بعد أن كان العالم العربي, لعقود طويلة, على رأس قائمة دافعي ثمن المصالح الغربية والأمريكية بالذات, تم وضعه مؤخرا على قائمة دافعي ثمن الفضائح الجنسية لقادة ذلك العالم. فعندما بدأ التحقيق مع الرئيس الأمريكي كلينتون في قضايا التحرش الجنسي وهو حاكم لولاية أركنساس , ثم العلاقات غير الأخلاقية مع موظفات البيت الأبيض وهو رئيس للولايات المتحدة, هددت حكومة أكبر وأقوى دولة في العالم بضرب العراق وحشدت جيوشها لهذا الغرض في مياه البحر الأحمر والخليج العربي وشرق المتوسط. وكل ذلك جرى على حسابنا نحن العرب ومن أموالنا وبأرواحنا, وبحجة حماية العرب جيران صدام من خطر جيشه الذي دمر وأسلحته الفتاكة التي تم نبش كل جحر فأر بحثا عنها طوال سبع سنوات من قبل فرق تفتيش متخصصة!! والآن وبعد أن تفجرت فضائح كلينتون, واعترف بها شخصيا أمام العالم, واعترف بالكذب على القضاء أيضا وبحنث اليمين, على الدول العربية والإسلامية أن تدفع الثمن, وهذه المرة ليس بالتهديد, بل بالضرب حقيقة. فالاجراء الأمريكي العسكري بات, فيما يبدو, محكوما في مداه وشدته بدرجة تورط وانشقاق فضائح رؤساء أمريكا وسادتها!! وتجيء هذه الضربة العسكرية التي وجهت إلى السودان وأفغانستان في آن واحد, في أسوأ توقيت سياسي لأمريكا ذاتها, مما يؤكد ان القرار بضرب البلدين المسلمين لم يتم لاعتبارات سياسية, بل لاعتبارات شخصية تتعلق بالهاء العالم عن فضائح الرئيس المنحرف. فالضربتان جاءتا بعد أيام من تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام. وكان أقوى سلاح بيد أمريكا لحشد الدعم والتعاطف الدولي هو عدد المدنيين الأبرياء الذين قضوا في ذنك ا لانفجارين, إلى جانب عدد محدود من طاقم السفارتين والعسكريين الأمريكان. وسارع العرب, كالعادة, لاستباق غيرهم في إدانة ذنك التفجيرين ووسم من كان وراءهما بالارهاب, بل وبالوعد والتوعد بمطاردة لهؤلاء (الارهابيين) أينما كانوا.. والآن تأتي أمريكا لتقصف المدنيين الأبرياء في مصنع للدواء في السودان وفي مكان ما من أفغانستان حيث عانى المدنيون فوق طاقة البشر لسنوات, وفي مكان آخر من باكستان حيث سقطت بعض الصواريخ الأمريكية خطأ!! فهل يجوز بعد هذا الاستمرار في تبني مقولات أمريكا اسرائيل وتصنيفاتهما للارهاب؟ إن الانصياع للشعارات الأمريكية الرخيصة المغبرة عبر وسائل وخبراء الاعلام الصهاينة في الولايات المتحدة, أمر لا يليق بالعقل العربي ولا بالكرامة العربية. فهذه الشعارات لا تصبح حقائق لمجرد ان أولبرايت ــ الصهيونية اليهودية المتنكرة بقناع كاثوليكي في تدخل الإدارة الأمريكية ــ أو كلينتون ــ الرئيس الضعيف العاجز أمام زوجته القوية الشخصية والذي يعوض عن عجزه هذا بملاحقة صغار مستخدماته رددوها. فاختيار عبارة معنية وترديدها حتى تترسخ في عقول العامة على انها حقيقة هو درس اعلامي سياسي مبتذل وجموح يلقنه من يسمون بالخبراء الاعلاميين للدمى السياسية التي يطرحها اللوبي الصهيوني باسم رئيس دولة أو وزراء في أمريكا.. وهي وسيلة لتجنيد وحشد تأييد (الدهماء) . ولها جذور في ثقافتنا العربية ــ وان كنا لا