ماكادت أمريكا اللاتينية تتخلص من ماضي الدكتاتورية العسكرية الانقلابية, التي كانت تغذيها الثنائية القطبية خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق, حتى عادت تستعد من جديد للعودة الى فترة جديدة من الحكم الدكتاتوري, الذي يهدد كل النتائج الايجابية التي حققتها العديد من دولها في ظل نظم شبه ديمقراطية , لأن الديمقراطية الكاملة على الطريقة الغربية مستحيلة في تلك البلاد التي تعمها أمية تعليمية شاملة, وفقر مدقع يعيش فيه معظم أفراد المجتمع, واعتماد كامل على المساعدات الخارجية, أو اعتماد كامل على تنمية محكومة بقرار الشركات الكبرى الاجنبية والمتعددة الجنسية. ويرى المراقبون ان الوضع في العديد من تلك الدول ينذر بعودة الصراع الدموي على السلطة, وربما يؤدي هذا الى امتداد حروب العصابات من جديد الى الدول التي تخلصت من تلك الجماعات المسلحة المتمردة تحت ضغوط الولايات المتحدة وأوروبا الغربية, بعد ان فقدت تلك الجماعات المسلحة دعمها الايديولوجي بسقوط الاشتراكية الواقعية, التي كانت متمثلة في الاتحاد السوفييتي والدول التي كانت تدور في فلكه. ويرى المراقبون ان العودة الى تلك الفترة القلقة من الدكتاتورية وما يصحبها من العنف الدموي المسلح لها أسبابها الطبيعية, في ظل جنرالات فقدوا السلطة التي تمتعوا بها طويلا, وبدأ صبرهم ينفد في انتظار اللحظة المناسبة للعودة الى ما يؤكدون انه (حق طبيعي) لضباط الجيش في السلطة, وبعضهم على استعداد لتولي السلطة ولو من الظل. الأمر الذي يساعد على عودة الجنرالات الى السلطة في أمريكا اللاتينية ولو من الظل, ان الدول التي يقال انها حققت سلاما بين النظم الحاكمة والجماعات المسلحة لم تحققه تلبية لرغبة ملحة لدى الجانبين, أو بحثا عن تحقيق أهداف اجتماعية في ظل ديمقراطية حقيقية, بل حققته تحت ضغط والحاح الهيمنة الامريكية والغربية, التي ترى في الجنرالات حلفاء أكثر وفاء, نظرا لتشكيلهم النفسي الذي تم في الاكاديميات العسكرية الأمريكية, أو تحت اشراف خبراء تابعين. في ظل الأوضاع الدولية الراهنة والأوضاع المحلية في دول أمريكا اللاتينية, فإن المراقبين يتوقعون مزيدا من هذه النوعية من الانقلابات, لكن المشهد المقبل الذي تستعد شعوب أمريكا اللاتينية لاستقباله ربما يختلف في الشكل عن المشهد الذي كان قائما حتى نهايات الثمانينات وبداية التسعينات, حيث كانت الانقلابات العسكرية يقودها الجنرالات بمساعدة رجال الاستخبارات الأمريكية, وبدعم واضح وصريح من الشركات المتعددة الجنسية, والبرجوازية المحلية التي تمتلك كل شيء رغم انها تقيم خارج البلاد, وبشكل خاص في الولايات المتحدة الأمريكية أو الجزر السياسية المنتشرة في الكاريبي, والتي يطلقون عليها اسم (الجنان الضرائبية) مثل جزر البهاما والكايمان, وغيرها من الاسماء المعروفة والمرتبطة بالرفاهية والاسترخاء والمافيات. الانقلابات الجديدة في الحياة السياسية في دول أمريكا اللاتينية بعضها يقودها سياسيون احترفوا السياسة تحت شعار الديمقراطية بهدف واحد, وهو بلوغ السلطة والتمسك بها, وعدم التخلي عنها كما تحتم المبادىء الديمقراطية الاصيلة, كما هو الحال في البيرو والتي مارس فيها الرئيس ألبيرتو فوجيموري هذه النوعية من الانقلابات, ولكن لتحقيق ذلك لابد من الوصول الى اتفاق مع الجنرالات الذين بدأت عقلياتهم تتقبل الأوضاع الجديدة, فأصبحوا يقنعون بالسلطة الحقيقية من الظل, ويتركون الواجهة