المتابع لما جرى بعد الانفجارين في سفارتي الولايات المتحدة الامريكية في كل من نيروبي عاصمة كينيا, ودار السلام عاصمة تنزانيا لاحظ مجموعة من الاحداث ذات الدلالات والتأثير في العلاقات العربية ــ الافريقية وفي قائمة تلك الاحداث , جملة الاتهامات العاجلة والسريعة التي توالي صدورها, تناغما مع التوجهات الغربية ــ الامريكية للعرب وللمسلمين بالوقوف وراء الانفجارين, وترافق مع هذا الحدث واحد آخر, وهو قيام أجهزة امن تنزانية وكينية وبمشاركة الاجهزة الامريكية, وباطلاع اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية باعتقال اعداد من العرب والتحقيق معهم بتهمة صلاتهم او باحتمالاتها بانفجاري دار السلام ونيروبي. غير أن أهم الاحداث التي اعقبت الانفجارين, كان العدوان الامريكي على كل من السودان وافغانستان, وهو حدث جاء في سياق ما سبقه من احداث بهدف تثبيت التهمة على العرب باثارة المزيد من الروابط بين انفجاري نيروبي ودار السلام والعرب طبقا لاتهامات الولايات المتحدة واصدقائها. واذا توقفنا عند هذه الاحداث ودلالاتها, يمكننا القول انها محطة مهمة في انقلاب العلاقات العربية ــ الافريقية, وهي علاقات ذات طابع تقليدي نجد تعبيراته في الروابط التاريخية, وقد ربطت العرب والافارقة منذ فجر التاريخ, وتطورت خلاله وكان من نتائجها ان العرب الافارقة من سكان وادي النيل وشمال افريقيا, يشكلون الكتلة الاكبر من العرب, وان الاسلام وهو ديانة الاكثرية العربية, هو الدين الاكثر حضورا في القارة الافريقية, وان الحضور العربي الاقتصادي والسياسي والثقافي في بعض الدول الافريقية حضور مميز وهام. وفي نقطة اخرى, فان العلاقات العربية ــ الافريقية, سجلت في عقود ما بعد الاستقلال العربي ــ الافريقي, تقاطعات سياسية ــ اقتصادية مهمة, حيث ان الدول العربية خاضت كشقيقاتها الافريقيات معركة التحرر السياسي ــ الاقتصادي, والتنمية الاقتصادية ــ الاجتماعية, وكلتاهما عانت ظروفا متشابهة وبخاصة في موضوع التحدي الاستعماري ــ الاستيطاني العنصري الذي كانت جنوب افريقيا نموذجه في افريقيا, وجسدت اسرائيل نموذجه في الواقع العربي. لقد بدا والحال هذه ان العلاقات العربية ــ الافريقية قوية ومتينة, وهي قائمة على أسس ثابتة لا يمكن قصم عراها, وتحويلها في مسارات اخرى تحت كل الظروف, وكان المثال الابرز لعمق العلاقات العربية ــ الافريقية, قيام غالبية الدول الافريقية بقطع علاقاتها مع اسرائيل عقب حرب اكتوبر 1973 التي صنفها الافارقة في سياق العدوان الاسرائيلي المستمر ضد العرب. غير ان هذا الحدث ــ الدليل, جاء قبل خمس وعشرين عاما, توالت بعده الاحداث والتطورات لتقلب معادلة العلاقات العربية ــ الافريقية, وتبدل مساراتها, وهو أمر يمكن ملاحظته في الاحداث الأخيرة في دلالاتها, ويقودنا الأمر في هذا الى السؤال عما حدث في الخمسة وعشرين عاما الماضية. لقد اتجه العرب الذين حققوا حدا مقبولا في وحدة موقفهم السياسي عام 1973 الى التشتت في موقفهم ذلك, وأخذ يتوالى ظهور الاتجاهات والتيارات المتعارضة واحيانا المتصارعة داخل الصف العربي, ليس بصدد قضايا هامشية (ثنائية أو اقليمية) بل بصدد قضايا أساسية بينها ما وحد الموقف الأفريقي مع العرب وفيها الموقف من اسرائيل وسياساتها وموضوع التعاون العربي ــ الافريقي, وسجلت السنوات الخمس والعشرون الماضية, تحولا عربيا في العلاقات مع اسرائيل دون ان تتخلى الأخيرة عن سياساتها وعنصريتها, كما تدهورت العلاقات العربية ــ الافريقية التقليدية, فغابت المؤتمرات واللقاءات, وخفت أوجه التعاون الاقتصادي والثقافي العربي ــ الافريقي, والأسوأ من ذلك ان خلافات وصراعات اندلعت بين دول عربية وجوارها الأفريقي على نحو ما حدث بين السودان وجوارها وليبيا وجارتها الجنوبية تشاد. والمقابل الأفريقي لما حدث في الجانب العربي, كان ضعفا عاما وانكفاء افريقياً للداخل, حيث تسلل الضعف الى داخل منظمة الوحدة الأفريقية, وهي المنظمة الافريقية الموحدة للقارة السوداء, وتوالى ظهور المنازعات بين الدول الافريقية في شمال القارة وفي وسطها وجنوبها, وليست الحرب الأريترية ــ الاثيوبية الأخيرة سوى واحدة من هذه النماذج, وكذلك الحرب الدائرة حاليا داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير) والتي تواجه فيها عدة دول أفريقية تحت ستار الصراع بين السلطة والمعارضة. لقد توج التردي العام في وضع القارة الافريقية مع تردي علاقاتها العربية, وصعدت مترافقة مع كليهما أزمة سياسية ــ اقتصادية في معظم دول القارة, الأمر الذي جعل القارة وبلدانها على أعتاب تطورات لا يمكن التكهن بها, وان كان اتجاهها العام المؤيد من التردي والصراعات بين الدول وداخلها. واذا كان التردي العام العربي ــ الافريقي في السياسة والاقتصاد وكذلك في الواقع الأمني قد ترك أثره في العلاقات العربية ــ الافريقية فإن ثمة عامل خارجي ترك آثاره وبصماته واضحة في تردي العلاقات العربية ــ الافريقية, والأهم في العامل الخارجي هو التدخلات الغربية عموما والاسرائيلية على وجه الخصوص. واذا توقفنا عند التدخلات الخارجية, لأمكن القول انها كانت في مسارين, الأول فيهما تنافسا دوليا بين قطبي السياسة الدولية الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق, وهو تنافس استمر حتى انهيار الاتحاد السوفييتي عام ,1991 وكان من نتائجه تدمير كثير من امكانيات القارة وهدر مواردها, وهو سلوك استمر مع تنامي التنافس الأوروبي وخصوصا الفرنسي مع الولايات المتحدة على النفوذ في الدول الافريقية الأغنى ومنها جمهورية الكونغو الشعبية (زائير) . ولم تقتصر آثار ونتائج التنافسات الدولية والغربية خصوصا في موضوع تدمير امكانيات الدول الافريقية, بل ان بين أهدافها الأساسية ربط القارة بالسياسة الغربية, والامريكية خصوصا, وهو ما يكاد يكون واقعا في القارة الافريقية, وفي توابع ذلك ونتائجه تعزيز وتقوية حضور اسرائيل في دول القارة. والخط الأخير في السياسة الغربية والامريكية خاصة في أفريقيا, وجد له استثمارا اسرائيليا واسعا, اذ عادت اسرائيل الى أغلبية الدول الافريقية دبلوماسيا, وزادت الى ذلك حضورا أمنيا وعسكريا, ولعل أحد أمثلة الحضور الأخير مشاركتها رسميا وعلنيا في التحقيقات الجارية بصدد انفجار سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام, مما جعلها طرفا ثالثا الى جانب الولايات المتحدة والجانب الافريقي. ان اللوحة العامة لهذا التطور بصلته الوثيقة بالعلاقات العربية ــ الافريقية يبين بوضوح ما آل اليه الحال في هذه العلاقات من جهة, وباحتمالات تطورها اللاحق, والذي يؤشر الى تسلل روح الشك والاتهام, وربما ملاحقة العرب في أفريقيا, تلك القارة الأقرب الى العرب روحا وحضارة ودينا وهموما راهنة ومستقبلية, والتي يشكل تحولها الى هذا الاتجاه خسارة للعرب لا يمكن تعويضها بأي شكل كان. واذا كان من الصعب الدخول تفصيليا فيما ينبغي القيام به عربيا, فإن القول بالتنبه العربي لما يجري في أفريقيا يشكل مدخلا لمعالجة الخلل الحاصل والحذر ازاء نتائجه المدمرة على العرب دولا وشعوبا.