خمس سنوات على (اوسلو) ..احتفل بها عرفات مع صديقه(بيريز)في العاصمة النرويجية في احتفال باهت لم يهتم به احد, وكان اشبه بسرادق العزاء في ميت لم يعثروا على جثته ! واحتفل بها نتانياهو بأن تركهم يبحثون عن الجثة, بينما كان هو يصدر القرارات بتكثيف بناء المستوطنات في الضفة وفي قلب القدس العربية. واحتفلت بها المقاومة بتفجير في تل ابيب, لتذكر الجميع بالجريمة التي تمت بالاتفاق الذي اوقف الكفاح المسلح دون الوصول الى شيء من اهدافه.. فالارض مازالت محتلة والقدس تضيع, بل ان اوسلو اعطى للاحتلال الاسرائيلي بعض ما كان يبحث عنه من مبررات, فقد حول القضية من قضية ارض محتلة يحسمها الكفاح المستمر, الى قضية ارض متنازع عليها تحسمها المفاوضات التي يملي فيها الطرف الاقوى شروطه, ولا يملك الاضعف الا القبول صاغرا. واحتفلت السلطة الفلسطينية بذكرى اوسلو بتكريس بقاء الفساد في الحكم, وبوضع قرارات المجلس التشريعي الذي يسيطر عرفات على اغلبيته في سلة المهملات, وتشكيل وزارة كان أفضل وصف لها انها (نكتة سياسية) فقد ضمت كل الذين ادانتهم التحقيقات بالفساد واستغلال السلطة, ووزعت المغانم على الجميع, ووسعت قاعدة المستفيدين بالمناصب والصفقات المشبوهة! واحتفل الشعب الفلسطيني بالمناسبة الحزينة بمراجعة اوضاعه التي لم تكن يوما بهذا السوء اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. فالبطالة تضاعفت والدخول تدنت, والمعونات تتسرب الى جيوب (النافذين) والسلطة الفلسطينية تضغط بكل قواها لكي تخفف اسرائيل من الحصار المفروض على القرى والمدن الفلسطينية وتسمح للشباب الفلسطيني بالعمل داخل اسرائيل او المشاركة في بناء المستوطنات الاسرائيلية على ارض الضفة وغزة, لتطالب السلطة الفلسطينية بعد ذلك بإزالتها.. او هكذا يفترض! اما امريكا (العرّاب) الاكبر للعملية كلها, فلم تحتفل بالمناسبة لانها مشغولة بما هو اهم.. فضائح رئيسها والاستعداد لما بعد سقوطه الوشيك, ثم (مسرحية) ضرب السودان وافغانستان التي تشبه مسرحيات القطاع الخاص الرخيصة والتي لا تزيد في قيمتها عن مسرحية (تكسب يا خيشة) احسن الاحوال! يضاف الى ذلك انها قد أدت ما هو مطلوب منها وأكثر.. اوقعت الفلسطينيين في الشبكة الاسرائيلية, وحصلت منهم على اقصى ما يمكن من تنازلات, وتركتهم بعد ذلك في العراء لا يستطيعون التراجع, ولا يتمكنون من التقدم لانه يحتاج الى المزيد من التنازلات وهم لا يملكون ــ بعد كل ما حدث ــ ما يستطيعون التنازل عنه. الان.. تعترف القيادات الفلسطينية الرسمية بانها اخطأت في اوسلو. ولكنها تحاول اقناع الجميع بان الخطأ لم يكن في النهج الاساسي ولكنه كان في التفاصيل, وان السبب هو قلة الخبرة التي جعلت القيادة الفلسطينية تقبل صياغات مطاطة فسرتها اسرائيل لمصلحتها, بالاضافة الى قبولها بتأجيل كل القضايا الاساسية الى نهاية الطريق. وهكذا عندما قطع نتانياهو الطريق لم يعد في الافق ما ينبئ عن الحل الموعود لقضايا اللاجئين والمياه والقدس والدولة