من تطورات قضية العدوان الامريكي على السودان يبدو من الواضح ان الحديث عن استقالة الرئيس الامريكي بيل كلينتون قضية مرشحة للتصاعد. فرغم الانتقادات الموجهة للموقف الامريكي بشكل عام بشأن ضرب الاراضي السودانية والافغانية , الا ان هذه الانتقادات تتزايد عند الحديث عن قصف مصنع الشفاء للادوية. والنقطة الاساسية التي اصبحت محل اخذ ورد تتعلق بالذريعة التي اعتبرتها واشنطن مبررا لقصف المصنع وهي انتاجه لأسلحة كيميائية. فالخرطوم تؤكد وتعلن بثقة ان المصنع لم يكن ينتج سوى الادوية وافاضت بشكل كبير في تقديم كل ما يسوق لمنطقها, والمسوغات التي قدمتها تبدو مقبولة, ولم يكتف السودان بذلك وانما راح يعلن قبوله, بل ويلح, في طلب لجنة تحقيق دولية سواء كانت من قبل الامم المتحدة او حتى امريكية للبحث في مزاعم انتاج المصنع لأسلحة كيميائية. يقابل هذا الموقف صمت امريكي مشبوه وصل حد عرقلة بحث مجلس الامن لتشكيل مثل هذه اللجنة, بل والصمت عن اقتراح الخرطوم بلجنة امريكية. ولم يقتصر الموقف الامريكي عند هذا الحد وانما واصل الصمت بشأن الدعوات لتقديم الادلة على ما تروج له واشنطن بشأن قدرات المصنع, ما جعل الشك بشأن صدق الادارة الامريكية يمتد الى بريطانيا الحليف الاساسي للولايات المتحدة. وسط كل هذا خرجت انباء تكشف عن ان الرئيس كلينتون اصر على ضرب المصنع رغم تأكيدات بأنه لا ينتج سوى ادوية. كل هذه الحقائق تورد الموقف الامريكي موضع الشبهات, وفي القلب منه موقف الرئيس كلينتون صاحب قرار الضربة. وامام ذلك فقد لا يجد كلينتون امامه حال عدم قدرته على تقديم ادلة مقنعة وعدم توصل اللجنة المطلوب تشكيلها لاثباتات تعزز الاتهامات الامريكية ــ سوى الاعتراف بالخطأ في تسرعه بهذا العمل. وقد تكون هذه بداية النهاية لكلينتون في البيت الابيض فالرئيس الذي اعترف بالامس بالخطأ في قضية اخلاقية شخصية, ويعترف اليوم بالخطأ في قضية سياسية خارجية.. لا يمكن ان يكون امامه سوى ان يقدم استقالته ويرحل.