لا يزال العقل العربي في اجازة مفتوحة لا يريد العودة منها . وليس هناك طريقة لمخاطبته الا بتفجيره.. او تفجير عقلك.. استبداله بعقل ابيض.. عشوائي.. يتصرف حسب المزاج .. فكل ما مر بالوطن العربي طوال الخمسين سنة التي مضت اشبه بلوحة سيريالية .. عبثية.. عشوائية.. تتقاطع فيها الخطوط والالوان والظلال بالمصادفة... وتفترق بالمصادفة.. وتتصادم فيها الاحداث والازمات والحروب والمناسبات السعيدة بشكل عشوائي.. غير مفهوم.. فلا ندري لماذا أغلقت الحدود هنا.. ولماذا فتحت هناك .. لماذا وقعت الوحدة.. ولماذا كان الطلاق؟.. لماذا تشتعل الازمات فجأة.. ولماذا تنقلب الدموع الى احضان وقبلات؟ وقد تعودنا نحن على ذلك.. فلا يمكن ان يكون الواحد منا طبيعياً والعالم العربي اصبح مستشفى للأمراض النفسية والعصبية.. وليس متوقعاً ان يكون الاطباء والزوار احسن حالا من المرضى. لكن المشكلة ان الغرباء العقلاء يندهشون مما نفعل.. ليس في بلادنا فقط وانما في بلادهم ايضاً. في لندن ــ عاصمة الامبريالية التي كانت والديمقراطية التي سادت ــ شد السير (سيريل تاونسند) ما تبقى من شعر رأسه وهو يعلن اشهار افلاس (كابو) او (مجلس تعزيز التفاهم العربي ــ البريطاني) الذي يرأسه.. ومنع الحياء الانجليزي المعروف الرجل من ان ينطق بكلمات مثل الرصاص تؤلمنا .. وربما أدرك ان الكلام لم يعد يؤثر فينا.. فوفره على نفسه. لقد قامت كابو CAABU بعد هزيمة يونيو 1967 بمبادرة من شخصيات سسياسية بريطانية لامعة لمناصرة العرب وقضاياهم في وقت كان الرهان فيه على العرب هو الرهان على جواد خاسر.. محطم.. فقد قوته.. وجرأته.. وأرضه التي يجري فيها.. وفي الوقت كانت فيه حكومة هارولد ويلسون العمالية تحكم بريطانيا مغالية في موالاة اسرائيل .. وفي معاداة العرب. من هذه الشخصيات كان انتوني ناتنج وزير الدولة للشؤون الخارجية في أثناء حرب السويس عام 1956 والذي استقال احتجاجاً على هذه المغامرة الطائشة التي أقدم عليها انتوني ايدن وفقد بعدها الاسد البريطاني انيابه ومخالبه. ومنهم كريستوفر مايهيو وزير الدولة للشؤون الخارجية في حكومة كليمنت اتلى العمالية.. وقد رشح لهذه المنصب في حكومة هارولد ويلسون ولكن موقفه المعروف بمناصرة العرب جعله عرضة للضغوط الاسرائيلية التي نجحت في ابعاده عن الخارجية ليصبح وزير دولة للشؤون البحرية. ومنهم الكاتب المؤرخ بيتر مانسفيلد صاحب الكتاب الشهير (العرب) الذي أنصفهم فيه.. وسحق الكثير من الأوهام والخرافات الاسرائيلية.. ووصفها بأساطير (المومس الفاضلة) ولا يمكن ان نقدر شجاعة بيتر مانسفيلد الا اذا عرفنا انه كان يكتب بحرية في وقت لم يكن فيه بوسع مفكر ان يفكر.. او مؤلف ان يؤلف.. او كاتب ان يكتب الا اذا شمموه رائحة الاوراق المالية.. اليهودية.. في وقت كان العالم العربي فيه يموء مثل قطة مجروحة من الخليج الى المحيط. ومنهم الباحثة المعروفة دورين انجرام صاحبة البحث التاريخي (بذور الصراع) والذي اثبتت فيه بالوثائق الحقوق العربية في فلسطين.. وكادت تدفع حياتها ثمناً لذلك.. ولكنها .. كانت تقول: