نعلم أن مفهوم العولمة هو مما ينطوي على تجليات اقتصادية قد تكون استأثرت إلى حد ما باهتمام الباحثين والخبراء, لكن ذلك لا يعني اقتصاره عيها, فثمة تجليات أخرى سياسية وثقافية واتصالية ترتبط بهذا المفهوم , وتشكل في مجملها محتواه, وقد لوحظ أن الجوانب السابقة على اختلافها تشترك في ذلك التأثير الذي تحدثه في خطاب حقوق الانسان ووضعيته على المستوى التطبيقي. وسنحاول من خلال هذه المقالة الموجزة إلقاء الضوء على البعد السياسي للعولمة الذي من تجلياته سقوط الشمولية والسلطوية, والاتجاه نحو الديمقراطية واحترام حقوق الانسان, ولا سيما انه يطرح أسئلة كثيرة للنقاش من أبرزها: هل تعني عولمة حقوق الانسان أن يشيع في العالم احترام كافة الصكوك الدولية لحقوق الانسان الفردية منها والجماعية دون تمييز أو مفاضلة, وأن يستفيد العالم من منجزات التطور التقاني (التكنولوجي) في نشر الأفكار الرامية الى احداث نوع من التقارب بين البشر محوره كرامة الانسان الذي لن يصبح في معزل عن أخيه الانسان وآلامه في شتى بقاع الأرض؟ أم أنها تعني الفرض الانفرادي لفهم يستند الى مرجعية تخص حضارة معينة, باعتباره المفهوم الأسمى لحقوق الإنسان الذي ينبغي أن يسود العالم؟ في الواقع لقد ورد في مقالة حديثة لمحمد عابد الجابري اشارة لتفرقة على درجة من الأهمية بين ما أسماه بـ (العالمية) (Universalism) التي تمثل - وفقا لتصوره طموحا نحو الارتقاء بالخصوصية إلى مستوى عالمي, ومن ثم فهي تفتح العالم على ما هو عالمي وكوني, وبين (العولمة) (Globalization) التي تمثل في نظره إرادة الهيمنة, وبالتالي فهي تعني القمع والإقصاء لكل ما هو خصوصي. وبينما اعتبر الأولى (أي العالمية) طموحا مشروعا لأنها تعني الانفتاح على الآخر ورغبة في الأخذ والعطاء اعتبر الثانية إرادة لاختراق الآخر وسلبه خصوصيته. وفي اعتقادنا ان التفرقة التي جاءت بها هذه الاطروحة بين ما هو عالمي وعولمي هي مما ينطبق على واقع التعاطي مع حقوق الانسان منذ مطلع التسعينيات الذي يشهد تسارع الانتقال من المحور الأول المتعلق بالعالمية (أي عالمية حقوق الانسان), إلى المحور الثاني المتعلق بالعولمة, والذي تحاول من خلاله بعض الأوساط الدولية طرح فهمها لصيغة التفاعل مع حقوق الإنسان, وحث المجتمع الدولي على تبنيه باعتباره المفهوم الأصلح والأقدر على البناء, ولعل ذلك مما نلحظ بوادره فعلاً من خلال: - تراجع دورالجدل التقليدي المتمحور حول العالمية بالنسبة لحقوق الإنسان. - اتجاه الأوساط الغربية نحو محاولة تعميم (الفهم الغربي لحقوق الإنسان) مستخدمة في ذلك شتى الوسائل. أولاً: تراجع الجدل التقليدي حول مفهوم ومعايير حقوق الإنسان عقب الحرب الباردة لم تكن التجمعات الدولية أيام الحرب الباردة تحمل الرؤية نفسها في الدعوة لحقوق الانسان وحمايتها أو حتى الاعتراف بها: - فبالنسبة إلى الدول الرأسمالية المتقدمة: نجد أن تبنيها نمط الديمقراطية الليبرالية الغربية المغرقة في تقديس الفرد وحريته - بما اعتبر لديها نتيجة لطبيعته الانسانية لا لوجوده كمواطن داخل دولة - قد جعلها تبدي تعلقا واضحا بحقوق الانسان ذات الطابع الفردي وتحديدا بالحقوق المدنية والسياسية التي ارتبطت باستقلال الولايات المتحدة وظهور مبادئ الثورة الفرنسية, أما فئة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية