اذن فقد جاهدت المؤسسة الاعلامية وخاصة منذ الربع الاخير من هذا القرن, او فلنقل كانت في طليعة المؤسسات والدعوات المجاهدة من اجل تحقيق التعددية الديمقراطية وتأكيد حرية الصحافة التي تستمد اصولها ـ كما نعرف ـ من الحريات الاساسية للانسان وفي مقدمتها حرية الرأي وحرية الاعتقاد وحرية التعبير وقد كفلتها جميعا صكوك دولية اصبحت بالغة الحجية في مقدمتها الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الدولي للحقوق السياسية وصنوه العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية) . ولقد صدر الاعلان في اواخر الاربعينات ثم صدر العهدان الدوليان في مقتبل الستينات واصبحت جميع الدول اطرافا فيهما وكادت جميع الدول تصبح ايضا اطرافا في البروتوكولات التنفيذية المرفقة بكل منهما. للمكاسب ثمنها ايضا ونحسب ــ كما أوضحنا في حديث سبق ــ ان وصول الصحافة الى بر الديمقراطية ومن ثم انفتاح السبيل الى حرية الصحفي ــ الاعلامي في ممارسة مهنته او رسالته تجاه قارئيه أو مستمعيه أو مشاهديه, تحسب ان هذه المكاسب لها وجهها الآخر وهو وجه التحديات التي تنطوي عليها والواجبات التي تطالب بها والمسؤوليات التي تترتب عنها. زمان, كانت النظم الشمولية تجعل الصحفي يستند في مصادره إلى اصحاب الفخامة أو اصحاب الدولة أو السيادة أو المعالي من مسؤولين واشباه مسؤولين عبر تنوع طبقات هرم التسلسل القيادي في عالم الحكم ودنيا السياسة. الان, وفي ظل التحولات الديمقراطية اصبح ظهر الصحفي مكشوفا كما قد نقول .. مصادره هي مسؤوليته هو وليس غيره, ولم يعد بوسعه مثلا ان يتمحك في صاحب نفوذ أدلى له بتصريح, ولا ان يتمسح في تعليمات صادرة من فوق, أو يحتج بتوجيهات يبرر بها عدم نهوضه بمسؤوليات المهنة التي ينتسب إليها. وكل جهد صحفي لا يتم في فراغ بل يتم في اطار من الشرعية الدستورية, حيث يحتكم القوم, كمواطنين متساويين اكفاء إلى الاعراف الدستورية السائدة والسارية في مجتمع ما وهي اعراف مكتوبة في مدونة القانون الوضعي من ناحية, اضافة إلى اعراف اخرى غير مكتوبة ولكنها متعارف عليها بوصفها تابعة من منظومة القيم الاجتماعية وأنماط السلوك المقبولة التي تصدر في الاساس عن ثقافة هذا المجتمع شاملة في ذلك قيمه الروحية وتقاليده الحضارية (لا نتحدث طبعا عن صحافة تحت الارض بل الصحافة المتداولة بين الناس) . الفرق بين الصحفي والمؤرخ) لكن الصحفي ليس مؤرخا بمعنى ان المؤرخ قانع بالمادة التاريخية السالفة التي يتعامل معها وهو يتناولها بمنطق التحقيق والتفسير والتحليل واستخلاص الدروس, هي مادة مأخوذة من التحليل الاخير, اما ميلنا الاعلامي فهو مطالب دوما بالجديد (وهذا هو الاصل اللغوي في الانجليزية والفرنسية على الاقل لمصطلح الخبر حيث تضيف الاسبانية ايضا معنى تشتقه من مادة بث الخبر ونشره واذاعته في حين انه في عربيتنا الشريفة يضاف اليه معنى المراس والخبرة الى جانب دلالته المعروفة على معنى الرواية وسرد التاريخ) . وايا كان أمر الخبر وقد نسميه المعلومة فصاحبه - الكاتب أو الإعلامي مطالب بان ينشره محققا من مصدر موثوق, وبريئا من شبهات التحيز أو الغرض أو الأهواء, ومرة أخرى فتلك مطالب