مارست الولايات المتحدة الامريكية دورها كدولة عظمى وحيدة في العالم فاخذت القانون الدولي بيدها بكل غطرسة بقيامها بعملية القصف الجوي والصاروخي على اراضى كل من السودان وافغانستان بحجة حقها في الدفاع عن النفس في مواجهة اعمال الارهاب وتثير هذه العملية الحقائق الهامة التالية التى باتت تطبع العلاقات الدولية بطابعها بسبب تفرد الولايات المتحدة بالهيمنة على النظام الدولي الجديد : اولا: ان الولايات المتحدة بعملها العدواني الاخرق هذا تنطلق من انها تمتلك الذريعة الاخلاقية والقانونية التي تخولها تملك الحق في تجاهل المواثيق الدولية وتجاوز اللجوء للوسائل القانونية والدبلوماسية لحل القضايا الخلافية والقفز مباشرة الى الوسائل العسكرية للحفاظ على النظام العالمي الذي تهيمن عليه. من هذا المنطلق التعسفي قامت الولايات المتحدة بعدوانها حتى قبل ان تثبت الاتهامات التي وجهتها الى السودان أو افغانستان بشأن ايواء او تقديم التسهيلات للمجموعة التي نفذت عمليتي نسف السفارة الامريكية في كل من كيينا ونيروبي. ثانيا: بقيام الولايات المتحدة بالاعتداء على دولتين تتمتعان بالسيادة هما عضوان في هيئة الامم المتحدة دون سابق انذار توجه رسالة ذات مغزى لدول العالم بأنه لاحدود امامها ولاقيود تعيق جبروتها في هتك حرمات الدول. ثالثا: تحاول امريكا الايحاء بأنها وحدها التي تملك حق تحديد المعايير الدولية وسبل تطبيق القانون الدولي على اساس ان ماهو جيد لامريكا جيد للعالم وما هو سيء لها سيء للعالم! رابعا: لم تكتف الولايات المتحدة بصوغ العالم وفق هواها ومصالحها من النواحي الاقتصادية والسياسية بل انها تحاول عولمة قيمها وهيمنتها بالوسائل العسكرية ايضا فضلا عن الوسائل الاعلامية التي تقوم بهذا الدور. خامسا: ان الولايات المتحدة التي تتصرف كشرطي عالمي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والمالية والامنية لم تعد تهتم بتهمة المعايير المزدوجة التي توصم بها على اعتبار انها هي التي تملك حق تحديد هذه المعايير الدولية. بكل حال فإن الولايات المتحدة الامريكية بعملها هذا تثير ردات فعل وهواجس عكسية في الاتجاهات التالية: أ ــ تشجيع هذه الاعمال على تنامي نزعة العداء لامريكا وتعزز من مشاعر التظلم من السياسات الصلفة التي تنتجها مستغلة جبروتها العسكري وطغيانها الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي والاعلامي. ب ــ ان الولايات المتحدة التي تدعي انها تحارب ضد الارهاب تقوم بانتهاج سياسة ارهاب الدولة, وشتان بين الممارسات التي يقوم بها فرد اوجماعات وبين الدولة التي تنظم عمليات الارهاب والعدوان بأكثر الاسلحة فتكا لاسيما وانها تحاول ان تضفي على اعمالها العمياء تلك صبغة اخلاقية وشرعية دولية. ج ــ من شأن مثل هذه الاعمال تبريز الاعمال الارهابية المضادة حيث يمكن لكل فرد او جماعة او دولة ان تقوم بردة فعل ما مستغلة العمل الامريكي بهذا الاتجاه بخاصة وان هذه الجماعات والدول ليس لديها في الحقيقة الكثير مما يمكن ان تخسره في اية مواجه مع الولايات المتحدة ثم ان الاطراف التي تمارس هذه الاعمال تعتبر نفسها مضطرة للجوء لهذه الوسائل للتعويض عن ضعفها ومواجهة طغيان القوة الامريكية. د ــ ان مثل هذه المواجهة تعزز مواقع هذه الجماعات والدول ويمكن ان تعمق شرعيتها بالنظر لطابع الرد الامريكي وبحكم موجة العداء لامريكا المتهمة بانتهاج سياسة الكيل بمكيالين ودعم اسرائيل وسياساتها ومعاداة المصالح العربية. وعلى الصعيد العربي فان حالة الصمت والتردد في ادانة هذا العدوان لحسابات تتعلق بمحاباة السياسة الامريكية, من شأنها ان تعمق من ضعف الاهتمام الجماعي بالأمن القومي العربي, ومن شأنها ان تزيد من انكشاف البلدان العربية امام السياسات الامريكية كما من شأن ذلك ان يشجع اسرائيل على التمادي في عدوانها وسياساتها المتعنتة مستغلة هذا المنهج الامريكي وهذه اللامبالاة العربية السائدة. كما ان سياسة الصمت تترك كل بلد امام مصيره منفردا امام جبروت امريكا. ثمة موقف واضح ينبغي تبينه بوضوح وعزيمة يتمثل في ادانة الغطرسة الامريكية, والدعوة الى اللجوء الى الوسائل الدبلوماسية والسلمية, باعتبار ذلك الوسيلة المناسبة لمكافحة الارهاب ولايجاد حل للادعاءات الامريكية. ان البلدان العربية معنية بتعزيز تضامنها ومطالبة بتعزيز مختلف مناحي الامن القومي العربي, فالرد على الارهاب الداخلي لايكون بالانصياع لاستهدافات الارهاب الخارجي القادم من الولايات المتحدة او القادم من اسرائىل, بل ان العكس هو الصحيح. كاتب فلسطيني*