هوى الدب الروسي باقتصاديات العالم الى قاع أزمة فاقت مخاطرها وتداعياتها أزمة انهيار البورصات الآسيوية, التي نزعت من النمور الآسيوية مخالبها, وتركتها مستأنسة جريحة تستجدي رضا البنك الدولي, وطوحت بها بعيدا عن المزاحمة على قمة النظام الدولي الجديد . فلقد أثار الانهيار الدرامي للروبل الروسي ذعراً دوليا, وأحدث زلزالا في الاسواق المالية العالمية, اهتزت له بورصات طوكيو ونيويورك ولندن وسدني. ودخلت جميع الاسواق دائرة حزام الزلزال الاقتصادي الروسي ولم يعد هناك ملاذ آمن في أي سوق مالي, ولم يسلم الدولار الأمريكي من جراح الأزمة, وتدهور سعره أمام الين الياباني. وخلافاً لما تروج له آلة الدعاية الغربية, فان الأزمة الروسية ليست ناجمة عن اعاقات منسوبة للبرلمان (الدوما) ووقوفه المزعوم ضد الانفتاح الاقتصادي. بل واقع الحال يشير بأصابع الاتهام الى (اخطبوط) الرأسمالية الغربية المتوحش, واشعال غرائز الخصخصة في أسوأ صورها, وتحويل روسيا الى سوق يعج بالفوضى, ويمسك بمفاتيحه حفنة من الملاك والمليونيرات الجدد, الذين تكدست ثرواتهم بالاتجار في مؤسسات المجتمع والدولة, وتقاضي عمولات عن بيعها بأبخس الأسعار. ففي روسيا مثلما في معظم البلدان التي شهدت مثل تلك الأزمات, أو تلك المرشحة للدخول في حزامها, يتكئ صناع الفوضى المالية والاقتصادية على طبقة جديدة لم تعرفها الرأسمالية العالمية طيلة تاريخها, طبقة لاهوية لها, ولا انتماء سوى للربح وتكديس الثروات لا تشعر بأدنى التزام تجاه مجتمعها, فهي بحكم مرحلة رأس المال العابر للقارات, تفتقر للضمير الوطني والباعث القومي للمشاركة في أي مشروع عام يحقق مصالح الوطن و أبنائه. ودرس الأزمة الروسية الذي يجب الا يغيب عن أذهاننا, ان الخصخصة بلا برنامج أو مشروع وطني وضمير عام يرشدها, تصبح غولا لا يبقي ولا يذر.