وشروط ليست أخلاقية فحسب, ولكنها ايضا من أصول المهنة ومقتضيات السلوك الاجتماعي. والامر هنا لا ينسحب فقط على المادة الخبرية أو المعلوماتية التي تنشر وتذاع عبر وسائط الإعلام المختلفة, لقد بات ينسحب بالتوسع وبالتعمق كذلك على ذلك (النوع) أو الفصيل من الكتب المؤلفة التي يصدق عليها مجددا اسم (كتاب التحقيق الصحفي المدروس) أو مؤلفات (التحريات الصحفية المتعمقة) ولعل معظم الكتب التي اصدرها الاستاذ محمد حسنين هيكل (وآخرها ثلاثية) (المفاوضات السرية) تدخل ضمن هذا الفصيل أو تلك الأجناس الصحفية - الفكرية المستحدثة ومن أشهر الكتب المنتمية إلى هذا الفصيل كتاب (الجانب المظلم من كاميلوت) الذي اصدره الصحفي الامريكي المنشق (سيمور هيرسن) في مطالع العام الحالي (وقد قدمنا له عرضا مسهبا على الصفحات (البيان) الغراء) وفي تناول الكتاب الامريكي, كما هو معروف الجانب غير المعلن أو فلنقل الجانب المعتم من حياة وسلوك الرئيس الامريكي الراحل جون كيندي. بين هيكل وسيمور في معرض المقارنة بين هيكل وهيرسن يستغرق الكاتب العربي في التعويل على كمية ضخمة, والشهادة لله, من المستندات التي يحيل اليها لزوم التوثيق والتعزيز, فيما يتميز الكاتب الأمريكي بانه يحيل إلى عدد ضخم من المصادر البشرية المباشرة مما اضفى على كتابه قدرا لا بأس به من الدينامية والاقتراب من القارئ العادي. وربما تكمن مشكلة الأستاذ هيكل في ان تقاليد البشر المستحدثة في مجالات النشر والتحقيق في العالم العربي لم ترسخ بعد في ساحتنا الفكرية, ولذلك فها هو الكاتب العربي يعتمد على نفسه في اعداد الكتاب وفي عرض وسرد محتوياته, وفي تفسير الوثائق وترتيبها واستنطاق دلالتها (وقد يساعده في تحضير الوثائق أو ترجمتها مساعدو بحث أو حتى دائرة للترجمة) ولكن يظل أمر المؤلف العربي بمثابة مسرحية البطل الواحد, هذا في حين ان الكاتب الأمريكي يخضع كتابه إلى عمليات تجهيز - وقد نقول تصنيع - يشارك فيها أكثر من عنصر مهني متخصص في دور النشر .. وعلى رأس تلك العناصر يأتي المحرر المحترف الذي يعهدون اليه قراءة الكتاب وله ان يعيد الصياغات ويصحح اخطاء اللغة وان يستحدث عناوين وان يراجع المؤلف الأصلي في المادة المطروحة, وفي الوقت نفسه تتم عملية متخصصة بدورها من تحقيق المصادر باستشارة كل من يهمه الأمر فيما يخص محتويات الكتاب. ولقد اصدر الأستاذ هيكل ثلاثيته الأخيرة وهي عمل جاد وموسوعي ومشكور بكل مقياس, ولكن ثمة ثغرات في بعض المعلومات وتضاربات في بعض التواريخ واسقاطات ربما جاءت نتيجة السهو البشري سواء في رصد الحوادث في حينها أو في استرجاعها بعد سنوات من الوقوع. هكذا وجدنا صديقنا الكاتب الفلسطيني عادل صادق ينشر مؤخرا مراجعات لها أهميتها نقدا لكتاب الاستاذ هيكل ويقال ان الاستاذ صادق يوشك ان يصدرها بين دفتي كتاب وكأنها حاشية بالتصحيح على متن هيكل. من ناحية أخرى اختلف الأمر في حالة سيمور هيرسن, لقداصدر كتابه الذي المحت إليه, فأثار عواصف من الانتقاد حول الاتهامات التي ساقها ضد شخصية وسلوك الاخوين كيندي الرئيس جون والمدعي العام الأسبق روبرت وقد أغتيل الاثنان للأسف كما هو معروف. وكم أمعن النقاد وهم لا