ندعي انها ابداع أو نتاج بحث علمي متفوق ــ يتمثل في المثل الشعبي القائل (التكرار يعلم الحمار) . ولكن الظاهر اننا نحن أول من يتعلم على طريقة التلقين والصم غيبا, والتي أصبحت وسيلتنا الرسمية الوحيدة في الاعلام والتعليم في ظل القمع السائد للعقل والفكر في عالمنا العربي والاسلامي, تحت وطأة الدكتاتورية السياسية وارهاب التابو الديني الذي يغلف هو الآخر مطامعه السياسية بالدين ويشهر سيف التكفير حيث يشهر الدكتاتور سيف التخوين. من أول وأشيع هذه الشعارات الأمريكية هو (ضرب الدول التي تساند الارهاب) . والسؤال الذي يجب أن يخترق حواجز التلقين والتبعية هنا هو: من هي الدولة التي رعت الارهاب وكرسته في أفغانستان بالذات, حتى صار ذلك البلد الإسلامي المنكوب مزرعة لتفريخ الارهاب وتصديره للعلم العربي بالذات؟؟ أليست أمريكا هي التي دعمت, وعلنا, التنظيمات التي ادعت انها اسلامية, وهي من الاسلام براء, لتقاوم بها المد الاشتراكي القادم عبر النخبة المتعلمة والمثقفة والتي تأثرت بالجوار السوفييتي ألم تكن, فوق هذا, حقيقة الصراع الداخلي الذي شاركت أمريكا في تمويله بالمال والسلاح والرجال المدربين من مختلف أنحاء العالم العربي والاسلامي, ألم تكن حقيقة هذا الصراع تنافسا من عصابات زراعة وتصدير المخدرات, أكثر من كونها صراعا سياسيا ألم تنشر أمريكا معسكرات التدريب لمن يسمون الآن بـ (العرب الأفغان) في أنحاء عديدة من العالم العربي وتمولها علنا بما لا يقل عن مليار دولار سنويا في ميزانية البنتاجون المعلنة, ناهيك عن الميزانيات والمخصصات السرية في السي آي وغيرها لنفس الغرض؟ ألم تغض الدول العربية التي أنشأت معسكرات التدريب هذه في أرضها الطرف عن هذا كله لفساد سياسي فيها, وألم تغض أمريكا الطرف عنها لانها هي المفسدة, فلم تسمها (دولا راعية للارهاب) آنذاك؟ سؤال يجب أن يطرح, والجواب واضح وهو ان أمريكا هي أكبر دولة راعية للارهاب, وبالتالي فإن ضربها هو الأولى من ضرب صغار أتباعها. هذا عند الحديث عن ارهاب الجماعات المتطرفة فقط, وليس عن ارهاب الدولة. أما ارهاب الدولة, فأمريكا واسرائيل هما الرائدتان في العالم كله في هذا المجال. ولا ضرورة لبحث تفاصيل خرق هاتين الدولتين لكامل القوانين الدولية ولقرارات مجلس الأمن واستهتارهما بالشرعية الدولية اما عن طريق الفيتو, أو حتى بمجرد القفز على المنظمة الدولية أو القاء قراراتها في سلة القمامة. وان كان هذا ارهاب دولة فما معنى أن تضرب أمريكا أينما شاءت وكما شاءت مصالح ومنشآت ومدنيي أية دولة عربية أو اسلامية (حماية لمصالحها) كما تقول؟ ونأتي هنا إلى المقولة الثانية التي لم يفتأ سياسيو أمريكا, تلامذة الخبراء الاعلاميين الصهاينة, يرددونها, وهي (حماية مصالح أمريكا) , مما يسهل ترويجه على المواطن الأمريكي الذي لا يملك مرجعية قيمية غير الدولار منذ حرب (حفلة الشاي) في بوسطن ـ والتي سميت بثورة تحرير ــ وحتى حرب الخليج الثانية. فإذا قبل العرب هذه المقولة مبررا لضرب مصالح وأهداف استراتيجية ومدنية عربية, بغض النظر عن الضحايا والآثار الجانبية الإنسانية, فإن معنى