الكل يتحدث عن الارهاب ومظاهره وآثاره والكل يطالب بإبادة الارهابيين واستئصالهم ويكثر ذلك الحديث وتشتد تلك المطالبة اذا تم اضفاء الصفة(الاسلامية)على ممارسات الارهاب, فحينئذ تكون كافة الوسائل متاحة للانقضاض , والطرق ميسرة للهجوم على هذا العدو الموهوم ليس في هذا القول ادنى مبالغة, فالشواهد على ذلك حاضرة وعديدة. ربما كانت الاحداث الاخيرة التي شهدتا ساحة الارهاب, وردة الفعل السريعة والقوية والتغطية الاعلامية الهائلة من المؤشرات الدالة على ذلك. أدرك تماما ما لهذا الموضوع من حساسية شديدة, بل وخطورة كبيرة في بعض الاجواء, ذلك لمن أراد ان يطرقه بتجرد وموضوعية, باحثا عن الدوافع والأسباب, غير وقاف عند المظاهر والآثار. اما اذا كان طرق الموضوع بغير ذلك, فما اسهل الخوض فيه, والتزلف به, بل وتحقيق المصالح بواسطته خاصة واننا نشهد زمانا تراجعت عند اقوام كثيرين حرمة التدين. وأصبح الخوض في مسائله والنيل من مبادئه متاحا لمن لا يرقب فيه الا ولاذمة دون ان يترتب على ذلك ــ في كثير من الاحيان ــ رد فعل أو مساءلة أو معاقبة تتناسب مع حجم الجرم المقترف بحق الدين. من الطبيعي جدا, بل ويكاد يكون مفهوما تماما, ما تقوم به وتمارسه الكثير من الدوائر الغربية, آلتها العسكرية ووسائل إعلامها من استهداف للاسلام وتشويه حقائقه, وتصويره باعتباره دينا يدعو الى التطرف ونبذ (الآخر) واستئصاله متعلقة بذلك ببعض الامثلة المشوهة لتصرفات شاذة وغريبة تقوم بها جماعات ترفع شعار الاسلام وتدعي تطبيق تعاليمه, وهي معلومة للجميع. ولست أرى ضرورة في ذكرها والتصريح بها. كل ذلك يكون مفهوما, لكن الذي يدعو للحزن والغيظ معا هو ذلك الاندفاع الغريب لطائفة من مثقفينا تردد ما تبثه الاصوات الغربية ليس فقط بشأن اللبس في مصطلح الارهاب, بل وحتى الخلط بين مسألتي التدين والتطرف. فالدفاع المشروع عن الارض والمقدسات, أو مقاومة المحتل هي ممارسات ارهابية تستدعي حشد قادة العالم لبحث سبل مواجهتها واستئصالها! بل ان البعض قارن بين الاعمال الفدائية التي تقوم بها المقاومة الفلسطينية واللبنانية وبين المذابح والمجازر التي ترتكبها اسرائيل في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان, فتساوى في نظر هذا البعض الهجوم على المحتل وبث الرعب في صفوفه في القدس ومجزرة قانا في جنوب لبنان, والتي ذهب ضحيتها المئات من الاطفال والنساء والشيوخ الابرياء! في السياق ذاته اصبح الالتزام بتعاليم الدين وسننه ومظاهره من علامات التطرف ودلائله, والتي تستوجب معاقبة الرجال المتلبسين بجريمة اطلاق اللحية, والنساء اللائي يُضبطن بالحجاب! هذه مقدمة في المفاهيم المقلوبة لدى طائفة من مثقفي هذا الزمان. نتج عن ذلك ــ بطبيعة الحال ــ وصف وتشخيص للمشكلات المعروضة, ثم تقويم غير صحيح لها, وكانت ظاهرة ــ أو مشكلة ــ التطرف (الديني) والارهاب الذي قد تقوم به جماعات مشبوهة وفقا لقراءة شاذة وفهم خاطىء, احدى هذه المشكلات التي لم توفق حتى الآن الجهات التي تعاني من آثارها الاقرار بأسبابها الحقيقية وجذورها, ومن ثم اقتراح الوسائل لعلاجها. ولاشك ان استمرار دوامة العنف والارهاب من الشواهد على عدم ايلاء هذه المشكلة ما تستحقه من اهتمام, مما ترتب على ذلك, فشل الجهود المبذولة لمكافحة الارهاب. والأمر كذلك بالنسبة للارهاب الدولي الذي يستهدف أطرافا خارجية. ولعل أقرب مثال في هذا الشأن ما وقع من ترويع في تفجير السفارة الامريكية في كل من نيروبي ودار السلام, ثم ما حدث من إرهاب انتقامي مضاد استهدف مدنيين ابرياء. هذه الحوادث فاجعات بكل المقاييس, وهي جميعها تعبر عن اتجاه دموي يمثل الارهاب والارهاب المضاد, ولنا وقفة اخرى مع هذا الاتجاه. المشرف العام لجامعة زايد*