أو ما يسمى بالجيل الثاني من حقوق الانسان فقد قوبلت برفض وتعنت شديدين لأن ارتباطها التاريخي بانتصار المذهب الماركسي قد جعلها في نظرهم مرتبطة بالشيوعية, وكان التبرير الذي يسوقه بعضهم لتبرير هذا المنحى الايديولوجي هو ان: نوعية المكن التي ينطبق عليها وصف الحق انما هي تلك التي تتسم بطابع سلبي, بحيث ان اعمالها لا يستلزم أكثر من امتناع السلطة عن الإتيان بكل ما من شأنه أن يمثل تقييدا لها, وهذا ما ينطبق لديهم بوضوح على الحقوق المدنية والسياسية, كالحق في الحياة, وعدم الخضوع للتعذيب, وحق الانتخاب .. إلخ, أما فئة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, كالحق في العمل, والحق في التعليم والصحة, والحق في الضمان الاجتماعي .. إلخ, فهي مما يخرج عن هذا النطاق لأنها تستلزم تدخلا من جانب الدولة لكفالتها, هذا فضلا عن كون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ستصبح بلا معنى ما لم يسبقها الإعمال التام للحقوق المدنية والسياسية, على اعتبار انه لا قيمة لحق العمل أو التعليم إذا كانت حرية المواطن أو حياته عرضة للتهديد. - وبالنسبة إلى الدول الاشتراكية: فهذه نجد أن تبنيها لنمط الديمقراطية الاشتراكية التي تجعل حقوق الانسان من حق من يعمل وينتج فقط في المجتمع الاشتراكي, فقد أبدت تعلقاً واضحا بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع تجاهل لافت للحقوق المدنية والسياسية التي اعتبرت لديهم حقوقا شكلية ما لم يسبقها الإعمال التام لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية, وخلافا للدول الرأسمالية الغربية التي ترى أن الدولة العدو الأول للحرية, فقد اعتبر تدخلها حيويا لدى الدول الاشتراكية ليس فقط في الدفاع عن الحقوق والحريات, بل ايضا في انتاجها, فتحقيق الحرية في المذهب الماركسي لا يتأثر إلا من خلال الجماعة أو طبقة البروليتاريا التي تعمل على التخلص من قيود الطبقة المستغلة. وهكذا فقد اتجه الفريقان انطلاقا من هذا الخلاف الأيديولوجي نحو استخدام حقوق الإنسان في الصراع الذي كان دائرا بينهما, فكانت الدول الرأسمالية تحرص على إبراز انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية في الدول الاشتراكية, وكانت هذه الأخيرة تحرص على إبراز انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في الدول الرأسمالية, واستمر الأمر على هذا المنوال إلى ان كان انهيار المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي, ومنذ ذلك الحين لم يعد لمقولة الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب أي معنى, وهذا ما انعكس ايجابا على خطاب حقوق الانسان وعالميته, بحيث بات يسود الاعتقاد لدى غالبية الدول ان العالمية ينبغي أن تبقى لصيقة بحقوق الانسان لأنها صفة أصيلة فيها, فتضاءلت تبعا لذلك استعمالات التعابير التي توحي بمعنى التعاقب أو حلول فئة من حقوق الإنسان محل الأخرى, فكما ان للإنسان حقوق مدنية وسياسية فإن له - وبالدرجة نفسها - حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية. ومن دلائل هذا التحول ان الولايات المتحدة قد اتجهت منذ عام 1992 نحو المصادقة رسميا على الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (وهي التي كانت قد أصدرت