للسياسيين. اما الجنرالات الذين يطمحون الى السلطة المباشرة والتمسك بها من خلال هذه اللعبة الجديدة قرروا دخول الحلبة السياسية عبر السيطرة على الاحزاب السياسية القائمة, وعندما تقع السلطة في قبضة تلك الاحزاب يتحولون الى الدكتاتورية من خلال الانقلابات الداخلية على الديمقراطية نفسها. ومن يفشل منهم في الوصول الى السلطة من خلال الانتخابات الديمقراطية, يمكنه ان يعد ما يشبه (حصان طروادة سياسي) يمكنه من الوصول الى السلطة عن طريق الغير, وعندما تسقط السلطة في قبضة من وضعوهم على الواجهة يتحولون هم الى السلطة الحقيقية, لأن السلطة في حد ذاتها هي الهدف, ولا أهمية للطريقة التي يمكن استخدامها. من هؤلاء العسكريين الذين بدأوا في ممارسة هذه النوعية الجديدة من الانقلابات في الحياة السياسية, الجنرال السابق (لينو اوفييدو) في دولة الباراجواي, فقد حاول هذا الجنرال القيام بانقلاب عسكري في ابريل من عام 1996 في محاولة للاستيلاء على السلطة بشكل مباشر, لكنه فشل بسبب التحولات الجديدة التي طرأت على الحياة السياسية في أمريكا اللاتينية, وبسبب التغييرات الدولية التي أشرنا اليها سابقا. ورغم انه دخل السجن بعد فشل انقلابه, الا انه خطط من داخل السجن لانقلاب جديد على أحدث الطرق المقبولة في الحياة السياسية الجديدة التي تعيشها بلاده في ظل السيطرة الأمريكية التي تسمح بأي شيء عدا الخروج على طاعة الشركات الكبرى والمتعددة الجنسية, التي في معظمها شركات أمريكية الهوية أو الهوى. من السجن رسم الخطة السياسية لتابعه السياسي (راؤول كوباس) الذي تقدم للانتخابات العامة وفاز بمقعد الرئاسة خلال الانتخابات الأخيرة, ولأن الامور كانت واضحة فإن المراقبين توقعوا ان يتم تنفيذ الخطة التي رسمها الجنرال الانقلابي من السجن, ليكون هو الرئيس الفعلي ولو خلال الفترة الرئاسية الحالية, ويكون الرئيس المنتخب العوبته المفضلة الى ان تحين الفرصة ويتولى السلطة بنفسه, وحتى تلك اللحظة فإنه سوف يقنع بممارسة السلطة من الظل تنفيذا للشكل الجديد لممارسة السلطة في أمريكا اللاتينية. لذلك كانت أول خطوة اتخذها رئيس الباراجواي الجديد راؤول كوباس لتحقيق عودة الجنرال الانقلابي, اقامة دكتاتورية فردية متمثلة في شخصه تنفذ ما يطلبه منه الجنرال المسجون, وبدأ السير في هذا الاتجاه من خلال تعيين مجلس وزراء (عائلي) ضم اثنين من اشقائه وأحد ابناء أشقائه في الحقائب الوزارية الرئيسية. وقبل ان تسكن الانتقادات الداخلية والخارجية ضد الرئيس المنتخب الجديد ومجلس وزرائه العائلي, اتخذ خطوته الجديدة والمنتظرة, وفي خطوة غير مسبوقة أصدر عفوا رئاسيا عن الجنرال الانقلابي السابق لينو أوفييدو, واطلاق سراحه دون ان يستشير أحد, بل يعرف تماما ان هذا العفو الرئاسي غير دستوري. تحول الجنرال المسجون لينو أوفييدو الى الحاكم الفعلي لدولة الباراجواي, وبدأ يطلق التهديدات ضد كل أعدائه السياسيين, ولم يعد أمام هؤلاء سوى مغادرة البلاد,لأن الدكتاتورية العسكرية قادمة, لذلك فإن أول ليلة تمتع فيها الجنرال بالحرية كانت كافية لالقاء الرعب في قلب الرئيس السابق خوان كارلوس وازموسي, الذي لم يجد مفرا من البحث عن سكن آمن يحميه من الأيام المقبلة, فقرر اللجوء الى السفارة الارجنتينية. البيرو والباراجواي والتشيلي ليست سوى البداية في أمريكا اللاتينية على طريق (ديمقراطية) جديدة تخفي دكتاتورية الجنرالات. كاتب مصري مقيم في اسبانيا*