يتضح يوما بعد يوم, وخاصة في هذه الفترة, ان لا خروج للبنان من رحى (الترويكا)التي ذرت قرنها في نظامه السياسي منذ مطلع التسعينات, وكانت في اساس ما يسمى بـ(المحاصصة)سواء عندما يتفق اطرافها الثلاثة فيما بينهم او عندما يختلفون, الا بالاسلوب نفسه الذي خرج به الاتحاد السوفييتي السابق ــ مبدع نظرية (الترويكا) والمعبر عنها بالكلمة الروسية اصلاً ــ اي بسقوط النظام السياسي نتيجة تطورات معينة أو باسقاطه بقرار من فوق أو بـ (ثورة) من تحت. فـ (الترويكا) التي كانت تمثل في النظام السوفييتي, خصوصاً بعد وفاة جوزيف ستالين في الخمسينات, حاصل جمع سلطات وصلاحيات كل من رئيس الدولة ورئيس الحكومة والأمين العام للحزب الشيوعي, وجسدت تقاسم هذه السلطات بين المناصب الثلاثة بحيث لا يلغي احدها الآخر بالقدر نفسه الذي لا يسلم فيه احدها للآخر, قد انتقلت عملياً الى لبنان ــ وبصورة اكثر تشوهاً من الصورة السوفييتية ــ منذ اتفاق الطائف الذي انهى الحرب اللبنانية في العام 1989.. وللصدفة ربما في الفترة نفسها التي شهدت انهيار جدار برلين وبدء تفكك بناء الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية. لحمة اتفاق الطائف, في الدستور الذي انشأه اتفاق الطائف وفي النظام السياسي الذي تلاه, تمثلت في تحديد صلاحيات رئيس الجمهورية التي كانت شبه مطلقة قبل الاتفاق ونقلها الى السلطة التنفيذية مجتمعة, ممثلة دستوريا برئيس مجلس الوزراء باعتباره مسؤولاً امام السلطة التشريعية بينما رئيس الجمهورية غير مسؤول أمامها, وفي تحصين مجلس النواب ورئيسه ــ لجهة اجراءات حل المجلس وفترة رئاسة هذا المجلس ــ في مواجهة كل من رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء, وعلى قاعدة هذا الاتفاق, واساسا على خلفية التوزيع الطائفي والمذهبي للرئاسات الثلاث, قام عملياً ما اطلق عليه اسم نظام (الترويكا) مع ان كلا من الرؤساء الثلاثة (رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب) حاول انكار وجود مثل هذا (النظام) بل انه نفى هذه التهمة على الدوام. لكن التهمة اثبتت وجودها, وحتى قوتها وصلابتها على امتداد السنوات التسع التي تلت اتفاق الطائف, وجسدها بصورة دورية الخلاف بين الثلاثة او اتفاق اثنين منهم على الثالث او اتفاقهم جميعاً حول هذه القضية او تلك وهكذا كانت البلاد تدخل في أزمة كبيرة او صغيرة عندما يختلف الثلاثة على مسألة ما ولو كانت مجرد تعيين موظف في احدى دوائر الدولة, كما كانت تدخل في (شهر عسل) ــ او اسبوع عسل على الاقل !! ــ عندما يتفق هؤلاء على توزيع الحصص فيما بينهم, كما كان الحال في توزيع رخص محطات الاذاعة والتلفزة في العام الماضي ضمن صياغة القانون الجديد لتنظيم الاعلام المرئي والمسموع. الآن, وفي سياق المعركة المفتوحة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية في شهر (نوفمبر) المقبل, تبدو (الترويكا) اللبنانية في أسوأ حالة مرت بها منذ سنوات. اما السبب فهو سعي كل طرف, بما في ذلك رئيس الجمهورية الياس الهراوي الذي تدور المعركة في المقام الأول على اساس ان التمديد له غير وارد ــ وان لم يكن مستحيلاً في كل حال !ــ من اجل ان تكون له اليد الطولى, او غير القصيرة اذا صح التعبير, في اختيار الرئيس المقبل للبلاد.. على طريق ضمان (المحاصصة) في المستقبل او أقله عدم خسارة الموقع الممتاز فيها. هذا الواقع لا يخفى على المتابع للمواقف, وحتى للبيانات والتصريحات والخطب الرسمية, التي تصدر عن الرؤساء الثلاثة في هذه الأيام, وعلى سبيل المثال, فقد كرر رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري في أكثر من مناسبة في الفترة الاخيرة ان أهم مواصفات العهد المقبل المطلوبة هي ان يعلن حربا شعواء على (عقلية الحرب) التي ما زالت سائدة في البلاد برغم انتهاء هذه الحرب وحل الميليشيات المسلحة ودمج معظم قياداتها وبعض عناصرها في الدولة. وكما لو أن الكلام كان موجها بالذات ضد رئيس مجلس النواب نبيه بري, وضده وحده من دون بقية السياسيين (وهو رئيس حركة (أمل) وأحد رموز الحرب) فقد رد بري على الحريري في تصريح علني قال فيه ان (دولة المزرعة) هي اصل الداء وان الانتهاء من (عقلية الحرب) ليس الدواء الناجع الوحيد لهذا الداء في كل حال. اما الرئيس الهراوي فقد اعتبر ان المشكلة تكمن اساسا في النظام السياسي, بأكثر مما تكمن في الممارسة, وانه لو تم