بيانا عام 1986 استبعدت فيه هذه الفئة من حقوق الانسان من قائمة الحقوق التي تحظى باعتراف الحكومة الأمريكية, ومن نشرتها عن حقوق الانسان في الدول النامية, وأمرت ممثليها الدبلوماسيين والقنصليين في الخارج بحذف هذا الجزء من تقاريرهم السنوية عن البلاد التي يوجدون فيها, مبررة ذلك بأنها تعتبر مثل هذه الحقوق طموحات أكثر منها التزامات, ولهذا فهي ينبغي ألا تدخل في نطاق الحقوق المعترف بها دوليا (Internationally Recongnized Human Rights) كما نستطيع أن نلمس هذا التحول من المسار الذي اتخذه المؤتمرالعالمي لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا عام 1993 والذي حضره ممثلون عن 172 دولة, إلى جانب مراقبين عن 95 منظمة أو هيئة أو مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان وعن 840 منظمة غير حكومية. فلقد عكس الحوار والجدل الذي كان دائرا في ذلك المؤتمر طبيعة التغير الذي طرأ في هذا المسار, بحيث توارى ذلك الجدل التقليدي حول مدى أسبقية حقوق الشعوب على حقوق الإنسان, أو حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية على الحقوق المدنية والسياسية, وظهر اتجاه غالب يؤكد على عالمية حقوق الإنسان الأساسية, وأن هناك حدا أدنى مشتركا من الحقوق يتعين على كل النظم السياسية والقيمية والحضارية أن توفرها للإنسان الذي ينبغي أن يكون موضوعها الرئيسي والمستفيد الأساسي من حمايتها, كما اعترف المؤتمر بالحق في التنمية The Right to Development واعتبره حقا عالميا غير قابل للتصرف وهو الذي كان محلا لرفض الدول الغربية التي اعتبرته محاولة لنزع الطابع التحرري عن القواعد المستقرة في القانون الدولي العام واعطائها نزعة تدخلية تأخذ في حسبانها مصلحة زمرة معينة من الدول دون الدول الاخرى وخلصت من ذلك الى انه حيلة عالمثالثية للحصول على مزيد من المساعدات التي تؤول في الغالب لمصلحة الانظمة الحاكمة او لمحاولة تغييب الانظار عن الانتهاكات التي تتعرض لها الحقوق المدنية والسياسية في تلك الدول التي تعج بالانظمة الدكتاتورية. ثانيا: محاولات عولمة الفهم الغربي لحقوق الانسان اذا كنا قد انتهينا الى ان مسألة العالمية في حقوق الانسان قد اصبحت امرا لا يثير كثيرا من الجدل في عصر ما بعد الحرب الباردة فان ما نلمسه اليوم هو اتجاه المعسكر المنتصر بزعامة الولايات المتحدة نحو محاولة فرض فهمه الخاص لحقوق الانسان والديمقراطية على المجتمع الدولي باعتباره المفهوم الاصلح والاقدر على البناء. لقد كان وجود النموذج الماركسي اللينيني للديمقراطية هو الحجة الاقوى في نظر الكثيرين على عدم اعتبار النموذج الليبرالي الغربي النموذج الوحيد الذي يصلح لأن يسود شتى تطبيقات الانظمة في العالم, اما وقد انهار المعسكر الاشتراكي فلم يعد لفكرة تعدد النماذج الديمقراطية اي معنى, وهكذا فقد سار الغرب في اتجاه عولمة فهمه الخاص للديمقراطية وحقوق الانسان تحت شعار يعتبرها تراثا مشتركا للانسانية جمعاء لا تراث حضارة بعينها, مخفيا وراء ذلك حقيقة انه يعكس نتائج تغير موازين القوى وارادة الهيمنة وبعبارة اخرى حكم الغالب على المغلوب, ولعل فرانسيس فوكوياما F. Fukuyama لم يكن ليجرؤ ان يبشر الغرب بأن نهاية التاريخ ستكون عند سيادة القيم الغربية في الديمقراطية واقتصاد السوق لولا