هذا ان يؤيد العرب ــ كافة العرب, ــ ضرب أية مصالح أو منشآت أمريكية حيثما تواجدت, بغض النظر عن الضحايا المدنيين والآثار الجانبية الأخرى. فهذا, حسب التعريف الأمريكي هو: (ضرب لمصالح دولة ترعى الارهاب وحماية لمصالح العرب) في آن واحد. وإذا كان ثمة قائل, بأن علينا أن ندين الأمرين معا, نسف المصالح الأمريكية مع المجازفة بالضحايا من المدنيين إلى جانب القصف الأمريكي لمصالحنا ومدنيينا, فإن الرد هو بالتذكير بقصة التحكيم بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص الشهيرة في تاريخنا بأنها قمة السذاجة السياسية. فالموقف في السياسة هو الفعل. والموقف بالقول يجب أن يوزن بقدر وبنوعية ما ينتجه من فعل, والا فهو شعارات جوفاء نجيه. وما فعله أبو موسى الأشعري, بتشبثه بالمثال, لا يقارب الخيانة لصاحبه ومبدأه فقط, بل يفوقه. فقد سهل أبو موسى, وبطرق سلمية ودون مقاومة, خلع علي وتثبيت معاوية. ولو انه, بدلا من التشبث بمثالية ديمقراطية لم تكون موجودة آنذاك ليطبقها المسلمون ويختاروا خليفتهم بحرية, تنكر لعلي وانحاز لمعاوية في خيانة واضحة, لما أسقط على الأقل من يد أتباع علي ولما اكتسب معاوية شرعية التحكيم قبل شرعية القوة!! وإذا أردنا ألا نكون أشعريين سذجا ونلقي بمصائرنا ومصالحنا مجانا تحت أقدام أعدائنا.. فإن علينا أن نزن خطورة الفعل المتأتي من أقوال ومواقف وشهادات ندعي ــ جبنا وتبعية ــ انها مثالية ومبدئية. ان ادانة الفعلين هو خلع لصاحبنا,و نقدر عليه, وخلع لصاحب عدونا, لا نقدر عليه. وبالتالي هو تثبيت لصالح عدونا. والخيار العاقل الوحيد, والخيار السياسي المجد, هو ان نلزم أمريكا بذات أقوالها احتراما لعقلنا وصيانة لمصالحنا وحياتنا. وبالتالي نعلن ان ضرب المصالح الأمريكية لا يعدو كونه ضربا لمصالح ومنشآت (دولة ترعى الارهاب) . وان موت المدنيين في الضربات الموجهة للمصالح الأمريكية أقل شأنا وأضيق مدى في ضرره ولا إنسانية من ضرباتها هي, فالضربات الموجهة للمصالح الأمريكية لم تصل حد نسف ملجأ للأطفال والنساء بدلا من منشأة عسكرية ــ كما ادعت أمريكا حين قصفت ملجأ العامرية ــ ولم يصل في الخطأ الجغرافي حد قتل المدنيين (الباكستان) أثناء قصف (أفغانستان) !!! وإذا كانت الدولة الكبرى ــ ولا أقول العظمى فللعظمة مقومات لا تملكها أمريكا أو كيان بكل ما تملكه من قوة سياسية واقتصادية ومؤسسية تلجأ للارهاب الجبان المتمثل في قصف المدنيين العزل من سفينة على بعد أميال, دون أية درجة من الشجاعة والمجازفة التي يتضمنها الاقتراب من الضحية, فإن الذين يفجرون مصالح أمريكا على الأقل أرفع خلقا أو أقل تدنيا في الخلق من الأمريكان. وبدءا بنفسي, ولأكون منسجمة مع عقلي ومبادئي, وكي لا أخون مصالح وطني بسذاجة ــ على طريقة الأشعري ــ أو بعلم وسبق تصميم ــ فإنني أعلن سحب كل الادانات التي سبق وان أطلقتها عند سماعي بتفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام. وأدين وأشجب بالمقابل, باعتبار الأولوية ولغياب العذر القاهر والأسباب المخففة, قصف أمريكا للسودان وأفغانستان. كاتبة أردنية*