يرحمون في تبيان ان هيرسن كان يمارس نوعا من التشفي الفكري أو في محاولات اغتيال الشخصية حين تعرض باسهاب, ومن خلال مصادر التقى بها وتابع مساراتها في الحديث عن المغامرات النسائية للرئيس كيندي وعن مخططات تزييف الانتخابات لصالح فوزه في سباق الرئاسة. وعن مؤامرات اغتيال رؤساء الدول التي حيكت تحت اشرافه وعن مغامرته السياسية التي دفعت بأمريكا الى اتون أو مستنقع فيتنام... الخ. وكم وصف النقاد اسلوب هيرسن بأنه كان يقصد الاثارة أو (الفرقعة) وانه ينبو عن البحث التاريخي الموضوعي أو الرصين. فن تحقيق المصادر وقد لا يعنينا في سياقنا هذا ان نحكم في أمر سيمور هيرسن وهو كاتب تحقيقي مرموق, لكن يعنينا ان نشير الى انه ما من ناقد يعتد به استطاع ان ينال من المصادر التي رجع اليها سيمور, ولأن يشكك في مصداقية تلك المصادر الا في حدود النذر اليسير. وفي هذا الصدد قد نسوق شهادة أدلى بها كاتب أمريكي آخر هو (ستيف واينبرج) في مقال نشره مؤخرا عن أخطاء الكتب واغلاط المؤلفين (كولومبيا جورنالزم ريفيو ــ عدد أغسطس 1998) وقال فيه: (ان ناشر الكتاب, دار (ليتل براون) تعتز بأنها ــ أكثر من أي ناشر آخر ــ ترصد من الموارد والامكانات ما يفوق نظراءها من أجل توثيق الحقائق والمصادر التي تستند اليها مادة كتبها المنشورة والذي حدث بالنسبة لكتاب (سيمور هيرسن) هو مايلي: دفعوا بالكتاب الى المحررة المختصة وكان من بين مهامها تمحيص وفرز وتوثيق المعلومات ولها في ذلك ان تثير تساؤلات اذا ما تكشف لها في سياق هذه العملية ان ثمة امورا تستوجب المراجعة والتدقيق. هكذا اثارت المحررة المسؤولة 600 تساؤل تراءت لها خلال مراجعة المخطوط ونظرا لقيود الوقت وخطورة المادة فقد اتخذت دار النشر خطوات اضافية غير مسبوقة فعهدت الى محرر آخر بمشاركة المحررة الرئيسية في مراجعة المخطوط. اما المؤلف سيمور هيرسن فقد استأجر على حسابه الخاص شابا واعدا كان يدرس لتحضير اطروحة الدكتوراة وكلفه بتمحيص الحقائق ومراجعة المصادر.. ووصل الامر الى ان عمد المؤلف ايضا الى عرض فصول معينة من كتابه على نفر من اهل الاختصاص في هذا النوع او ذاك وكان من بينهم مسؤول سابق في المخابرات المركزية الامريكية وفضلا عن هذا كله, فبعد نشر الكتاب حرص مؤلفه في مواضع شتى على ان يعترف لقارئه بانه يتشكك في هذه المعلومة اولا انه غير متأكد تماما من السلامة الكاملة لما يذهب اليه هذا التحليل او ذاك وهو امر زاد من مصداقية المادة التي احتواها ذلك الكتاب. اعتراف من البي. بي. سي ولقد نختم هذا البحث عن مصادر الصحفي ــ الاعلامي) بحكاية هي اقرب الى الاعتراف ادلى بها الكاتب الصحفي البريطاني (فريجال كين) وكان مراسلا لهيئة الاذاعة البريطانية في ايرلندا وافريقيا وآسيا وقد نشرها في احدث الاعداد الصادرة عن دورية الدراسات الاعلامية (ميديا ستديز جورنال) في نيويورك.. على المراسل البريطاني كيف ايقظته من نوم لذيذ مخابرة هاتفية من مساعده في مكتب البي بي سي في جنوب افريقيا. كانت الساعة هي السادسة صباحا وكان المساعد بمثابة (جهينة) في اساطير العرب بالنسبة لصاحبنا الصحفي البريطاني النشيط, عنده دائما الخبر اليقين. يصفه فريجال