الفلسطينية, ووجدت القيادة الفلسطينية نفسها تسبح في الهواء ولا تعرف اين سينتهي بها وبالشعب الفلسطيني المطاف! والخطأ في التفاوض, والتهادن في الاتفاق.. امر واضح في (اوسلو) , لكن ذلك كان نهاية المطاف, اما اساس الكارثة فجاء من قناعات آمنت بها القيادة الفلسطينية ادت بها الى انتهاج استراتيجية جديدة كانت نتيجتها الطبيعية هي الوضع المأساوي الحالي. فمن ناحية آمنت القيادة الفلسطينية بما آمن به السادات قبل سنوات من ان اوراق اللعبة في يد امريكا, وبالتالي فان الحصول على (بركة) امريكا هي الاساس, وهي تستحق تقديم كل ما هو مطلوب وما هو غير مطلوب من تنازلات. ورغم تداعيات حرب الخليج الثانية, وحاجة امريكا الشديدة لان تفعل شيئا في قضية فلسطين حتى تهز اليقين بانها لا تتدخل بحسم الا ضد العرب, وان ما فعلته العراق فعلته قبلها اسرائيل ومر دون عقاب. رغم ذلك لم تنتهز القيادة الفلسطينية الفرصة, بل خضعت للابتزاز الامريكي, وسلمت اوراقها ببساطة غريبة, لانها لجأت ــ كما لجأ السادات قبلها ــ للطرق الخلفية والاتصالات السرية ـ غير مدركة ان وضع مصر يختلف عن فلسطين, وان ما تقدمه امريكا لمصر وهي القوة الاساسية في الصراع ضد اسرائيل يختلف مع ما تقدمه للقيادة الفلسطينية وهي لا تملك شيئا.. بل تدافع عن وجودها في الداخل في وجه قيادات جديدة ظهرت في لهيب الانتفاضة وسيطرت على الشارع الفلسطيني. وهكذا في الوقت الذي كانت امريكا مطالبة امام الرأي العام العربي بان تفعل شيئا للفلسطينيين تبرر به موقفها المتصلب بعد حرب الخليج الثانية, كانت القيادة الفلسطينية تبحث عن شيء تنقذ به نفسها بعد ان فقدت الكثير من الدعم الخارجي بسبب انهيار الكتلة الشرقية من جانب وبسبب موقف دول الخليج منها بعد حرب الكويت, وفقدت الكثير من الدعم الداخلي بسبب الانتفاضة التي نشأت بعيدا عنها وفرضت واقعا جديدا يختلف عن الواقع الذي تتعامل معه القيادة من قصورها في تونس!! وقد استغلت امريكا ذلك جيدا, ودفعت القيادة الفلسطينية الى التنازل عن كل شيء لتحتفظ بمواقعها, ولتضمن تأييد امريكا لها. و قد حصلت القيادة الفلسطينية بالفعل على هذا التأييد, ولكن ليس في وجه اسرائيل, بل في وجه الفصائل الفلسطينية الاخرى, وذهبت القيادة الفلسطينية الى اوسلو وهي تتصور ان الغطاء الامريكي يكفي, لتكتشف انها عارية تماما. وكانت المفارقة ان عرفات ظل يردد امامنا لسنوات ان امريكا تريد منه ان يمارس (الاستربتيز) السياسي كما فعل السادات, وانه يرفض ذلك تماما, فاذا به يتفوق في (اوسلو) على الجميع, ويخلع كل الاردية, ويوافق على كل ما تريده اسرائيل, ويعتبر ذلك هو الحكمة السياسية في اسمى صورها! بينما الف باء السياسة والحرب الا تلقي السلاح ثم تبدأ التفاوض.. فساعتها لن تحصل على شيء, وهو ما حدث! ومن ناحية اخرى.. سيطرت فكرة (السمسرة السياسية) على تفكير القيادة الفلسطينية و(السمسرة) غير النضال السياسي الذي يستغل كل عناصر القوة التي تملكها بما فيها الكفاح المسلح