كان من المتوقع ان يأتي التغيير في الحكومة الفلسطينية (الجديدة) متواضعا, لأنه معروف عن الرئيس ياسر عرفات حمايته للرجال المحيطين به, وبما ان الحكومة السابقة, كما هي الحكومة الحالية من لون واحد, فإن جميع الوزراء محسوبون على الرئيس عرفات , وبالتالي كانت حمايتهم واجبة عليه, فحتى التغيير المتواضع الذي قدره المراقبون لم يحصل, رغم تقرير المجلس التشريعي الفلسطيني الذي ادان العديد منهم واتهمهم بالفساد وطالب بإحالتهم على القضاء, ومن المعروف ان الرئيس عرفات ينفي تهمة الفساد عن الحكومة ويقول ان ما جرى مجرد أخطاء بحكم حداثة السلطة الفلسطينية, ولهذا الاعتبار لم يجد الرئيس عرفات ضرورة لتغيير الوزراء طالما انه يعتقد بعدم وجود الفساد, لذلك فان ما جرى ليس تشكيل حكومة فلسطينية جديدة, إنما تسمين للوزارة الفاسدة بعدد من الوزراء الجدد بإضافة عشرة مناصب وزارية جديدة من المستوزرين من أعضاء المجلس التشريعي الذين سرعان ما انقلبوا من معارضة متحمسة الى تأييد متحمس, والمفارقة في موضوع الحكومة الفلسطينية الجديدة, هي ان المجلس التشريعي الذي طالما هدد بحجب الثقة عن الحكومة السابقة, هو ذاته الذي منح ذات الحكومة المسمنة الثقة بأغلبية كبيرة جدا. القراءة الأولية للتشكيلة الوزارية الجديدة, تقول بان هذه الحكومة جاءت مخيبة لكل التوقعات حتى أكثرها تشاؤما, وبما ان السبب الرئيسي للمطالبة بحكومة فلسطينية جديدة, كان الأداء السيء والفاسد للحكومة السابقة, موثقا بتقرير المجلس التشريعي الفلسطيني, فإن إعادة انتاج الحكومة بتسمينها بعشرة أعضاء جدد من المجلس التشريعي, سيجعل الأداء السابق الفاسد والسيء يستمر, لا بل سيتوغل في ذات الطريق, لأن حماية الفاسدين ستشجعهم على التقدم أكثر في ذات الطريق. ولاشك بأن هذه التجربة سيكون لها مردود سلبي على العمل السياسي الفلسطيني, فهذا الاختبار الفعلي الأول للمجلس التشريعي في قدرته على مراقبة أداء السلطة التنفيذية, واعتقد انه سقط في الاختبار, فمنذ ولادته كان هناك تقدير بأن المجلس التشريعي مجرد إطار شكلي مستلب لصالح السلطة التنفيذية ولصالح الرئيس عرفات تحديدا, وقد راهن البعض في إطار الحديث عن معركة المجلس التشريعي الأخير من خلال التهديد بحجب الثقة, أن يرسخ نفسه كإطار رقابي ومرجعية فعلية للسلطة الفلسطينية, ولعموم الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع, ولكن من الواضح بعد إعطاء الثقة للحكومة الجديدة ان هذا الرهان كان خاسرا منذ البداية, وان هذا المجلس ينضم الى أمثاله في المنطقة العربية من عدم الفعالية, لا بل يقدم نموذجا أسوأ في وضع استثنائي لشعب يعيش تعقيدات كبيرة على كل المستويات. ان التشكيلة الجديدة لا تستخف بالمجلس التشريعي فحسب, بل تستخف ايضا بالشارع الفلسطيني, الذي كان مطلبه ايضا التغيير, وكان من المفترض لحفاظ ماء الوجه أن يتم تغيير بعض الوجوه الفاسدة, لاعطاء الانطباع بأن هناك امكانية ولو ضئيلة للاستجابة للمطالب المطروحة بقوة في الشارع الفلسطيني وفي المجلس التشريعي, وهنا لايجري الحديث عن التغيير الشامل وهو الحاجة الحقيقية للشعب الفلسطيني, بإقامة حكومة وحدة وطنية تضم كافة فصائل العمل الوطني الفلسطيني بكل تنوعاته, والذي يبدو مطلبا بعيد المنال, فالحديث هنا عن التغيير في الإطار ذاته, أي ان تبقى الحكومة ذات لون واحد, ولكن ان تستبدل الوجوه الفاسدة, أما أن يعاد توزير هؤلاء مرة أخرى, فإن هذا لايليق, إلا بالنظرية الضمنية التي تعتمدها السلطة الفلسطينية ولا يمكن التصريح عنها, وهي ان السلطات الطيعة لا تبني الا بالفاسدين, فهؤلاء ينفذون الأوامر على الشكل الأمثل دون معارضة وهو ما يجعل ممارسة السلطة أكثر فاعلية وأقل تعقيدا, وهي تشبه الى حد كبير المشكلة أيام الثورة, بالابقاء على اللصوص في أماكنهم, على قاعدة ان هذا اللص سرق واكتفى ولسنا بحاجة إلى واحد آخر ليسرق من جديد. كاتبة فلسطينية*