ان الموت اهون من الكذب وضياع الحقيقة.. والباحث مثل الناسك والزاهد لا يمكن ان يحترف التزوير او التضليل والا طار صوابه.. وتدفق الزبد من شفتيه.. وأصيب بارتجاج في الدماغ. وبجانب هؤلاء كان بعض نواب البرلمان مثل ايان جيلمور.. ودنيس والترز.. وكولن جاكسون .. وقد انضم هؤلاء للمجموعة اللامعة بعد ان اعلنوا انهم يناصرون العرب في المحن وابشع الأزمات اليهودية, وأكثرها قسوة وتوحشاً... يناصرونهم في زمن لا يقول فيه الحقيقة الا مجنون .. او متهور.. او انتحاري.. أما الذي في رأسه ذرة عقل فليضع الحقيقة في كيس ويربطه ويلقيه في البحر قبل ان تراه أسماك القرش. هذه هي المجموعة الانتحارية التي قررت الدفاع عن العرب دون ان تخشى فرم اصابعها.. واسست اول (لوبي) عربي حقيقي في دولة كبرى.. وربما كان هو (اللوبي) العربي الوحيد. بمعنى الكلمة.. فليس ادل على ضعف اللوبي العربي في دولة مؤثرة مثل الولايات المتحدة الامريكية من ان الحكام والمسؤولين العرب عندما يسافرون الى واشنطن يحرصون على لقاء اللوبي اليهودي وجماعات الضغط الاسرائيلية هناك. هذه هي المجموعة الانتحارية التي كونت كابو وظلت طوال 30 سنة ترد على الافتراءات اليهودية وتكسب الاصدقاء المؤيدين للعرب حتى أصبح لهذه المنظمة الفريدة من نوعها مندوباً دائماً في وزارة الخارجية البريطانية .. دون ان يكلفنا ذلك أكثر من 200 الف جنيه استرليني سنوياً.. وهو مبلغ زهيد لا يساوي نصف صفحة اعلان تنشرها حكومة عربية بمناسبة عيدها الوطني.. ولا يساوي حفل استقبال محدود في مكان متواضع يقيمه احد السفراء العرب لدى بلاط صاحبة الجلالة. ولكن.. حتى هذا المبلغ الزهيد لم يعد متوفراً بعد ان كفت الحكومات العربية عن دعم كابو.. التي لا تزال تلعب دورها رغم جفاف مواردها.. وتيبس عضلاتها.. واصابة حنجرتها بالخرس.. فقد نشرت صحيفة (صاندي تايمز) منذ شهور خبرا لمراسلها في تل أبيب وهو اوزى ماحناعيمى ان رئيس المخابرات الاسرائيلية افراييم هالفي يبذل مساعيه لدى السلطات البريطانية لاعادة فتح مكتب الموساد الذي اغلق عام 1987. وفور نشر الخبر وجه السير سيريل تاونسند رسالة باسم كابو الى وزير الخارجية روبن كوك عبر فيها عن قلقه من احتمالات عودة عملاء الموساد الى لندن.. وذكر ان ذلك (يعد انتهاكاً لسيادة الدولة) وطلب بالسماح لمخابرات الدول العربية بالعمل بالمثل .. (حتى لا توجه اتهامات لبريطانيا بدعم اسرائيل في اطول وأعنف صراع ضد العرب في القرن العشرين (وقد شعر وزير الخارجية البريطانية بالفزع مما قرأ.. وقال:(استطيع ان اؤكد ان الموساد لم يطلب بطريقة رسمية او غير رسمية اعادة فتح مكتبه في لندن كما اننا لم نعلم شيئاً عن وجود نية لديهم في ذلك. الى هذا واصلت كابو دورها بقوة رغم ضعفها وانهيار مواردها.. ولكن .. هذا الدور مهدد بأن يصبح في خبر كان.. وأخواتها.. وهو ما أسعد اللوبي اليهودي كثيراً.. وعبرت عن هذه السعادة صحيفة (الجويش كرونيكل) الناطقة باسم اليهود في بريطانيا والتي قالت:ان كابو (تواجه اخطار الافلاس ونهاية عمل اللوبي الرسمي الذي يعمل