للوصول الى تسوية سياسية. (السمسرة) كانت تعني ان القيادة تسعى الى صفقة ليس لانها صاحبة حق تاريخي ولا لانها تملك الاوراق اللازمة للعب ولكن لانها ستحقق للطرف الآخر ما لم يحلم به من مكاسب, وما لم يستطع تقديمه غيرها. وهكذا برزت فكرة ان فلسطين يمكن ان تكون الجسر الذي تعبر عليه اسرائيل الى العالم العربي. وان اتحادا ثلاثيا يجمع فلسطين والاردن واسرائيل يمكن ان يكون نواة الشرق الاوسط الجديد الذي تخطط له امريكا, والذي يتيح لاسرائيل الهيمنة على المنطقة اعتمادا على تقدمها التكنولوجي وتفوقها العسكري. وبدأ عرفات تسويق حكاية (البينولوكس) او الاتحاد الثلاثي, مركزا على الدور الاقتصادي, متصورا ان هذا ما يلائم طموحات اسرائيل ومخططات امريكا, وما يضمن له ولاء قطاع من رجال الاعمال الفلسطينيين الاثرياء الذين ارتبطت مصالحهم به والذين يطمحون الى نصيب في الكحكة الموعودة. وبعد اوسلو اكتشف عرفات ان اسرائيل لم تعد تحتاج للجسر الفلسطيني, بعد ان بدأ سباق (الهرولة) العربية لتل ابيب. واكتشف ان المعادلة القديمة للرخاء الموعود في الشرق الاوسط لم تعد قائمة.. فالمال العربي تمت سرقته, والعمالة العربية فقدت قيمتها مع التطورات التكنولوجية, واسرائيل وحدها تعرف طريق التقدم ولا تحتاج لشركاء. اما على الجانب السياسي فقد كان عرفات مطالبا بتسديد الفواتير التي وقعها في اوسلو وبلا مقابل حقيقي. ولم يعد لديه الا الخضوع او الشكوى لامريكا التي تحولت من راعية رسمية لعملية السلام الى (كومبارس) تاركة دور البطولة لنتانياهو الذي اعلن منذ اليوم الاول لتسلمه السلطة في اسرائيل, وبصراحة موجعة, ان مستقبل المنطقة تقرره موازين القوى, واسرائيل هي الاقوى ولذلك ستفعل كل ما تراه لمصلحتها. كان رهان عرفات خاسرا من البداية, وليس صحيحا ان نتانياهو سبب المأزق الحالي, فلو بقى رابين او بيريز لما تغير الموقف الا في التفاصيل, والكارثة انه ليس امام عرفات الا السير من تنازل الى تنازل.. وفي القضايا الاساسية المؤجلة من الارض الى الدولة الى القدس الى اللاجئين. ولابد من عمل قبل ان تحل الكارثة بكاملها. لابد من عمل يوقف التدهور ويعيد الوحدة الوطنية الفلسطينية, ويعيد الاعتبار للمقاومة الوطنية بكل السبل, ويعيد بناء المؤسسات الفلسطينية بعيدا عن الفساد والمحسوبية وتوزيع الغنائم على الفصائل المختلفة او المتحالفة. ويطرح القضية كما كانت وكما ستكون.. قضية ارض محتلة وشعب مقهور لا قضية نزاع يبحث عن حل لن يجيء والقيادات الحالية غير مؤهلة لذلك. ومن هنا لابد من الوقوف طويلا امام تقديم ابو اللطف (فاروق القدومي) بانه قد آن الاوان ليتسلم جيل جديد من القيادات المسؤولية كاملة.. فلعل ذلك ينقذ القضية من بطش الاعداء, وظلم النظام العالمي الجديد وتهاون جيل تعب وشاخ في مواقعه التي يحاول الحفاظ عليها حتى لو تنازل عما لا يجوز التنازل عنه. فاستريحوا يرحمكم الله. ولا تصادروا حق اجيال جديدة في ان تقرر مصيرها وتستعيد وطنها وتصنع مستقبلها.