اعتماد (النظام الرئاسي) منذ البداية ــ والمقصود هنا منذ اتفاق الطائف ــ لما كانت البلاد في هذه الحالة من التخبط والمشاحنات. والفرق كبير, كما هو معلوم, بين (النظام البرلماني والديمقراطي) الذي تجري الأمور كلها في لبنان تحت عنوانه والذي يفصل ــ نظرياً على الأقل ــ بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ويتم فيه انتخاب رئيس الجمهورية من قبل مجلس النواب ويعتبر مجلس الوزراء مجتمعاً السلطة التنفيذية في البلاد, وبين (النظام الرئاسي) كما هو الحال في الولايات المتحدة الامريكية مثلا حيث يتم انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب ويكون هو في الوقت ذاته رئيس السلطة التنفيذية الذي يشكل ادارته ويعين الوزراء ويقيلهم ويكون مسؤولا عن اعمالهم. لكن هل يصلح (النظام الرئاسي) لبلد مثل لبنان حيث تتقاسم الطائفية والمذهبية (في لبنان 18 طائفة معترف بها رسمياً) رئاسات الدولة الاولى وعضوية مجلس الوزراء والنواب وحتى وظائف الفئة الأولى في الادارات الرسمية. لقد كان اتفاق الطائف, باجماع الاطراف اللبنانية, خطوة كبيرة على طريق اعادة البلد الى وضعه الطبيعي بعد سبعة عشر عاما من حرب أهلية مدمرة, بالقدر نفسه الذي كان فيه خطوة اخرى على طريق الغاء الطائفية السياسية وفق ما ورد في نص احدى مواد الدستور. لكن ما تم عملياً في خلال السنوات الماضية, ولأسباب محلية واقليمية معروفة تعود في معظمها لبقاء الاحتلال الاسرائيلي لجزء من الاراضي اللبنانية في الجنوب والبقاع الغربي واستمرار الوجود السوري في لبنان نتيجة لذلك, بقي في حدود تثبيت الأمن السياسي والاجتماعي ونزع السلاح وحل الميليشيات واعادة توحيد الجيش وقوى الأمن واعادة بعض المهجرين بسبب القتال الخ.. (وذلك انجاز هائل في كل حال) من دون ان يتجاوزه الى البحث بالحلول السياسية النهائية لمشكلات لبنان التاريخية... وليس الى مجرد تشكيل الهيئة الخاصة بوضع آلية لالغاء الطائفية السياسية وفق نصوص اتفاق الطائف. في مقابل (النظام الرئاسي) الذي اقترحه الهراوي, هناك اقتراح آخر غالباً ما يتحدث عنه الحريري ويعتبره اصل كل اصلاح سياسي في البلاد, هذا الاقتراح يقوم على قانون انتخابي جديد يعتمد لبنان كله دائرة واحدة ويتم فيه الترشيح للمجلس النيابي على قاعدة لوائح الاحزاب وليس على قاعدة الافراد او التحالف بين القيادات القليدية لكن مثل هذا الاقتراح قوبل بمعارضة من قبل العديد من القوى السياسية, وفي ضوء الاعتراضات على انتخابات العامين 1992 و1996 التي جرت على اساس المحافظة (في لبنان ست محافظات) والارتياح للانتخابات البلدية التي جرت في العام الحالي على اساس القرى والبلدات, فان المناخ السياسي في البلد بات يميل الى اعتماد الدائرة الصغيرة مدخلاً سليماً للتمثيل الشعبي بأكثر مما هي الدائرة الكبيرة سواء على أساس المحافظة او على اساس لبنان كله دائرة واحدة مدخلاً لمثل هذا التمثيل. مع ذلك تبقى (الترويكا) عقدة العقد في لبنان ما بعد الحرب, ويبقى ان هذه العقدة عملت على تأجيج الصراعات الطائفية والمذهبية بينما كان مطلوباً التخفيف منها ان لم يكن العمل على انهائها. في مقابلة تلفزيونية اعطاها وزير الدفاع محسن دلول في الاسبوع الماضي وصف (الترويكا) بانها (مثلث رعب) ليس للبلاد فقط وانما للوزراء في الحكومة ايضاً وقال ان (رعب) الوزراء يأتي في حالة اتفاق الاطراف الثلاثة تماماً كما يأتي في حالة اختلافهم, اذ لديهم اكثرية في مجلس الوزراء توافق على ما يتفقون عليه وتمر القرارات بسهولة حتى ولو ناقشها البعض, كما لدى كل منهم القدرة في حال الخلاف على منع تمرير القرارات التي لا يكونون قد اتفقوا عليها. هذه (الترويكا) تترنح الآن, وقد لا تتفق على شيء الا ما يمكن وصفه بأنه (خطير جداً) او (موحى به من الخارج) في خلال الشهور الثلاثة المقبلة, لكن الأصل في مشكلتها في هذه المرحلة هو ان احد اعضائها, الرئيس الهراوي, يحزم حقائبه من اجل الرحيل في نوفمبر, وان كلا العضوين الآخرين يسعى جاهدا من اجل ان تكون له حصة الأسد في الآتي من الغيب.. وبالتالي في الحصص المنتظرة على مائدة (الترويكا) المقبلة. ... الا اذا جاء الحل للمعضلة الكبرى, معضلة التقاسم بين الرئاسات الثلاث الأولى, على الطريقة نفسها التي جاء فيها الحل للمعضلة السوفييتية في نهاية الثمانينات: سقوط النظام كله. نائب رئيس تحرير السفير اللبنانية*