اما الرجل فهو الرئيس الامريكي بيل كلينتون اما النساء الثلاث فهن زوجته هيلاري دزهام, وابنته تشيلسي, والثالثة هي مونيكا لوينسكي المتدربة السابقة في البيت الابيض, كما تصفها الصحافة الامريكية واما دافعي للكتابة عن الاربعة فهو عربي , حيث ان الكثيرين منا قد استهوتهم متابعة ما حدث بين الرئيس والمتدربة السابقة في البيت الابيض من علاقة حميمة وصفها هو في خطابه الى الشعب الامريكي بأنها (غير لائقة بل وخاطئة) اما الدافع فان الحديث العربي عن الموضوع طغى على كل شيء الى درجة ان فاضت التعليقات حوله من زاويتين الاولى طبيعة العلاقة ذاتها, والثانية تأثيرها على سياسات الرئيس الامريكي في الشرق الاوسط, وذلك لأن امريكا تملك من التشابك والتداخل السياسي في هذه المنطقة مالم يكن لديها قط في الماضي. احد الاسئلة المركزية هو: هل ستؤدي هذه العلاقة مع مونيكا (غير اللائقة والخاطئة) وما تتكشف عنه يوميا الى عزل الرئيس الامريكي في نهاية المطاف؟ ان كان احد يبحث عن اجابة سريعة, فظني ان الجواب سيكون بالنفي ــ ليس القاطع ــ ولكن الاقرب الى الاحتمال, ولكنها بالتأكيد سوف تصبغ الفترة الباقية من ولاية الرئيس الامريكي بصبغة قلقة, فالرئاسة سوف تكون (مقعدة) ـ ان صح التعبير ــ عن اتخاذ خطوات سياسية داخلية وخارجية فعالة ودقيقة, وليست الضربات الصاروخية الامريكية الاخيرة ــ لقواعد قيل انها للارهابيين في السودان وافغانستان ــ ليست اختراقا للقلق الرئاسي ولا تعبيرا عنه فهي رد فعل ممكن الحدوث في ظروف اخرى مثل الضربات الامريكية للعراق ردا على محاولة اغتيال بوش في الكويت وقد اتخذ قرارها كلينتون يوم لم تكن هناك مونيكا ولا فضائحها. قلت استهوى بعضنا طبيعة العلاقة, وكيف لرئيس أكبر دولة في العالم ان يتورط بهكذا علاقة مع فتاة صغيرة وليست بذلك الجمال الاخاذ (اعتذر ان كان احد القراء يعتقد انها جميلة فوق العادة) . فهو اذن الحديث عن الجنس وهنا تبدو مفارقة عجيبة. فكيف يتسنى الحديث عن ذلك بينما في اعرافنا الاعلامية والادبية عوائق تحول دون معالجة الجوانب الجنسية في حرية ومرونة, رغم انه في كتبنا الكلاسيكية فصول مليئة بحكايات واوصاف تفوق ما حدث بين الرئيس والمتدربة ولم يجد فيها السلف اي ضير في ان تكتب وتنشر, حتى جاءتنا حضارة الغرب, ولسوء حظنا نحن العرب ان تلك الحضارة جاءتنا في القرن التاسع عشر وهو عصر التزمت الفكتوري فتأثرنا بها وبتزمتها الى درجة كبيرة, بينما الغربيون في وقت لاحق استعادوا موقفهم المتحرر واطلقوا اقلامهم في معالجة قضايا الجنس, واستمرت الثقافة المتزمتة لدينا تجاه هذا الموضوع, فأصبحت اي (فضيحة جنسية) حدثت هناك في الغرب هي مجال اخذ ورد وعناوين بارزة للصحف لا تكاد تخلو منها مطبوعة, ويبدو ان هناك دافعا يقول انه مادام الحديث العام عن مثل تلك العلاقات محرما, فلا بأس من التعويض باستخدام حادث خاص هو خطأ الرئيس الامريكي والتصرف (غير اللائق) الذي اعترف به للت والعجن في الموضوع المفضل, موضوع الجنس واطلاق عنان الخيال في الوقت الذي هو في مكانه قضية سياسية لا جنسية. والآن أعود الى محاولة الاجابة عن سؤال: لماذا فعل الرئيس ما فعل, وهو الذي كتب عنه الكاتب الامريكي بوب وود في كتابه (الخيار) انه يحب الاكل بشراهة, ولكنه يصلي قبل كل وجبة؟ بعض التحليلات تقول انه فعل ذلك لأنه يريد الانتقام وربما عن غير وعي من هيلاري, السيدة القوية التي رفضت لفترة بعد زواجها منه ان تتنازل عن اسمها لمصلحة الارتباط باسمه, وهي حالة ليست نادرة في الثقافة الغربية, ولكنها تحسب في جانب الاقلية اللافتة للنظر, كما اننا نتذكر انه في الحملة الانتخابية الاولى للرئيس كلينتون كان احد الشعارات المطروحة انتخبوا واحدا تحصلوا على اثنين, يعني انتخبوا الرجل كلينتون تحصلوا على عقل نير هو هيلاري كلينتون زوجته ذات الطموح والامكانات العقلية الكثيرة, ولقد حاولت في الفترة الاولى من الرئاسة ان تشارك بشكل نشط في العمل السياسي فتبنت خطة لتطوير التأمين الصحي في الولايات المتحدة وكان المشروع يشار اليه بجوهرة التاج في برنامج كلينتون السياسي, ولكن المقاومة للمشروع من الكونجرس كانت أكبر مما تحتمل فتركته ليسقط ويتهشم. هكذا امرأة لابد أن الرجل في الرئيس قد قاومها, وربما كان من الدوافع غير المنظورة للعلاقة (غير اللائقة والخاطئة) مع المتدربة ان الرئيس يريد ان يقول شيئا للسيدة الاولى فلم يجد غير فحولته, او ربما كان يريد ان يقول شيئا لنفسه مفاده انه في النهاية شخصية مستقلة. زوجة الرئيس في وضع غير مريح فهي تنتمي الى ثقافة يكفي ان يعترف الزوج فيها باقامة علاقة مع امرأة اخرى حتى يحق للمرأة الاولى طلب الانفصال, وبرغم الكثير من التعاطف الشعبي الامريكي مع الزوجة المخدوعة فان صبرها هذا يراه البعض ليس فقط التصاقا وحبا بالرئيس الذي لم يحفظ الود, بل وايضا التصاقا بالسلطة ذاتها, فأي امرأة خاصة في هذه الثقافة التي وصفنا يكون الجرح اليما في قلبها عندما تعرف مثل هذه العلاقات ويتحدث عنها في العلن. ولعل الضحية الاكثر تأثرا في هذه العاصفة هي الابنة الصغيرة والوحيدة والتي ترى انه في كل طلعة شمس ومغربها يتحدث الجميع عن هذه العلاقة (غير اللائقة) عن رجل ليس هو الرئيس بالنسبة لها ولكن الوالد, وصورة الوالد ان اهتزت في عقل فتاة صغيرة في مثل هذه السن فانها تسبب جرحا بليغا في بنائها النفسي, وربما في سلوكها القادم. ولو أخذنا بعين الاعتبار ما فرضته الثقافة السياسية الامريكية ــ حتى الآن على الاقل ــ على (الاسرة التي تسكن البيت الابيض) لوجدنا انه من النادر ان ينتخب رئيس امريكي مطلق او ارمل, بل ان بعض المرشحين للرئاسة ما ان تظهر حول علاقاتهم الجنسية بعض الشبهات حتى ينسحبوا من السباق نتيجة الضغط الاخلاقي والثقافي السائد. كانت دائما صورة (اسرة الرئيس) المتحابة وكل فرد فيها متعلق بالآخر هي الصوة المفضلة للناخب الامريكي وحتى أولئك الرؤساء الذين عرفنا لاحقا بعض علاقاتهم النسائية السرية مثل دوايت ايزنهاور او جون كينيدي لم تظهر هذه العلاقات الخاصة في العلن الا بعد فترة طويلة نسبيا من خروجهم من السلطة. تبقى التفسيرات السياسية وهي تنحصر في السؤال العام الآتي: هل تتصرف الولايات المتحدة خارجيا بغير تأثير ما حصل ويحصل من مناقشات لشؤون الرئيس الخاصة, وهل يمكن ان تنفصل اي تصرفات سياسية عما هو حاصل؟ الجواب القطعي سيكون: لا, ليس لأن لدي دلائل على ذلك, ولكن لأن الرأي العام العالمي لن يستطيع ان يفصل اي تصرف خارجي للولايات المتحدة بعد اليوم واثناء الازمة عن اثار تلك الازمة الداخلية والشخصية للرئيس, حتى لو كان ذلك التصرف او السياسة الخارجية معدا لها منذ وقت طويل, سيظل هناك خلط في أذهان الكثيرين بين اي سياسة تتخذها واشنطن وبين تحقيقات كينيث ستار, واثواب لوينسكي وربطات عنق الرئيس. وبالتالي فان هناك الكثيرين مما سارعوا الى الربط بين موضوع مونيكا وضرب قواعد بن لادن في افغانستان ومعمل التحضيرات الكيماوية في الخرطوم والقول بأنه ليس دفاعا عن هيبة القوة التي جرحت في نيروبي ودار السلام, بل هو رسالة موجهة للاصدقاء والاعداء بأن ما يحدث لن يعيق السياسة الخارجية الامريكية, اي ربط الشأن القلق في مؤسسة الرئاسة الامريكية بما يحدث في العالم. لاشك ان هناك حربا داخلية في الساحة السياسية الامريكية, وهي حرب شرسة وتستخدم فيها كل الاسلحة وتقع هذه الحرب الشعواء بين مؤيدي الرئيس والقائلين بأن الذي تم هو تصرف شخصي وخاص, مهما حدث فيه من (علاقة) وبين اولئك الذين يريدون ان يستفيدوا سياسا من رئاسة غير فاعلة تعطل الرئيس الحالي وتقعده عن مهامه كما تعطل فاعلية حزبه للاتيان برئيس ديمقراطي قادم سنة ألفين. بين هذين الفريقين تضيع المصالح الامريكية وتقل صدقية السياسة الخارجية, ويختلف الناس حول دوافعها هل هي بسبب تلك البقعة على ثوب مونيكا الازرق, ام ليس للبقعة علاقة بالسياسة المتخذة في هذه البقعة او تلك في انحاء العالم؟ لعل العمل المناط بمنفذي السياسة الخارجية الامريكية قد تضاعفت الآن احماله والشرح المطلوب منهم في عواصم العالم ازداد, وربما تصبح هذه القضية (قضية المتدربة في البيت الابيض والرئيس) هي حجر التغير في النظر الى الرئيس الامريكي ـ اي رئيس ــ على انه كشخص من ابناء آدم العاديين, لا يستطيع ان ينفك عما يفعله الآخرون في المجال الشخصي, ولكن المحاكمة تبقى حول عمله السياسي العام, هل نرى تطورا في المستقبل في الثقافة السياسية في الولايات المتحدة بهذا الشكل؟ يقال في الامثال ان اهل مكة ادرى بشعابها, وبالتالي فان اهل السياسة في امريكا ادري بما يفعلون, ولكن بعضهم يحتاج على الاقل الى ان يعرف كيف يفكر الآخرون. والمثل القريب على ذلك هو تداعيات موضوع الضربات الصاروخية الامريكية في السودان وافغانستان, فبسرعة ربط المعلقون العرب ــ وفي مقدمتهم المسؤولون السودانيون انفسهم ــ بين فضيحة الرئيس الامريكي مع المتدربة مونيكا لوينسكي وبين قرار توجيه الضربات في السودان وافغانستان والسؤال الذي قد يقترب بنا من اجابة غير عاطفية عن هذا الالتباس هو: اترى لو كانت واقعتا تفجير السفارتين الامريكيتين في تنزانيا وكينيا حدثتا في وقت آخر بينما الرئيس الامريكي ليست لديه فضيحة جنسية او شخصية.. هل كانت احتمالات توجيه ضربات كالتي وجهت الى مواقع في السودان وافغانستان تتلاشى؟ البديهي ان رد الفعل الامريكي بتوجيه ضربات جوابية لما يعتقد الامريكيون انه قواعد للارهاب كان احتمالا قائماً. والامر كذلك فان موضوع الضربات لا يمكن تعليقه على مشجب ستر الفضيحة الجنسية للرئيس الامريكي. خاصة انه من الشائع والمعروف ان سياسات الدولة الاكبر في العالم ــ اي الولايات المتحدة ــ لا يقررها شخص واحد حتى لو كان الرئيس.