انهيار الاتحاد السوفييتي لانه عند تأملنا ببساطة في حقيقة القيم التي يسعى الى عولمتها من الناحية العملية فسنجد انفسنا امام خطاب يفضي الى تحقق رأسمالية حقوق الانسان في ظل واقع الاختلال الاقتصادي الدولي القائم, لأن التركيز ينصب على الفئة الفردية (الحقوق المدنية والسياسية) دون التنكر لفئة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كما كانت عليه الحال في السابق لكن بطبيعة الحال يكال امرها لآلية السوق وهذا ما يبحث عنه الفاعلون في تيار عولمة الاقتصاد الرأسمالي العالمي لانه سيضمن لهم بقاء الدولة التي اعتبر تدخلها ضروريا في حالة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعيدة عن هذا المجال, وسيضمن لهم امن وسلامة مصالحهم التي ستكون في رأي الكثيرين مكفولة في ظل الانظمة التي تحترم الحقوق السياسية! وفي هذا الصدد يشير بعض الباحثين الى منحى الولايات المتحدة (الطرف الرئيسي والرائد في خط العولمة) فمنذ انتهاء الحرب الباردة والاتجاه يسير نحو النظر الى حقوق الانسان كمصلحة قومية امريكية تتمثل في المقام الاول بنشر المفاهيم المرتبطة بحقوق الانسان في الفكر الرأسمالي على اعتبار ان التحرر الفكري يواكبه تحرر اقتصادي وهو ما يعني اقتصادا مفتوحا (امام الشركات الامريكية) وزيادة الاعتماد الدولي المتبادل على النحو الذي لا يمكن دولة في المستقبل من الانعزال وبالتالي حرمان باقي الدول الاخرى من مواردها وثرواتها الطبيعية. وقد لوحظ ان عددا من الكتابات قد جاء في حقبة التسعينيات متضمنا دعوة صريحة لكي تتبنى الولايات المتحدة هدف نشر الرؤية الغربية لحقوق الانسان في العالم, ومن ذلك ما تضمنته احد المؤلفات الحديثة لـ جوشوا مورافشيك Joshua Muravchik وهو احد ابرز باحثي السياسة الخارجية الامريكية المعبرين بدقة عن احد روافد التيار اليميني المعروف حاليا باسم التيار المحافظ الجديد Neoconservatismحيث اخذ يناقش قضية عالمية وخصوصية القيم والثقافة الديمقراطية وما اذا كان من الممكن تصديرها وفيها اظهر اعتقاده الصريح غير الحيادي طبعا بامكانية ان تلعب الولايات المتحدة دورا مهما في نشر الفهم الغربي لحقوق الانسان من خلال الدبلوماسية الهادئة والمساعدات وحتى من خلال العمل العسكري ان لزم الامر. الاسلام: العدو (القديم) الجديد للغرب! يبدو ان زوال خطر الشيوعية قد جعل الدول الرأسمالية تبحث عن عدو جديد يهدد او انه قد يهدد مصالحها وامام غموض هوية العدو المحتمل برز الاسلام بالنسبة لها كعدو قديم لكنه الوحيد الذي يملك مقومات زعزعة الهيمنة الغربية بمفاهيمها على العالم بعد انتهاء الحرب الباردة. من هنا تزايد حرص الدول الليبرالية الغربية على بث افكار (الرعب من الاسلام) Islamophobia التي تقدم الاسلام على انه خطر يهدد مصالح الغرب والسلام العالمي عموما, ومحاولة ربط الاسلام بالتطرف والقتل والتخريب وتصوير عدوانية الفرد المسلم, والتركيز على قضية المرأة التي حُرمت على حد زعمهم, من معظم حقوقها ناهيك عن تلك النظرة التي تحمل تجاهلا للحقائق الموضوعية بتجنيها على طبيعة نظام الحكم في الاسلام واعتباره نموذجا صرفا لتمركز السلطة وقمع الرأي الآخر. واقاويل اخرى لا نجد معها حاجة للقول بانها تحمل تجاهلا واضحا لحقائق التاريخ. ولعل من المفيد في هذا الصدد الاشارة