاف سياسة الحزب الجمهوري, ووضع الرئيس التعليم ورفع مستواه كهدف رئيسي للولايات المتحدة ومع ان بداية مؤشرات التحسن في اداء الاقتصاد الامريكي كانت في نهاية عهد الرئيس بوش الا انها تبلورت بشكل واضح في فترة ولاية كلينتون بحيث مكنه من نسبتها لنفسه ومن ثم وفي اطار الثقافة الامريكية فان اغلبية الرأي العام تعتبر ان كلينتون قام بوظيفته على نحو مقبول, اما ما يتعلق بتصرفاته الاخلاقية فهي مسألة خاصة به وبأسرته. وكل ما تقدم صحيح ولكن من الصحيح ايضا ان هناك اقلية نشطة في الرأي العام الامريكي ترى ان ماقام به الرئيس يمثل اخلالا جسيما بصورته كقدوة وكرفر للمجتمع لانه بسلوكياته الشخصية قلل من هيبة امريكا وكرامتها امام العالم ويشير البعض منهم, الى ان الموضوعات التي شملتها التحقيقات والتفاصيل الجنسية التي ودرت فيها تمثل فعلا فاضحا ما كان ينبغي ان تصبح موضوعا تتناوله اجهزة الاعلام بهذا الشكل المفصل, والمتتبع للمواد الاعلامية الامريكية يدرك تماما معنى ذلك ففي سباقها المحموم من اجل الاثارة تطرقت اجهزة الاعلام في برامجها واحاديثها الى موضوعات غاية في الخصوصية استخدمت فيها كلمات وتعبيرات لايمكن ان تطبع في اغلب صحفنا العربية ومما يزيد الطين بلة, كما يشير البعض الاخر ان كلينتون مارس هذه الانشطة في داخل البيت الابيض وفي غرفة ملحقة بالغرفة البيضاوية, التي يلتقي فيها الرئيس بزعماء الدول الاخرى ووفقا لرأي تلك الاقلية النشطة فان ما قام به الرئيس يمثل (عارا) لحق بصورة الولايات المتحدة امام شعوب العالم. وليس صحيحا ان ما قام به كلينتون يدخل في باب (الميكيافيللية السياسية) التي تنسب الى المفكر الايطالي نيقولا ميكيافيللي الذي الف كتابه الشهير (الامير) عام 1517 والذي دعا فيه الى فصل السياسة عن الاخلاق وما كتبه ميكيافيللي لاعلاقة له بموضوع كلينتون فهو تحدث عن الفصل بين السياسة والاخلاق في ممارسة الحاكم لدوره العام بمعنى ان المعايير العامة للاخلاق مثل ضرورة قول الصدق وعدم الالتواء في الحديث لا تنطبق بالضرورة على الحاكم فالحاكم يعلم امورا كثيرة لايستطيع الافصاح عنها لانها تمس امن بلاده, وربما امن بلاد اخرى على صلة ببلاده, لذلك وصل ميكيافيللي الى القول بإن رجل الدولة في ممارسة لوظيفته لاينبغي ان يحاسب في كل الحالات وفقا للمعايير الاخلاقية العامة لانه يخضع لقانون اخلاقي اخر هو حماية المجتمع وتحقيق مصلحة الدولة. وحتى ميكيافيللي لم يطلق هذا الرأى على عواهنه, وانما قصر ذلك على المراحل الاولى من بناء الدولة, اي في الوقت الذي تتزايد فيه التحديات الداخلية والمخاطر الخارجية لذلك الف كتابا اخر بعنوان (المحاورات) اوضح فيه ماينبغي ان يكون عليه شكل الحكم وسلوك الحاكم بعد بناء الدولة واستقرار مؤسساتها. وهكذا لايمكن تبرير ماحدث في حالة الرئيس كلينتون بأية عقيدة دينية او مذهب سياسي لانه جانب الاخلاق في حياته الخاصة مما اربك حياته العامة واذا كان ماقام به الرئيس الامريكي لايوفر اساسا دستوريا لسحب الثقة منه فمن المؤكد انه هز صورة الرئيس الامريكي وكذا هيبة الدولة الامريكية. ان العلاقة بين السياسة والاخلاق وثيقة وحميمة, سواء على المستوى النظري او العملي فعلى المستوى النظري فان المذاهب والاراء والفلسفات السياسية المختلفة تشتمل على بواعث وغايات اخلاقية مثل تحقيق الكرامة الوطنية او اقامة التكافل الاجتماعي او نشر الحرية وتحقيق المساواة, وكل مايسعد البشر بصفة عامة وعلى المستوى العلمي فان صورة رجل الدولة امام شعبه وامام الرأي العام هي صورة واحدة ومتكاملة ولايمكن الفصل فيها بين الاداء العام والحياة الشخصية. عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة*