اليوم الجمعة 21 اغسطس ,98اقرأ صحف فرنسا الكبرى الصادرة هذا الصباح وأعجب لعناوينها الرئيسية المتشابهة, كأنها اتفقت على توحيد(المانشيت)وتوحيد الاتجاه وتوجيه الرأي العام الفرنسي والاوروبي , والعبارة التي نجدها في اغلب هذه الصحف هي (الحروب الصليبية, كاتب افتتاحية (لوفيجارو) جورج سوفير يقول: (ان امريكا تقود العالم الغربي والمسيحي في حرب صليبية جديدة ضد (التطرف) اما عضو البرلمان اليميني (الن جريوتراي) فيكتب في نفس عدد الجمعة من (لوفيجارو) قائلا: (يجب ان نحدد عدونا الجديد بعد انهيار الشيوعية, وهذا العدو وهو الاسلام الذي يفرض علينا حربا صليبية) ويمضي جريوتراي يشوه آيات القرآن فيستنطقها بغير ماهو مقصود, اما صحيفة (ليبراسيون) فتعلن هي الاخرى ان حربا صليبية يجب ان تعلن! وكذلك صحيفة (فرانس اواست) بالطبع يفهم القارئ الكريم ان هذه التعليقات السريعة جاءت في أعقاب ضرب مصنع الشفاء السوداني وبعض المواقع الافغانية, لكن الموقف الرسمي الفرنسي جاء حذرا واختلف عن حماس توني بلير وهلموت كول, فقد أكد الوزير الاول الفرنسي (ليونيل جوسبان) ان كل رد فعل يجب ان يحتمي بالشرعية الدولية... اما وزير الداخلية السياسي المعروف بمواقفه المتميزة (بيار شفانمون) فقد طالب بالادلة والبراهين التي تثبت ان مصنع الشفاء للادوية وهو مصنع للاسلحة الكيماوية وان المواقع الافغانية المقصوفة بالصواريخ مواقع لتدريب (الارهابيين) اما الشارع الفرنسي في عمومه فهو منقسم الى مجتمع مستهلك لتوجيهات اعلامه, أي يكتفي بما يقال له من ان امريكا ردت الفعل بضرب (الارهاب الاسلامي!) والى مجتمع يشك في صحة الزعم الامريكي ويوعز هذه الضربات الى ارادة كلينتون الشخصية للتغطية السريعة على الفضائح الجنسية المعروفة. وهكذا فان الرأي العام الفرنسي كما نعلم بفضل تعدد مصادر الاعلام والتعددية الحزبية يظل حريصا على تميز قراءاته للاحداث, وهو ــ مثل قادته السياسيين والفكريين ــ لا يكتفي بالقوالب الجاهزة رغم النزعات اليمينية العنصرية المؤثرة, بالاضافة الى ان العلاقات الفرنسية العربية والاسلامية اعمق واعرق من أي علاقات غربية اخرى ففي نفس الاسبوع توثقت الصلات مع ايران بفضل زيارة وزير الخارجية الفرنسي الى طهران فالسياسة الفرنسية ــ الرسمية والشعبية ــ تبقى متمسكة باستقلال الموقف الفرنسي عن الموقف الامريكي. اليد الاسرائيلية صدرت صحيفة (هاآرتس) الاسرائيلية امس تحمل اعتراف الدولة العبرية بأنها هي التي امدت الحكومة الامريكية بالمعلومات التي كانت اساس للضربات الصاروخية العشوائية على السودان وافغانستان, والحقيقة ان الملاحظين هنا في اوروبا لم يكونوا ينتظرون اعتراف اسرائيل بذلك بل ان اغلب الصحف والدوائر السياسية تعلم حق العلم ان اسرائيل تقف وراء تحريك (جلفر) العملاق الامريكي لتضرب بيده وتركل بقدمه. وقد كان واضحا لدى الرأي العام الاوروبي الواعي والمطلع ان دك مصنع الشفاء السوداني سيحرم شعب السودان في مرحلة الازمات والجفاف من نصف كميات الادوية والمضادات الحيوية والضمائد اللازمة لعلاج المواطنين واسعاف المرضى والحد من الكوارث. تلك كانت غاية اسرائيل الحقيقية لأن مصنع الاسلحة الكيميائية والبيولوجية الحقيقي يوجد في اسرائيل وانفجر منذ ثلاثة اسابيع ومات اربعة ضباط (مهندسين) اسرائيليين وجرح عشرون وكادت تقع كارثة شبيهة بكارثة (تشرنوبيل) الروسية. وعوض التصدي لهذه الحقيقة آثرت واشنطن التستر عليها والهاء العالم بمصنع وهمي في الخرطوم, اما الملاحظة الحصيفة الاخرى فجاءت على صفحات جريدة (لوباريزيان) التي كتبت اليوم تقول: (هل تكون اسرائيل هي التي ورطت الرئيس كلينتون بقضية (مونيكا ليونسكي) ثم هي نفسها التي ارادت انقاذه منها بتوريط امريكا كلها في ضرب السودان وافغانستان؟... وبذلك تريد اسرائيل ان تكون الداء والدواء في نفس الوقت وان تثبت للمواطن الامريكي الناخب أنها أقوى عنصر داخلي وخارجي في تحديد وتوجيه السياسة الامريكية) . ويعتقد كثير من الملاحظين الفرنسيين ان هذه اللعبة الخطيرة والمكشوفة سوف تساهم في فتح عيون جانب كبير من الامريكين حين يكتشفون ان مصنع الشفاء قطاع خاص لا ينتج الا الدواء وان المواقع الافغانية لاتضم الا عائلات افغانية عادية وان مفهوم الارهاب مفهوم معقد ولا يمكن حل معضلاته بالعنف بل باعادة النظر الكاملة الجريئة في اسس العلاقات الدولية وانحياز واشنطن الى اسرائيل العدوانية ومساعدة الشعوب على صنع مستقبلها وتقرير مصيرها في كل مكان ورفع منزلة الانسان وحقوقه كما اراده الله خليفة له في الارض كرمه ونعمه واطعمه من جوع وآمنه من خوف.