الى انه منذ انتهاء الحرب الباردة ظهرت هناك نظريتان اخذتا قدرا من الشهرة: الاولى لفرانسيس فوكوياما وجاءت اعلانا لنهاية التاريخ كما اشرنا عند سيادة المفاهيم الغربية في الديمقراطية واقتصاد السوق على العالم اجمع والثانية لصموئيل هانتنجتون S.Huntington وجاءت انذارا للغرب بأن عهد ما بعد الحرب الباردة قد فتح المجال امام مستقبل لن يكون الغرب وحده فيه السيد الاوحد. وعلى رغم اختلاف النظريتين في الرؤية, كما نلاحظ, فان كلا منهما قد اشتركت في الاتفاق على استعداء الاسلام العدو القديم الجديد واعتباره نقيضا للقيم الحضارية التي جاء بها الغرب في الديمقراطية وحقوق الانسان ويسير في اتجاه تعميمها على العالم: فبالنسبة الى فوكوياما: نجد انه يعتبر منطقة الشرق الاوسط على درجة كبيرة من الخصوصية فيما يتعلق بالشأن الديمقراطي وهذا بدوره عائد الى الاسلام الذي تدين به هذه المنطقة في معظمها وما يتصف به من شمولية بالتالي فان توجه بعض الدول الاسلامية في هذه المنطقة نحو تبني النموذج الغربي في الديمقراطية انما يأتي في نظره نتيجة حتمية لهذه الصفة ولذلك فانه لا يستغرب مطلقا ان تنزح تركيا مثلا عن تراثها الاسلامي سعيا وراء العلمانية والديمقراطية. وبالنسبة الى هانتنجتون فان رؤياه المستقبلية عن تعدد القوى التي يمكن ان تسود العالم لم تكن لتعني التسليم بمنطق تعدد النماذج الضامنة لحقوق الانسان بل جاءت اعلانا عن حتمية الصراع القادم الذي سيكون على حد زعمه بين الحضارات الغربية من جهة والحضارتان الاسلامية والصينية من جهة اخرى ولا سيما ان هاتين الاخيرتين تملكان مقومات كسر الهيمنة الغربية حضاريا فطبقا لرأيه فان كون البروتستانتية والكاثوليكية والى حد ما الكنفوشيوسية قد صنفت في وقت من الاوقات بانها معادية للديمقراطية ثم اثبتت جميعها قدرتها على الاتجاه نحو الديمقراطية في النهاية, يجعل من غير المحتمل ان يشكل الاسلام او حتى الاصولية الاسلامية عائقا لا يمكن ان تتخطاه العملية الديمقراطية في الشرق الاوسط. ولذلك فاننا نجده يختتم مقالته عن صراع الحضارات بعدد من التوصيات ابرزها ان تسعى الدول الغربية نحو احباط اي تحالف او تعاون قد ينشأ بين الدول الاسلامية والصين بل ومحاولة استغلال اي خلاف ينشأ بينهما. وعلى الرغم من رفض منطق صراع الحضارات حتى من قبل العديد من الكتاب الغربيين فان عددا معتبرا يميل نحو التسليم بمثل هذه المخاوف لكن انطلاقا من اعتبارات اقل سفورا ولا سيما المقربون منهم من مراكز صنع القرار, ومنم مورافشيك في مؤلفه عن حتمية الزعامة الامريكية الذي سبقت الاشارة اليه عندما ذهب الى ضرورة ان يحتل كل من الصين والعالم الاسلامي حيزا خاصا من التفكير الاستراتيجي الامريكي واشار في هذا الخصوص الى ان دخول التيارات الاسلامية معترك السلطة في تلك الدول سوف يشكل خطرا كبيرا على المصالح الامريكية. خاتمة اذا كان محمد عابد الجابري قد نظر الى العولمة على انها اكثر من مجرد آلية من آليات التطور التلقائي للنظام الرأسمالي وانها تمثل بالدرجة الاولى دعوة الى تبني نموذج معين, فان ذلك حال التعاطي مع حقوق الانسان بعد انتهاء الحرب الباردة بحيث بات يسير على الصعيد الفكري كما لاحظنا في اتجاه فرض المرجعية الحضارية (الامريكية) الغربية على خطاب حقوق الانسان ومحاولة تعميمه