ثانيا: محاولات عولمة الفهم الغربي لحقوق الانسان اذا كنا قد انتهينا الى ان مسألة العالمية في حقوق الانسان قد اصبحت امرا لا يثير كثيرا من الجدل في عصر ما بعد الحرب الباردة فان ما نلمسه اليوم هو اتجاه المعسكر المنتصر بزعامة الولايات المتحدة نحو محاولة فرض فهمه الخاص لحقوق الانسان والديمقراطية على المجتمع الدولي باعتباره المفهوم الاصلح والاقدر على البناء. لقد كان وجود النموذج الماركسي اللينيني للديمقراطية هو الحجة الاقوى في نظر الكثيرين على عدم اعتبار النموذج الليبرالي الغربي النموذج الوحيد الذي يصلح لأن يسود شتى تطبيقات الانظمة في العالم, اما وقد انهار المعسكر الاشتراكي فلم يعد لفكرة تعدد النماذج الديمقراطية اي معنى, وهكذا فقد سار الغرب في اتجاه عولمة فهمه الخاص للديمقراطية وحقوق الانسان تحت شعار يعتبرها تراثا مشتركا للانسانية جمعاء لا تراث حضارة بعينها, مخفيا وراء ذلك حقيقة انه يعكس نتائج تغير موازين القوى وارادة الهيمنة وبعبارة اخرى حكم الغالب على المغلوب, ولعل فرانسيس فوكوياما F. Fukuyama لم يكن ليجرؤ ان يبشر الغرب بأن نهاية التاريخ ستكون عند سيادة القيم الغربية في الديمقراطية واقتصاد السوق لولا انهيار الاتحاد السوفييتي لانه عند تأملنا ببساطة في حقيقة القيم التي يسعى الى عولمتها من الناحية العملية فسنجد انفسنا امام خطاب يفضي الى تحقق رأسمالية حقوق الانسان في ظل واقع الاختلال الاقتصادي الدولي القائم, لأن التركيز ينصب على الفئة الفردية (الحقوق المدنية والسياسية) دون التنكر لفئة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كما كانت عليه الحال في السابق لكن بطبيعة الحال يكال امرها لآلية السوق وهذا ما يبحث عنه الفاعلون في تيار عولمة الاقتصاد الرأسمالي العالمي لانه سيضمن لهم بقاء الدولة التي اعتبر تدخلها ضروريا في حالة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعيدة عن هذا المجال, وسيضمن لهم امن وسلامة مصالحهم التي ستكون في رأي الكثيرين مكفولة في ظل الانظمة التي تحترم الحقوق السياسية! وفي هذا الصدد يشير بعض الباحثين الى منحى الولايات المتحدة (الطرف الرئيسي والرائد في خط العولمة) فمنذ انتهاء الحرب الباردة والاتجاه يسير نحو النظر الى حقوق الانسان كمصلحة قومية امريكية تتمثل في المقام الاول بنشر المفاهيم المرتبطة بحقوق الانسان في الفكر الرأسمالي على اعتبار ان التحرر الفكري يواكبه تحرر اقتصادي وهو ما يعني اقتصادا مفتوحا (امام الشركات الامريكية) وزيادة الاعتماد الدولي المتبادل على النحو الذي لا يمكن دولة في المستقبل من الانعزال وبالتالي حرمان باقي الدول الاخرى من مواردها وثرواتها الطبيعية. وقد لوحظ ان عددا من الكتابات قد جاء في حقبة التسعينيات متضمنا دعوة صريحة لكي تتبنى الولايات المتحدة هدف نشر الرؤية الغربية لحقوق الانسان في العالم, ومن ذلك ما تضمنته احد المؤلفات الحديثة لـ جوشوا مورافشيك Joshua Muravchik وهو احد ابرز باحثي السياسة الخارجية الامريكية المعبرين بدقة عن احد روافد التيار اليميني المعروف حاليا باسم التيار المحافظ الجديد Neoconservatismحيث اخذ يناقش قضية عالمية وخصوصية القيم والثقافة الديمقراطية وما اذا كان من الممكن تصديرها وفيها اظهر اعتقاده الصريح غير الحيادي طبعا بامكانية ان تلعب الولايات المتحدة دورا مهما في نشر الفهم الغربي لحقوق الانسان من خلال الدبلوماسية الهادئة والمساعدات وحتى من خلال العمل العسكري ان لزم الامر. الاسلام: العدو (القديم) الجديد للغرب! يبدو ان زوال خطر الشيوعية قد جعل الدول الرأسمالية تبحث عن عدو جديد يهدد او انه قد يهدد مصالحها وامام غموض هوية العدو المحتمل برز الاسلام