لم نكن نقرأ في فنجان أو نضرب في الودع عندما كتبنا هنا, قبل خمسة اشهر تقريبا, بأن حقيقة ما تخشى منه اسرائىل ويثير هلعها ولن تجد سبيلا لردعه لا بالصواريخ ولا بالألبسة الواقية هو قنبلة متواضعة تسمى القنبلة الديمغرافية الفلسطينية . كما اننا لم نكن نقصد السخرية عندما اخترنا لما كتبناه يومئذ عنوان (التكاثر الفلسطيني من أسلحة الدمار الشامل) لنحذر من يوم تلجأ فيه اسرائيل الى وضع قوانين لتحريم هذا السلاح! كما لم نكن نرجم في الغيب عندما قلنا ان الاستراتيجيين الاسرائيليين يعكفون وهم في منتهى الكآبة على دراسة التقرير الذي صدر عن دائرة الاحصاء الفلسطينية حول اعداد الفلسطينيين في الضفة والقطاع والقدس, مع ان التقرير لم يتعرض لاعداد الفلسطينيين داخل اسرائيل. كل ما في الامر اننا وعينا على حقاق الحركة الصهيونية اتسع وتعمق مع الزمن وخلال التجربة واهم هذه الحقائق هي عنصرية هذه الحركة على الصعيد الفكري, ويليها صدقية هذه الحركة واصرارها على فرض ايديولوجيتها من خلال الممارسة المنهجية والدؤوبة. لذلك فاننا لم نفاجأ بما اذيع مؤخرا عن وجود تقرير حكومي يوصى باعتبار عرب اسرائىل خطرا استراتيجيا كامنا. رغم نفي مستشار نتانياهو لوجود مثل هذا التقرير. فالكذب على اي حال ليس من المحرمات لدى اليهود عندما يتعلق الامر بالغير, كما ان الحركة الصهيونية بنت مشروعها في الاساس على الاكذوبة الكبرى التي قالت بأن فلسطين وطن بلا شعب. ولكننا رغم وعينا على حقائق الحركة الصهيونية فكرا وممارسة فاننا نعترف باننا مازلنا بحاجة الى المزيد من هذا الوعي بدليل اننا فوجئنا بمدى الوقاحة التي يمكن ان يصل اليها مسؤولو هذه الحركة في طرح آرائهم. فما بدا من سخرية في عنوان مقالتنا السابقة حول امكانية اعتبار اسرائىل للتكاثر الفلسطيني نوعاً من اسلحة الدمار الشامل, جاءت الوقائع لتؤكد جديته. لقد جاء في الاخبار ان هذا التقرير العنصري الخطير قد تمت مناقشته في الحكومة الاسرائيلية وتناقلت وسائل الاعلام الاسرائيلية على سبيل المثال آراء بعض الوزراء في هذه المناقشة, ومن بينهم وزير مذبحة صبرا وشاتيلا آريل شارون الذي قال: (يجب فرض قانون منع تعدد الزوجات في الوسط العربي) , ووزير الزراعة رفائيل ايتان الذي قال: (يجب وقف عملية جمع شمل العائلات واستقدام نساء من الضفة الغربية وقطاع غزة الى اراضي اسرائىل) . ومن الطبيعي ان يثير تقرير من هذا النوع الحرج في اسرائيل والارض المحتلة على حد سواء وبخاصة لدى المهرولين نحو الحلول الوهمية والمتحدثين عن المصالحة التاريخية في الوقت الذي يتعامون فيه عن حقائق عملاقة تعلن يوميا عن عبثية هذه الهرولة وعقم التسوية المفتقرة للحدود الدنيا من مبادىء العدل. فماذا يستطيع ان يقول يساري مثل يوسي ساريد اكثر من ان هذا التقرير كان (خطأ جسيماً) وانه جزء من حملة لنزع الشرعية عن عرب اسرائىل وحقهم في التصويت) ؟ وماذا يستطيع غالبية (زعماء عرب الـ 48) ان يقولوا في وصف التقرير اكثر من انه تحريض ومحاولة نزع الشرعية, وان معدي هذا التقرير يسعون ليس فقط الى تهديد السكان العرب, وانما الى اخافة السكان اليهود ايضا والحيلولة دون خلق تعايش وتعاون بينهما؟ حتى عبدالوهاب الدراوشة رئيس الحزب الديمقراطي العربي, والذي وصف التقرير بأنه وثيقة بؤس لأنه يتعامل مع المواطنين العرب كخلل امني لم ير بداً من أن يضيف: (رغم انهم ــ اي عرب اسرائيل ــ اثبتوا اخلاصهم للدولة منذ نشأتها) ثم لجأ في النهاية للمزيد من حماية نفسه, فقال: (ان اسحق رابين فهم ان دولة اسرائيل ينبغي ان تغير من تعاملها مع العرب, ولذلك جرت تصفيته) . اما بلابل السلطة الفلسطينية قادة نهج اوسلو فلم يصدح اي منهم بأي تعليق او تصريح لأن من شأن ذلك الاخلال بالاتفاقية واعتباره تدخلا في شؤون اسرائيل الداخلية بعد ان اصبح فلسطينيو اسرائيل جزءا منها لا جزءا من الشعب الفلسطيني. ان خرس بلابل السلطة وتأتأة مؤيديهم من يهود وعرب اسرائيل, في التصدي للحقائق الموضوعية وتجاهل اصول الصراع للتلهي بالفروع والقفز فوق العدالة للحديث عن السلام, هو السبب الحقيقي للازمة التي تعاني منها مسيرة التسوية التعيسة واستمرار تدهورها. هناك سؤالان صريحان, موجهان لكل من الاسرائىليين والفلسطينيين, ان لم يردا عليهما بصراحة ولم يعلنا عن التزامهما بهذه الردود, فلن يكون هناك لا تسوية ولا صلحا ولا تعايشا, وانما هدنة قد تطول وقد تقصر ولكن الانفجار هو مصيرها النهائي. ــ أما السؤال الموجه للاسرائيليين فهو: هل انتم على استعداد للتنازل عن العقيدة الصهيونية بكل ما تعنيه من تميز وعنصرية, ثمنا للتسوية والصلح والتعايش مع العرب داخل وخارج اسرائيل؟ ــ والسؤال الثاني الموجه للفلسطينيين هو: هل انتم على استعداد للتنازل عما كان لكم من فلسطين وفق قرار التقسيم الدولي رقم 181 ثمنا للتسوية والصلح والتعايش مع اليهود داخل وخارج اسرائيل؟ من دون رد اسرائيلي ملزم على السؤال الأول, ورد فلسطيني ملزم على السؤال الثاني, يبقى كل حديث عن التسوية في دائرة المناورات والخداع المشترك بانتظار لحظة الانفجار. والسؤالان لا يتصفان بالسهولة, وطرحهما على اي من الفريقين سيقيم الدنيا ويقعدها, ولكنهما مصيريان لمن يسعى صدقا للبحث عن تسوية تكون شاملة وعادلة وبالتالي دائمة, لأنها ستكون مقبولة مهما بدت غير مرضية لأي من الفريقين. وهذا يعني انه لابد من الاقرار بأن اتفاقية أوسلو قد فشلت, ولم يبق منها سوى عبرة فشلها وسببه, وهي انها لم تكن في مضمونها النظري غير نقيض ما سميت به اي (اعلان مبادىء ترتيبات الحكومة الذاتية الانتقالية) . وجاءت الممارسة, على امتداد أكثر من أربع سنوات لا لتؤكد ان لا مبادىء في (اعلان المبادىء) هذا, وانما اشارات مبهمة لا مرجعية لتفسيرها وضمان تنفيذها في حال تفسيرها, غير اسرائيل باعتبارها القوة المحتلة. لقد آن الاوان, لأن يدرك الطرفان الممسكان بالقرارين الاسرائيلي والفلسطيني بأن ما جرى وما تم الاتفاق عليه حتى الآن, أو ما لم يتم بعد, لا يتجاوز ان يكون عقدا أعرج قام به افراد, أو شريحة رقيقة من داخل المجتمعين, اما الشعبان, الفلسطيني واليهودي, فلا يزالان خارج هذا الاتفاق, وكل واحد لأسبابه المعروفة التي لم يعد بالامكان التعمية عليها. صحيح ان هناك ظروفا محلية وإقليمية ودولية, فرضت ذاتها على واقع الصراع العربي ــ الاسرائيلي, وأن ثمة رغبة عارمة في حل هذا الصراع عن غير طريق الحرب, وان بين اليهود كما بين العرب من يستشعر وطأة هذه الظروف وحجم ضغطها على مشاريع وتطلعات كل منهما, ولكن الصحيح كذلك ان اسرائيل ما زالت تعتقد انه بإمكانها الافلات من هذه الظروف والاكتفاء بما وصلت اليه التسوية من (انجازات) لم تمس حتى اللحظة ايا من مصالحها القائمة أو مشاريعها المستقبلية. ولذلك نرى نتانياهو يسرح ويمرح ويسوف ويؤجل معتمدا على دعم الولايات المتحدة المستمر لإسرائيل, لأن حبل الازمة طويل على رقبته بينما يكاد يخنق عنق السلطة الفلسطينية, ويحرج كلا من القاهرة وعمان, في الوقت الذي تبتسم فيه دمشق, ودون شماتة, وهي تقول: ألم أحذر من قبل, بأن لا تسوية ولا سلام من دون حل عادل وشامل؟ اما الفلسطيني الذي توهم بأن أوسلو ستحل مشاكله, ستعيد هويته, سترد اليه ارضه وحريته, ستضع حدا لحياة المنافي والمخيمات, فلقد بات اليوم يخشى على مصير بقايا اهله في اسرائيل, ويشعر انه قد جاء دورهم بعدما انتهت اسرائيل, أو تهيأ لها, انه انتهى دور الفلسطيني في الضفة والقطاع و... وديار الغربة والتيه!! ومن هنا فإننا ندعو جميع المنظمات الديمقراطية الدولية وهيئات الدفاع عن حقوق الانسان, ان ترفع الصوت ضد سياسة التمييز العنصري الاسرائيلي التي ما كادت تفرض سياسة المعازل داخل الاراضي المحتلة حتى تلفتت لعرب فلسطين في داخل اسرائيل. اما القيادات الفلسطينية التي كثيرا ما نادت بإسقاط اتفاق أوسلو وتوقف نضالها عند هذا النداء, فهي مدعوة للعمل السياسي والاعلامي لاسترداد وحدة شعب فلسطين وقضيته ومصيره, ولعل فتح ملف مصير منظمة التحرير الفلسطينية يكون مدخلا مناسبا لهذا العمل. ومن لزوم ما لا يلزم, لأنه لا حياة لمن تنادي, فإننا ندعو رئيس المجلس الوطني, بعد ان انتهى من حضور مراسم التعديل الوزاري المسخ ان يستعيد في ذاكرته شيئا من مسؤوليته الأهم والأشد إلحاحا وهي انقاذ المنظمة التي يرأس مجلسها الوطني.