باعتراف كلينتون, اخيراً, بتورطه في فضيحة اخلاقية, يكون خصومه من غلاة اليمين الامريكي, في الكونجرس الامريكي وخارجه, قد هزموا هذا الرئيس الليبرالي وكسبوا المعركة التي خاضوها ضده منذ اليوم الاول لدخوله البيت الابيض , يحمل معه برنامجه الاصلاحي ــ الاجتماعي المتواضع, الذي هزم به منافسه بوش وكسب الانتخابات الرئاسية. ومعروف ان هذا اليمين قد عرف ازهى ايامه خلال ولايتي ريجان وبوش, اللذان اعفيا الرأسمال الكبير من عبء الضرائب المباشرة, وفي الوقت ذاته اهملا القضايا الاجتماعية الأساسية كالصحة والتعليم, حتى وصلت إلى حالة مزرية. وفي هذه المعركة الضارية التي امتدت قرابة ست سنوات, جرى اللجوء فيها الى مختلف الاسلحة, ولم يستثن منها اكثرها قذارة وابعدها عن القيم الاخلاقية, واذا كان كلينتون قد اشار في كلمته للأمة الامريكية في 17/8/1998, الى المحرك السياسي وراء اثارة هذه الفضيحة, فان المستمسكات التي بيد المحقق المستقل كلارك (وهو من رموز اليمين المتطرف) تكشف بدورها ان القضية برمتها, ومنذ البداية, كانت مخططة ومبرمجة لايقاع كلينتون وتوريطه. والسؤال الآن هو: هل هذا اليمين الامريكي, الذي سجل, اخيراً, هذا النصر على الرئيس كلينتون, معني بالاطاحة به قبل ان ينهي دورته الدستورية؟ اغلب الظن انه لم يعد معنيا بذلك. بل يفضل, بعد هذا النصر, الاحتفاظ به كرئيس هزيل ومشلول الارادة بقية دورته الثانية حتى نهاية عام 2000 وخلال ذلك يستطيع هذا اليمين, الذي كان قبل ذلك وراء تصفية كندي والاطاحة بنيكسون, والمسيطر على الكونجرس الحالي من خلال ممثليه داخل الحزبين ــ ولو ان تمركزه الاول في الحزب الجمهوري ــ فرض ارادته في السياستين الداخلية والخارجية: الداخلية باجهاض اية خطوة اجتماعية لصالح سواد الشعب, وفي الخارجية بتشديد العدوانية الامريكية, ويبدو من الغارتين بالصواريخ على كل من السودان وافغانستان ان كلينتون استوعب بسرعة متطلبات ما بعد هزيمته امام اليمين الامريكي. وعلى صعيد آخر: فالاحتفاظ بكلينتون الضعيف حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة يحرم نائبه غور من فرص التدرب ــ في حال الاطاحة بكلينتون الآن ــ لمدة عامين على مهام الرئاسة وتهيئة نفسه لانتخاباتها اللاحقة, وبهذا تتضاءل فرصه في النجاح لصالح منافسه من الحزب الجمهوري. علاقة ما يجري في واشنطن بالعملية التفاوضية من المسلمات, في السياسة الامريكية المعاصرة, ان اي رئيس امريكي يدخل البيت الابيض يضع في رأس جدول اهتماماته دعم اسرائيل وتقويتها, لكن كلينتون, الذي كان يدرك ابعاد معركته مع اليمين الامريكي, تجاوز جميع من سبقوه في هذا الموقع في هذا الدعم, ومنذ اليوم الاول لدخوله البيت الابيض, وذلك لهدف اضافي, علاوة على هذا الهدف الاستراتيجي, ويتلخص هذا الهدف الاضافي في محاولة استرضاء واستمالة اللوبي الصهيوني الامريكي الى جانبه, ومعروف ان كلينتون عزز في ادارته مواقع اليهود المحسوبين على هذا اللوبي, في ولايته الثانية, في ضوء صعود اليمين الاسرائيلي الى الحكم بزعامة نتانياهو. وجاء صعود اليمين الى السلطة في اسرائيل برئاسة نتانياهو الذي كان يجاهر بعدائه لاتفاقيات اوسلو ولمجمل العملية السلمية (رفض مؤخراً دعوة الحكومة النرويجية لحضور الاحتفال بمرور خمسة اعوام على توقيع هذه الاتفاقيات), هذه العملية السلمية التي بادرت اليها الادارة الامريكية السابقة عقب حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفييتي, لان المصالح الامريكية في الشرق الاوسط راحت تتطلب ذلك, واحتكرت واشنطن رعاية هذه العملية, نقول: جاء صعود اليمين الاسرائيلي المعادي لهذه العملية السلمية ليعقد الامور امام ادارة كلينتون. وحين راحت ادارة كلينتون تطالب نتانياهو وتحثه ــ ولكن دون ممارسة اي ضغط فعلي عليه ــ لمواصلة هذه العملية التي بدأها اسلافه في الحكم, فان نتانياهو الذي كان يراقب ويتابع عن كثب معركة كلينتون الداخلية مع قوى اليمين المتطرف الامريكي, عرف ــ أي نتانياهو ــ كيف يلعب اوراقه والدفع لعقد الصفقات مع