كين بقوله: مساعدي كان بمثابة العين والاذن بالنسبة لي وسط ذلك المحيط المتلاطم من صراعات جنوب افريقيا وهي على حافة التحول من نظام الفصل العنصري (الابيض) الى نظام الاغلبية السوداء بزعامة مانديلا كيف لا, والمساعد الافريقي استطاع ان يخترق صفوف المعارضة السوداء ويفهم كل شيء عن منظماتها وزعمائها. بدأت مخابرة الصباح الباكر بسؤال من المساعد الهمام: انك لن تصدق ما معي من اخبار فهل أنت مستعد بقلم في يدك؟.. ثم خذ عندك خبر خطير عرفناه لتونا ان زعيم الزولو (الاسود) بلثيزي سوف يعتزل مناصبه وسوف يخرج من حلبة السياسة كلها في جنوب افريقيا. وكان الخبر وقتها خطيرا بحق, اذ كان العالم سيرهف السمع مترقبا اخبار الصراع الداخلي من مانديلا وبلثيزي منافسة الاسود العتيد لدرجة ان جنوب افريقيا كانت معرضة لخوض حرب اهلية يضيف المراسل البريطاني: سألت المساعد عن مصادره التي استقى منها الخبر فأكد ان الخبر قد اذيع رسميا للتو, وانه خبر حقيقي. هنالك وضعت السماعة وطلبت على الفور مكتب الاخبار في لندن (الديسك المركزي في الاذاعة) وأمليت الخبر الذي لم يكن قد وصل في تلك الساعة المبكرة الى اية وكالة في العاصمة البريطانية, استقالة زعيم المعارضة الافريقي بلثيزي, وما ان وضعت السماعة حتى تلقيت مخابرة اخرى من المساعد يقول: ضاحكا ــ ما رأيك الآن؟.. انها كذبة أبريل, الخبر طبعا غير صحيح من الأساس والزعيم باق في مكانه. شعور الخزي المهني بعدها يحكي رجل الاعلام الانجليزي عن مبادرته الى سحب الخبر ولم يكن قد أذيع لحسن حظه الا عبر موجة محلية للاذاعة البريطانية, ثم يسهب في شعوره بما يشبه الخزي المهني لدرجة ان انتابته حالة من الهزال الصحي العام وكيف ان هذا الخطأ قد هزه من الأعماق. بل استغرق الأمر سنوات الى ان استوعب الدرس المستفاد بالنسبة للخبر الصحفي وهذا الدرس مفاده ما يلي: - تأكد من مصادرك مرة ومرات. - اعتمد مصادر أصلية لا مستعارة أولية وأساسية وليست هامشية أو ثانوية. - لا تجعل عواطفك الشخصية وتحيزاتك الذاتية تتدخل في عملية استقاء الخبر.. لقد سارع الصحفي الانجليزي الى تصديق المصدر أو الى التسليم بصحة المعلومة لأنه ببساطة كان يعترف بأنه (كان يكره في أعماقه الزعيم بلثيزي وكان يود في اللاشعور ان يستقيل الرجل فعلا من مناصبه). - لا تأخذ أي شيء على محمل التسليم, بل عليك ان تمعن في تقليب الأمور وتقييم ما تستقبله من أخبار ومعلومات ومن تتعامل معه من أفراد وشخصيات. ثم يحمل الصحفي البريطاني الدرس المستفاد في ظاهرة مرضية يشخصها بأنها (قصر النظر الصحفي) ويختتم اعترافاته المنشورة بعبارات تقول: ــ الكثرة الكاثرة من معشر الصحفيين والاعلاميين مصابة بداء الشعور المفرط بالأهمية وبالتفوق المعنوي على سائر خلق الله, وهكذا أصبحنا نطالب الآخرين بأن يتحملوا مسؤولياتهم فيما نكاد ننسى مسؤولياتنا نحن أمام القراء أو الجماهير أو المستقبلين, نريد من الذين نلتقيهم ان يكونوا منفتحين ويعترفوا بأخطائهم كي ننقلها ونسلط علينا الضوء.. فإن طولبنا بالاعتراف بأخطائنا والانفتاح حول سلبياتنا نأى كل منا وأعرض بجانبه محتميا بمتاريس اسمها (أسرار المهنة) .. وهذا أمر لا يجوز.