بالنسبة لها كعدو قديم لكنه الوحيد الذي يملك مقومات زعزعة الهيمنة الغربية بمفاهيمها على العالم بعد انتهاء الحرب الباردة. من هنا تزايد حرص الدول الليبرالية الغربية على بث افكار (الرعب من الاسلام) Islamophobia التي تقدم الاسلام على انه خطر يهدد مصالح الغرب والسلام العالمي عموما, ومحاولة ربط الاسلام بالتطرف والقتل والتخريب وتصوير عدوانية الفرد المسلم, والتركيز على قضية المرأة التي حُرمت على حد زعمهم, من معظم حقوقها ناهيك عن تلك النظرة التي تحمل تجاهلا للحقائق الموضوعية بتجنيها على طبيعة نظام الحكم في الاسلام واعتباره نموذجا صرفا لتمركز السلطة وقمع الرأي الآخر. واقاويل اخرى لا نجد معها حاجة للقول بانها تحمل تجاهلا واضحا لحقائق التاريخ. ولعل من المفيد في هذا الصدد الاشارة الى انه منذ انتهاء الحرب الباردة ظهرت هناك نظريتان اخذتا قدرا من الشهرة: الاولى لفرانسيس فوكوياما وجاءت اعلانا لنهاية التاريخ كما اشرنا عند سيادة المفاهيم الغربية في الديمقراطية واقتصاد السوق على العالم اجمع والثانية لصموئيل هانتنجتون S.Huntington وجاءت انذارا للغرب بأن عهد ما بعد الحرب الباردة قد فتح المجال امام مستقبل لن يكون الغرب وحده فيه السيد الاوحد. وعلى رغم اختلاف النظريتين في الرؤية, كما نلاحظ, فان كلا منهما قد اشتركت في الاتفاق على استعداء الاسلام العدو القديم الجديد واعتباره نقيضا للقيم الحضارية التي جاء بها الغرب في الديمقراطية وحقوق الانسان ويسير في اتجاه تعميمها على العالم: فبالنسبة الى فوكوياما: نجد انه يعتبر منطقة الشرق الاوسط على درجة كبيرة من الخصوصية فيما يتعلق بالشأن الديمقراطي وهذا بدوره عائد الى الاسلام الذي تدين به هذه المنطقة في معظمها وما يتصف به من شمولية بالتالي فان توجه بعض الدول الاسلامية في هذه المنطقة نحو تبني النموذج الغربي في الديمقراطية انما يأتي في نظره نتيجة حتمية لهذه الصفة ولذلك فانه لا يستغرب مطلقا ان تنزح تركيا مثلا عن تراثها الاسلامي سعيا وراء العلمانية والديمقراطية. وبالنسبة الى هانتنجتون فان رؤياه المستقبلية عن تعدد القوى التي يمكن ان تسود العالم لم تكن لتعني التسليم بمنطق تعدد النماذج الضامنة لحقوق الانسان بل جاءت اعلانا عن حتمية الصراع القادم الذي سيكون على حد زعمه بين الحضارات الغربية من جهة والحضارتان الاسلامية والصينية من جهة اخرى ولا سيما ان هاتين الاخيرتين تملكان مقومات كسر الهيمنة الغربية حضاريا فطبقا لرأيه فان كون البروتستانتية والكاثوليكية والى حد ما الكنفوشيوسية قد صنفت في وقت من الاوقات بانها معادية للديمقراطية ثم اثبتت جميعها قدرتها على الاتجاه نحو الديمقراطية في النهاية, يجعل من غير المحتمل ان يشكل الاسلام او حتى الاصولية الاسلامية عائقا لا يمكن ان تتخطاه العملية الديمقراطية في الشرق الاوسط. ولذلك فاننا نجده يختتم مقالته عن صراع الحضارات بعدد من التوصيات ابرزها ان تسعى الدول الغربية نحو احباط اي تحالف او تعاون قد ينشأ بين الدول الاسلامية والصين بل ومحاولة استغلال اي خلاف ينشأ بينهما. وعلى الرغم من رفض منطق صراع الحضارات حتى من قبل العديد من الكتاب الغربيين فان عددا معتبرا يميل نحو التسليم بمثل هذه المخاوف لكن انطلاقا من اعتبارات اقل سفورا ولا سيما المقربون منهم من مراكز صنع القرار, ومنم مورافشيك في مؤلفه عن حتمية الزعامة الامريكية الذي سبقت الاشارة اليه عندما ذهب الى ضرورة ان يحتل كل من الصين والعالم الاسلامي حيزا خاصا من التفكير الاستراتيجي الامريكي واشار في هذا الخصوص الى ان دخول التيارات الاسلامية معترك السلطة في تلك الدول سوف يشكل خطرا كبيرا على المصالح الامريكية. خاتمة اذا كان محمد عابد