في أول زيارة للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لجنوب افريقيا قام نيلسون مانديلا بتقليد عرفات قلادة الرجاء الصالح وهي ارفع وسام جنوب افريقي . ومن جانبه قام الرئيس الفلسطيني بتقليد مانديلا وسام نجم القدس الشريف ارفع وسام فلسطيني وحتى اشعار آخر. نحن أمام زعيمين يعتبران بلغة القواميس القديمة والحديثة آخر قيادات لحركة التحرر الوطني وتلك الحركة التي تألقت في بداية النصف الثاني من هذا القرن ورفعت رايات الاستقلال في دول كثيرة في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية. ولكن احدهما وهو مانديلا اصبح الان رئيسا منتخبا لجمهورية جنوب افريقيا منذ 1994 وذلك بعد ان سقط النظام العنصري البغيض الذي ظل يسيطر على السلطة لاكثر من نصف قرن. بينما الآخر ـ عرفات ــ مازال رئيسا لسلطة فلسطينية مستقلة على اراض محدودة غير مستقلة ومازال امامه طريق طويل من النضال لتحقيق حلم الدولة المستقلة على كل التراب الوطني الفلسطيني وانتزاع الارض من السلطة الاسرائيية التي مازالت تفرض سطوتها وعدوانها. والعلاقة بين مانديلا وعرفات هي جزء من علاقة تاريخية اوسع واشمل, ربطت بين اسرائيل ن ناحية وبين النظام العنصري الذي كان موجودا في بريتوريا, كما ربطت في الوقت نفسه بين نضال الشعب الفلسطيني من اجل اقامة دولته المستقلة على ارضه التاريخية, وبين نضال الشعب في جنوب افريقيا لاقامة نظامه الوطني بعد طرد نظام الفصل العنصري في بريتوريا. وطوال نصف قرن كان هناك ترابط وتداخل موضوعي وعضوي سواء من ناحية طبيعة السلطة العدوانية الحاكمة والمتحكمة الامر الذي ادى الى خلق محور تل ابيب ــ بريتوريا والذي كان ولفترات طويلة يلعب دورا اساسيا في كبت وكبح حركة التحرر العربي والافريقي. أو من ناحية طبيعة النضال التحرري نفسه للشعبين الفلسطيني والافريقي والتي تمثلت في علاقات وتشابكات خاصة بين منظمة التحرير الفلسطينية وحزب المؤتمر الوطني الافريقي والقضية الفلسطينية وايضا مشكلة النظام العنصري في جنوب افريقيا بدأت تقريبا في تواريخ متقاربة, فبينما تم انشاء اسرائيل وزرعها داخل الجسم العربي واستيلائها بعد ذلك على كل الاراضي الفلسطينية بعد انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين 1948. كان النظام العنصري في جنوب افريقيا يعلن الاستقلال عن بريطانيا ويفرض نفسه كسلطة مطلقة على أراضي جنوب افريقيا ويصدر قوانين الفصل العنصري التي ركزت السلطة في ايدي الاقلية البيضاء (مليون في ذلك الوقت) واستبعدت الشعب الافريقي كله ولم تمنحه حتى حق المواطنة في النظام الجديد. ومثلما تحولت اسرائىل الى ثكنة عسكرية متقدمة للدفاع عن المصالح الغربية والامريكية وضرب وقهر حركة التحرر العربي في ظل الثنائىة القطبية التي كانت سائدة, كان النظام العنصري في جنوب افريقيا يقوم بمهمه المركز الهجومي والعدواني لضرب حركات التحرر الافريقية ومواجهة المعسكر الآخر. ومن الطبيعي والامر كذلك ان تعتمد الدولتان ــ الصهيونية والعنصرية, على اقسى اشكال الاستعمار والقهر وهو ما يطلق عليه بالاستعمار الاستيطاني الذي يطرد اصحاب الارض الحقيقيين ويجري تغييرات ديموجرافية لاعادة توزيع السكان والممتلكات لتأكيد سلطته وسطوته ولمحاصره الكيانات الوطنية في كانتونات ومناطق مغلقة منعزلة ومحاصره, مع القيام بسلسلة متصلة من العدوان وحملات التأديب العسكرية. بينما كانت اسرائىل تلغي الكيان الفلسطيني كله وتقوم بحروب عدوانية متصلة ضد الدول العربية المجاورة ـ مصر وسوريا والاردن ولبنان, وتحتل أراض في تلك البلدان, كانت جنوب افريقيا تضم وتلحق اقليم جنوب غرب افريقيا ــ نامبيا, وتجند الحملات العسكرية المتصلة ضد دول الجوار الافريقي ــ انجولا وزامبيا وموزمبيق وزمبابوي. وكان من الطبيعي والامر كذلك ان يجري تعاون وتحالف وثيق بين النظام الصهيوني التوسعي في تل ابيب والنظام العنصري العدواني في جنوب افريقيا, تجاوز بكثير التعاون التجاري والاقتصادي والعسكري الى وضع الخطط والاستراتيجيات المشتركة وصل الى درجة ان النظامين, الصهيوني