اليمين الامريكي, والمساهمة معه بنشاط في مضايقة كلينتون واحراجه, مقابل ضمانات من اليمين الامريكي, المسيطر داخل الكونجرس, بحمايته من اي ضغط قد تحاول اللجوء اليه ادارة كلينتون, ودعمه كذلك في مطالبه المتطرفة والمتناقضة بشكل صارخ مع الاتفاقات الموقعة بضمانة امريكية. واليوم وفي ضوء هزيمة كلينتون امام اليمين الامريكي, فان نتانياهو وائتلافه اليميني ــ الديني يشعر بأنه جزء من هذا النصر, وانه افلح في تأمين عدم تعرضه لأية مطالبة جدية من ادارة كلينتون بالوفاء للاتفاقات الموقعة وحتى لما سمي بالمبادرة الامريكية المتحيزة لصالح اسرائيل, وذلك على الأقل حتى انتخابات الرئاسة المقبلة في الولايات المتحدة. وغني عن القول انه من السذاجة المفرطة الاعتقاد بأن نتانياهو سيهدر هذا الوقت, بل ينبغي الاعتقاد بأنه سيشدد هجومه وضغوطاته, اكثر من اي وقت مضى, على الطرف الفلسطيني, لفرض التسوية التي سبق واعلنها, والتي تستهدف سلخ 60% من اراضي الضفة الغربية وضمها مع القدس العربية نهائياً الى دولة اسرائيل, واذا تعذر تحقيق ذلك بموافقة الطرف الفلسطيني, فسيواصل نتانياهو وحكومته, بمزيد من الكثافة والاتساع عمليات الاستيطان الكولونيالي وخلق المزيد من الوقائع على الأرض الفلسطينية والعربية وذلك في اجواء هي الاكثر ملاءمة له ولمخططاته. وتوكيدا لذلك وتدشينا لهذه الهجمة الجديدة, بادرت حكومة نتانياهو بالاعلان عن عزمها بناء خمسة آلاف وحدة سكنية استيطانية جديدة في الجولان السوري المحتل. وفي 19/8/98 دعا كهلاني الى ضرب البنية التحتية في لبنان ردا على نشاطات المقاومة اللبنانية في الشريط اللبناني المحتل. وفي الوقت ذاته ادلى شارون بتصريحات يقول فيها :(يعرف الفلسطينيون ان اسرائيل وافقت على الانسحاب من 13% وايضاً واحد بالمئة اخرى في اعادة الانتشار الثالثة انهم يعرفون ذلك والامريكيون يعرفون ذلك) ومن جانبه, حرص ديفيد بار ايلان مدير مكتب الاعلام التابع لرئيس الوزراء الاسرائيلي على التذكير, في الوقت نفسه, ان الطرف الاسرائيلي ما يزال يتمسك بأن تكون 3% من اصل هذه الثلاثة عشر بالمئة محميات طبيعية لا يجوز للفلسطينيين البناء فيها او دخول الشرطة الفلسطينية اليها. وطبعاً, فان شارون لم يأت بجديد. ولكن مغزى اعادة طرحه لهذه المقترحات الاسرائيلية المرفوضة فلسطينياً, هو توقيتها, مما يوحي بأن حكومة نتانياهو ترى الفرصة أكثر ملاءمة لتكثيف جهودها, الآن, لفرضها على الطرف الفلسطيني. ومعلوم, ان الخلاف الحقيقي لم يكن على الثلاثة عشر بالمئة, في اطار عملية اعادة الانتشار الثانية, بل تحديد حجم عملية اعادة الانتشار الثالثة والاخيرة, التي حرص شارون على اعادة تحديدها بواحد بالمئة, مما سيعني في احسن الاحوال وصول حجم المساحة التي ستشرف عليها السلطة الفلسطينية, في نهاية الامر, الى ما لا يزيد عن الاربعين بالمئة من مساحة الضفة الغربية, وهذا يتطابق تماما مع خطوط التسوية النهائية كما سبق وطرحها نتانياهو. ما العمل؟ في ضوء كل ذلك, فالسؤال يفرض نفسه على هذا السياق هو: هل نتانياهو وحده يستطيع الاستفادة من ضعف ادارة كلينتون الحالية؟ يمكن الاعتقاد بأن الطرف الفلسطيني قادر بدوره ان يستثمر هذا الوضع الناشىء اذا ما أحسن التحرك وتعبئة الجهود, وذلك بشن هجوم سلام على النطاق العالمي وداخل أروقة الأمم المتحدة, خاصة ودورة الجمعية العمومية على الابواب, مسلحا بقرارات الشرعية الدولية والاتفاقات الموقعة التي يتنكر لها الطرف الاسرائيلي, وذلك بغرض تنشيط دور الأمم المتحدة ومؤسساتها في التدخل لحل أزمة العملية السلمية في المنطقة, وكذلك لتعزيز الدور الاوروبي, في ظروف ضعف الدور الأمريكي في معالجة النزاع الشرق أوسطي وكسر الاحتكار الامريكي في الاشراف على العملية التفاوضية. لكن النجاح في تجنيد هذه الامكانيات على الصعيدين الدولي والعربي يبدأ من هنا, يبدأ من اجادة حشد قوانا وتعبئتها, ومن المؤسف القول بأننا اذا كنا لا نتراجع في هذا المضمار, فإننا لا نتقدم ونراوح مكاننا.. فمتى نسمع قرع أجراس الخطر... متى؟!