الجابري قد نظر الى العولمة على انها اكثر من مجرد آلية من آليات التطور التلقائي للنظام الرأسمالي وانها تمثل بالدرجة الاولى دعوة الى تبني نموذج معين, فان ذلك حال التعاطي مع حقوق الانسان بعد انتهاء الحرب الباردة بحيث بات يسير على الصعيد الفكري كما لاحظنا في اتجاه فرض المرجعية الحضارية (الامريكية) الغربية على خطاب حقوق الانسان ومحاولة تعميمه على العالم باسره مستخدما في ذلك شتى الوسائل بما فيها التجني والتشكيك في قدرة الاسس المفاهيمية الاسلامية على خلق توازن لا تضيع معه حقوق الافراد وحرياتهم ومما تجدر الاشارة اليه هو ان هذا الاتجاه الفكري السائر في طريق العمل من اجل التفوق الغربي واظهار مفاهيمه على العالم, هو مما يستفيد من جهود حتى بعض النخب الوطنية في العالم الثالث المتخرجة في جامعات الغرب والمؤمنة تبعا لذلك بمرجعياته على الاخص في مضمار الديمقراطية ونهج حقوق الانسان كسبيل قويم لخلاص مجتمعاتها من التخلف والتبعية. لكن من الملاحظ في الوقت نفسه ان الواقع التطبيقي الراهن الذي تهيمن عليه كما نعلم المصالح الرأسمالية قد اربك كثيرا حظوظ الطموح الغربي في هذا الاتجاه لانه فتح المجال واسعا امام فرص الخروج على التقاليد الغربية سياسا وهذا ما تجلى بوضوح في حالة برامج التثبيت والتكييف الهيكلي التي تصوغها نخب غربية وتشرف عليها بيروقراطيات غربية او مستغربة بفكرها الاقتصادي فحققت الكثير من المكاسب الاقتصادية بالنسبة للدول الغربية المهيمنة على كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبخاصة فيما فتحته من فرص امام شركاتها العملاقة لكن الاضطلاع بتلك البرامج قد اضفى في معظم الاحيان على الدول الذي اذعنت لاشتراطاتها طابع السلطوية كما اثبتت ذلك التجارب بحيث ان اغفال البعد الاجتماعي في تلك البرامج قد دفع بافراد تلك الدول الى الانفجار اليائس من مثل ذلك الذي شهدته اندونيسيا مؤخرا وشهدته من قبلها دول اخرى في العالم الثالث, والذي يجابه غالبا بالقمع والتنكيل واستصدار التشريعات المقيدة للحريات العامة فينتهي الامر بالفرد الى ان يجد نفسه محاصرا بين سلطوية الدول ودكتاتورية السوق. من هنا نستطيع القول بأن سبيل عولمة الفهم الغربي لحقوق الانسان هو مما يواجه عقبة التناقضات في النهج الغربي ذاته ذلك ان غياب الديمقراطية وحقوق الانسان هو الاطار الضروري لتطبيق تلك الليبرالية الاقتصادية الجديدة التي لم تفسح كثيرا في المجال لا امام الفهم الغربي لحقوق الانسان ولا اي مرجعية اخرى في هذا الصدد غير التحكم مما يجعلنا نتساءل في ظل ذلك كله: ما العمل؟ وفي اعتقادنا قد يبدو ان تحقيق الالتزام القانوني الحقيقي بصكوك حقوق الانسان من شأنه ان يجعل من السلوك الغربي بعيدا عن خطاب الهيمنة والتحريك الانتقائي لانتهاكات حقوق الانسان في الدول الاخرى. على ان تحقق ذلك منوط بتوافر عنصر الجزاء الذي يتطلب استحداث نظام حيادي للتدابير الردعية لاستخدامه ضد الانظمة التي تنتهك حقوق الانسان دون تمييز. وعلى رغم صعوبة تحقق مثل هذا النظام الحيادي المنشود فانه وان تحقق فلن يكون منصفا بحق الدول الفقيرة ولا سيما من الاشد فقرا التي لا تسعفها مواردها الذاتية للنهوض حتى بالحد الادنى من حقوق مواطنيها, وهذا ما يعود بنا من جديد الى طرح واقع عدم المساواة التنموية بين الدول بوصفه المعضلة الاكبر التي يواجهها الخطاب العالمي لحقوق الانسان حتى يدخل بصورة فعلية حيز النفاذ. ومتى علمنا ان الدول الغربية ترفض اي تعديل في واقع العلاقات الاقتصادية الدولية لا يأخذ في اولوياته ضمان تفوقها فان ذلك يجعلنا نقول وحتى اشعار آخر بأن شمس العولمة لا تسطع الا فوق سماء الاغنياء. باحث في شؤون التنمية وحقوق الانسان - الأردن*