والعنصري, قاما بتطوير مشروعهما النووي وانتاج اسلحتهما النووية في وقت واحد تقريبا. كما حظى النظامان بمباركة ومساندة غربية وامريكية بشكل خاص لدورهما كقلاع متقدمة للدفاع عن المصالح الغربية والامريكية في مواجهة محيط عربي وافريقي معاد. وطوال اكثر من ثلاثة قرون من الستينات حتى نهاية الثمانينات, ضرب النظامان عرض الحائط بكل القرارات التي كانت تتخذها الامم المتحدة والتي كانت تسيطر عليها في ذلك الوقت أغلبية من دول العالم الثالث والثاني. وفيما كانت حركات التحرر التي اجتاحت آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية تتحول الى دول مستقلة ذات سيادة (أكثر من 60 دولة) ظل النظام الصهيوني في اسرائىل والعنصري في جنوب افريقيا يلعبان دور البلطجة الدولية ويرفضان الانصياع الى قرارات المنظمات العالمية ويواصلان سياسة العدوان والقهر. وفي هذه الفترة, وبالرغم من الفيتو الامريكي, صدر ضد اسرائيل وجنوب افريقيا اكثر من مائة قرار بالادانه غالبيتها من الجمعية العامة للامم المتحدة وبعضها صادر عن مجلس الامن. واذا كان هذا التلازم في النشأة والاسلوب بين النظام الصهيوني في اسرائىل والنظام العنصري في جنوب افريقيا قد وصل الى درجة من التلاحم والتداخل في الاغراض والاهداف الى درجة ان الجمعية العامة للامم المتحدة اصدرت قرارا في الثمانينات باعتبار ان الصهيونية هي شكل من اشكال العنصرية. واذا كان هذا التلازم والتلاحم بين جبهة العدو قد ادى بالضرورة الى تلاحم قوي واحيانا عضوي بين حركة التحرر الفلسطينية ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية وحركة التحرر الافريقية ممثلة في منظمة المؤتمر الافريقي. فما الذي ادى الى انتصار نضال الشعب في جنوب افريقيا وسقوط النظام العنصري في بريتوريا؟ بينما ظلت قضية الشعب الفلسطيني متعثرة بين قاعات مدريد ودروب اوسلو؟. ولماذا وافقت الولايات المتحدة الامريكية في النهاىة على التخلي عن قلعتها العدوانية التأديبية التي كانت قائمة في بريتوريا؟, فيما مازالت تدلل اسرائىل وتبارك سياساتها العدوانية والتوسعية. واذا قلنا, وهذا حقيقي, ان التغيرات الدرامية التي جرت على الساحة العالمية في أواخر الثمانينات واوائل التسعينات والتي ادت الى سقوط المعسكر الاخر وانهيار الاتحاد السوفييتي والثنائية القطبية بانفراد امريكا على الساحة الدولية, فتغير الكثير من المعايير والمقاييس وبالتالي المصالح والمشروعات التي كانت سائدة. وان هذه التغيرات قد قللت كثيرا من الحاجة الامريكية الى قلاع عسكرية متقدمة تدافع عن مصالحها وسط مناطق معادية. فلماذا لم ينطبق ذلك على اسرائىل مثلما انطبق على النظام العنصري الذي كان دائما في بريتوريا؟ ولماذا وافقت امريكا في مرحلة متأخرة على اصدار قرارات بمقاطعة وحصار نظام بريتوريا العنصري حتى سقط ورضخ للارادة الدولية؟. بينما تصر في لعبتها في الشرق الاوسط على تحييد المنظمات الدولية والرأي العام العالمي والانفراد بالساحة مع تدليل واضح للمعتدي وانحياز له. هل الامر يتعلق باختلاف المصالح في المنطقتين العربية والافريقية ام ان الامر يتعلق بطبيعة قوى الثورة الفلسطينية وقيادتها؟. ام انها الانظمة العربية وحساباتها وعلاقاتها الدولية والامريكية بشكل خاص؟. وأيا كانت الاعتبارات والحسابات, فمن الواضح ان التحول الذي جرى للموقف الامريكي من النظام العنصري في جنوب افريقيا, وحسابات المصالح الجديدة التي دفعت واشنطن الى الالتحاق بالركب العالمي في العمل على اسقاط هذا النظام وتسهيل انتقال السلطة الى الشعب الافريقي. هذا التحول لم تتوفر اسسه وشروطه بالنسبة للموقف الامريكي في المنطقة العربية.. على الاقل حتى الان.. والى ان يستطيع العرب اقناع امريكا ــ وبشكل عملي ــ بان مصالحها يمكن ان تتعرض لمخاطر حقيقية مع استمرار تدليلها العابث للسياسة العدوانية الاسرائيلية. سيظل عرفات رئيسا شرفيا, وسيظل الشعب الفلسطيني محروما من ارضه وحقوقه الطبيعية في اقامة دولته المستقلة. * رئيس مركز الابحاث والدراسات جريدة الجمهورية*