على العالم باسره مستخدما في ذلك شتى الوسائل بما فيها التجني والتشكيك في قدرة الاسس المفاهيمية الاسلامية على خلق توازن لا تضيع معه حقوق الافراد وحرياتهم ومما تجدر الاشارة اليه هو ان هذا الاتجاه الفكري السائر في طريق العمل من اجل التفوق الغربي واظهار مفاهيمه على العالم, هو مما يستفيد من جهود حتى بعض النخب الوطنية في العالم الثالث المتخرجة في جامعات الغرب والمؤمنة تبعا لذلك بمرجعياته على الاخص في مضمار الديمقراطية ونهج حقوق الانسان كسبيل قويم لخلاص مجتمعاتها من التخلف والتبعية. لكن من الملاحظ في الوقت نفسه ان الواقع التطبيقي الراهن الذي تهيمن عليه كما نعلم المصالح الرأسمالية قد اربك كثيرا حظوظ الطموح الغربي في هذا الاتجاه لانه فتح المجال واسعا امام فرص الخروج على التقاليد الغربية سياسا وهذا ما تجلى بوضوح في حالة برامج التثبيت والتكييف الهيكلي التي تصوغها نخب غربية وتشرف عليها بيروقراطيات غربية او مستغربة بفكرها الاقتصادي فحققت الكثير من المكاسب الاقتصادية بالنسبة للدول الغربية المهيمنة على كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبخاصة فيما فتحته من فرص امام شركاتها العملاقة لكن الاضطلاع بتلك البرامج قد اضفى في معظم الاحيان على الدول الذي اذعنت لاشتراطاتها طابع السلطوية كما اثبتت ذلك التجارب بحيث ان اغفال البعد الاجتماعي في تلك البرامج قد دفع بافراد تلك الدول الى الانفجار اليائس من مثل ذلك الذي شهدته اندونيسيا مؤخرا وشهدته من قبلها دول اخرى في العالم الثالث, والذي يجابه غالبا بالقمع والتنكيل واستصدار التشريعات المقيدة للحريات العامة فينتهي الامر بالفرد الى ان يجد نفسه محاصرا بين سلطوية الدول ودكتاتورية السوق. من هنا نستطيع القول بأن سبيل عولمة الفهم الغربي لحقوق الانسان هو مما يواجه عقبة التناقضات في النهج الغربي ذاته ذلك ان غياب الديمقراطية وحقوق الانسان هو الاطار الضروري لتطبيق تلك الليبرالية الاقتصادية الجديدة التي لم تفسح كثيرا في المجال لا امام الفهم الغربي لحقوق الانسان ولا اي مرجعية اخرى في هذا الصدد غير التحكم مما يجعلنا نتساءل في ظل ذلك كله: ما العمل؟ وفي اعتقادنا قد يبدو ان تحقيق الالتزام القانوني الحقيقي بصكوك حقوق الانسان من شأنه ان يجعل من السلوك الغربي بعيدا عن خطاب الهيمنة والتحريك الانتقائي لانتهاكات حقوق الانسان في الدول الاخرى. على ان تحقق ذلك منوط بتوافر عنصر الجزاء الذي يتطلب استحداث نظام حيادي للتدابير الردعية لاستخدامه ضد الانظمة التي تنتهك حقوق الانسان دون تمييز. وعلى رغم صعوبة تحقق مثل هذا النظام الحيادي المنشود فانه وان تحقق فلن يكون منصفا بحق الدول الفقيرة ولا سيما من الاشد فقرا التي لا تسعفها مواردها الذاتية للنهوض حتى بالحد الادنى من حقوق مواطنيها, وهذا ما يعود بنا من جديد الى طرح واقع عدم المساواة التنموية بين الدول بوصفه المعضلة الاكبر التي يواجهها الخطاب العالمي لحقوق الانسان حتى يدخل بصورة فعلية حيز النفاذ. ومتى علمنا ان الدول الغربية ترفض اي تعديل في واقع العلاقات الاقتصادية الدولية لا يأخذ في اولوياته ضمان تفوقها فان ذلك يجعلنا نقول وحتى اشعار آخر بأن شمس العولمة لا تسطع الا فوق سماء الاغنياء. باحث في شؤون التنمية وحقوق الانسان - الأردن*