لصالح القضايا العربية داخل الحكومة والبرلمان والرأي العام البريطاني) . ووصفت (الجويش كرونيكل) كابو بانها اكبر منظمة تعمل في خدمة العرب. وقالت: انها تواجه عملية الاستغناء عن هيئة مكونة من خمسة اشخاص تقود العمل في مكاتب هذا التجمع النشط. واستطردت: أنه بعد ان جف الدعم المالي الذي كان يأتي عادة من دول الخليج ستتحول كابو إلى نشاط تطوعي يعتمد على تبرعات الافراد, وقد تم تدشين حملة تبرعات لجمع مليون جنيه استرليني لصالح كابو الا ان الحملة اسفرت عن جمع 70 الف جنيه استرليني فقط. ولم تنس (الجويش كرونيكل) ان تذكر ان كابو تأسست عقب حرب الايام الستة بين العرب واسرائيل في عام ,1967 وانها (اعطت منبرا قويا يدافع عن العرب, وشكلت قاعدة مهمة ومؤثرة لنقد اسرائيل والهجوم عليها. ودقت كابو ابواب السفراء العرب .. لكنها وجدتهم يمسكون بتلابيب بعضهم البعض, فكل منهم مشغول بنقل مشاكل وخلافات بلاده مع جيرانها إلى بلاد البرد والجين والضباب, وليس هناك اي امل في تجاوز الصراعات الاقليمية ولو مؤقتا, عملا بالمثل العربي الشهير: انا وابناء عمومتي على الغريب. لقد كان من السهل تحويل النحاس إلى ذهب, واستخراج الوجود من العدم, ولكن, من الصعب, ومن المستحيل ان يتجاوز العرب متاعبهم العائلية إلى مصلحة قومية, ان الكلام عن التضامن العربي هو كلام خرافي لا دليل واحد عليه, واسطورة ساذجة تنتظر التحقيق. واستغلت كابو وجود د. عصمت عبدالمجيد امين عام الجامعة العربية في لندن لتشرح له قضيتها .. لكن .. نسيت ان الجامعة العربية هي صورة في المرآة للامة العربية, فيها نفس البثور والحفر والاخاديد وآثار الطعنات القديمة والحديثة. ولم تجد كابو مفرا من انقاذ نفسها بنفسها وعقدت في مايو الماضي اجتماعا في مقرها للنظر في مستقبلها, ودعت للاجتماع مندوبين عن كافة الجاليات العربية, وكان افضل اقتراح اعلان استقلال كابو بتأسيس (وقف) تديره شركة استثمارية باسم (كابو تراست) هدفها تأمين ريع ثابت يغطي المصاريف الاساسية لكابو, وكان المطلوب جمع مليوني جنيه استرليني كخميرة مناسبة, وتبرعت شخصية عربية قيل انها غير سياسية وغير مالية بمبلغ 200 الف جنيه, على طريق المليوني جنيه الذي لايزال طويلا وبعيدا, رغم ان المبلغ كله لا يساوي اي شيء إلى جانب ما ينفقه العرب كل سنة في لندن على المشتروات والفنادق وفي نوادي القمار, ان بعض التقديرات تشير إلى اننا ننفق 600 ــ 800 مليون استرليني كل عام, فهل نتبرع بوجبة هامبرجر, أو اجرة مشوار تاكسي, أو ثمن فانلة تي ـ شرت أو دور بوكر, من اجل انقاذ كابو؟ ام ان الحكومات العربية يمكن ان تدفع المليوني استرليني وتعفينا من ذلك؟ وانتهى اجتماع انقاذ كابو بتوجيه نداء من المنظمات العربية في بريطانيا إلى الملوك والرؤساء العرب ناشدتهم فيه بمد يد العون إلى كابو التي لا تتعدى ميزانيتها 200 الف استرليني سنويا, ولو امكن تجميع مبلغ مليوني استرليني لكان عائده يكفل استمرار نشاط المنظمة ويحجب عنها مخاطر العجز والاغلاق, ولم ينس النداء ان يذكر: ان جماعات الضغط المؤيدة لاسرائيل تتعدد وتتنامى وتجدد حيويتها ونفوذها, اما التجمع العربي الوحيد المؤيد للعرب فعلى وشك الموت بالسكتة المالية في الذكرى الخمسين لنكبة فلسطين, وفي الوقت (الذي نحن في امس الحاجة إلى هذا اللوبي, وتعد هذه سابقة خطرة فهي تشير إلى ان كل من يفكر في مساندة العرب سيلقي هذا الاهمال, ومصيره إلى الزوال. ويبدو ان هناك تصورا لا يخلو من قصر النظر وعدم الواقعية وهو ان كابو قد ارتبطت بالقضية الفلسطينية وان القضية الفلسطينية قد انتهت مع توقيع اسلو واعلان السلطة الفلسطينية في غزة, ورغم ان كابو ارتبطت بالقضايا العربية فان القضية الفلسطينية لم تحل ايضا, ومن باب التكرار الممل القول ان اسرائيل ترفض تنفيذ ما وقعت عليه. كذلك فان حاجة العرب إلى كابو, والف مثلها لاتزال مستمرة, وفي قضايا تتورط فيها بريطانيا بصورة مباشرة مثل الحصار على العراق, وعلى ليبيا, ومثل ايواء رؤوس وزعماء الارهاب الذين كان لهم يدا في حادث الاقصر المروع الذي سبب خسائر لمصر بالمليارات. بل اكثر من الدعم المالي تحتاج كابو لتجديد دمائها, فحجم العضوية استقر عند 600 عضو, حسب ما قاله سير تاونسند, غير ان الاعضاء من الجانب البريطاني هم من كابر السن, خصوصا الذين كانوا في فلسطين خلال الانتداب البريطاني, اما الاجيال الجديدة من السياسيين البريطانيين فلا يعرفون اي شيء عن كابو, وربما لا يعرفون الكثير عن العرب, سوى انهم يقتلون النساء على طريقة شهريار, ويمارسون الارهاب وقطع الطرق على طريقة لص بغداد. ان كابو في حاجة إلى فارس عربي يأتي لينقذها على حصان ابيض على حد قول جهاد الخازن في (الحياة) الذي استطرد (ربما كان الامر ان زمن الفرسان العرب ولى إلى غير رجعة) . لقد قرأت كثيرا عن هذا الفارس العربي الشهم النبيل في كتب الادب والتاريخ ومعلقات الشعر التي راحت تتوسع في وصفه وتصوير محاسنه وفضائله, وراحت تسرف في رسم شجاعته وشهامته وكرمه وغيرته على الارض والتقاليد ومصالح الوطن, لكن, هذا الفارس لم يظهر لي في الواقع ولا في الاحلام, ولم اصادفه في طفولتي, ولا طوال ربع قرن من العمل في الصحافة مهموما بهذا الوطن متجولا في ارجائه واطرافه, على ان المعجزات لم تنته, وربما جاء هذا الفارس لينقذ كابو, فأنا لم ايأس من مجيئه, وان لايزال مفقودا حتى كتابة هذه السطور, ورغم ذلك اتصور انه ربما لو قرأ هذا النداء فانه يحجز مقعدا على اول طائرة مسافرة إلى لندن ليظهر هناك معلنا ان اضراس العقل قد نبتت في الفك العربي من جديد, وان تصرفاتنا السياسية لم تعد عشوائية, أو سيريالية, وان كل شىء محسوب وليس محكوما بقانون الصدفة أو الفوضى. ان مهمة الكاتب ان لا يكون شاهد زور على عصره وعليه ان يكون صادقا وليس بهلوانا, ومن هذا الفهم لوظيفتي اقول ان كابو رغم انها اختبار صغير فانها اختبار دقيق, لو نجحنا فيه يمكن ان تصبح الكتابة وردة امل, وشمس تدفىء سطورها عالمنا العربي المقبل من احباط إلى احباط, ومن يأس .. إلى يأس .. ومن حرب قومية إلى حرب اهلية, ساعتها سنحب هذا الوطن اكثر واكثر, وسنصدق ان الفارس العربي القديم, قد عاد.