مما لاشك فيه أن التقلبات السياسية المفاجئة والمحتدمة التي تشهدها منطقتي القرن الافريقي والبحيرات العظمى بالتزامن انما تمثل ضربة اجهاض للاستراتيجية الامريكية الجديدة وتدابيرها التنفيذية للهيمنة على مقدرات القارة السوداء, ان لم تكن تقريرا بالفشل, وبات من المتعين مراجعتها حتى تنسجم مع ظروف الواقع الافريقي, وربما التراجع عنها الى غيرها من البدائل! الحرب الباردة بين القوتين الأعظم أو اخر الثمانينات, والولايات المتحدة الامريكية تمارس دور الثورة المضادة بكل ما أوتيت من قوة اقتصادية وعسكرية ومخابراتيه (عن بعد) , فما أن بدأت حقبة التسعينات, حتى احتشدت بقضها وقضيضها لوراثة النفوذ الاوروبي في افريقيا, والتواجد (عن قرب) في مختلف ربوعها, والتدخل المباشر في شؤونها, وتوجيه سياساتها, وإعادة رسم خرائط توازنات القوى الاقليمية, على النحو الذي يؤمن مصالحها الاستراتيجية الآنية واستثماراتها الرأسمالية! لكن على ما يبدو أن أمريكا لم تدرك الدروس المستفادة من تجربة الاتحاد السوفييتي والصين في التعاطي مع الشأن الافريقي, فكلا الدولتين كانت لهما كذلك مصالح واستراتيجيات لكن من منظور ايديولوجي مختلف, يستهدف تحقيق النتائج عبر العلاقات الرسمية والشعبية معا دونما تعال او استكبار, من خلال المساعدات الاقتصادية والمعونات الفنية والقروض طويلة الأجل وفوائدها الميسرة, والدخول في مشاريع مشتركة لاستغلال الامكانات المحلية وتدريب الكوادر الوطنية, وخلق فرص جديدة للعمل تفضي بالضرورة الى قيام الطبقة العمالية, فضلا عن الاسهام بدور وافر في بناء مؤسسات الدولة, وتنمية الثقافة الشعبية بوجه آمن. ومن هنا لم يكن مستغربا ان تجد الاشتراكية والماركسية اللينينية مرتعا لها في معظم الدول الافريقية الحديثة التي نالت استقلالها عبر التوازن وكان التحرر بدعم من الاتحاد السوفييتي والصين ودول المنظومة الاشتراكية في اوروبا وآسيا بالتالي.. فما أن أصبحت امريكا القطب الكوني الأحادي, حتى بدأت في اعادة النظر في سياستها الافريقية ايذانا بفرض الهيمنة على نظمها الحاكمة, وتثبيت من تشاء من الزعامات أو اختيار البدائل المولين والمؤهلين لانجاز مراحل استراتيجيتها, وقدرت ان قوة الماء وتوزيع الوعود والمناصب والنفوذ, أفضل الوسائل واقواها لبلوغ الغايات. والشاهد ان امريكا انشغلت فترة طويلة عن الاهتمام بافريقيا, نتيجة لانشغالها بسباقها العلمي العسكري المحموم مع الاتحاد السوفييتي حول حيازة وتطوير اسلحة الدمار الشامل, وحرب النجوم,و غزو الفضاء, ومحاصرة التجربة الاشتراكية اقتصاديا ومحاولة تعريتها اعلاميا ومعنويا من المصداقية النظرية والتطبيقية, حتى نجحت خططها واساليبها اخيرا في انهيار وتذليل المنظومة الاشتراكية في اوروبا الشرقية كذلك! بعدها إنكفأ الاتحاد السوفييتي على الذات يعاني مرارات الانكسار وانفراط عقد الولايات والقوميات المنضوية تحت قيادته واختارت الاستقلال عنه, وملاحقة التصدعات والانهيارات المتلاحقة في شتى مناحيه الاقتصادية والاجتماعية والامنية والخدمية, والى حد العجز عن توفير الغذاء للشعب والوفاء بمرتبات الموظفين والجنود! وهكذا في ظل موجة الكفر بالشيوعية والنظرية الماركسية التي كانت تمثل ايديولجية الاتحاد السوفييتي السابق وملتقاه السياسي بالثورات وحركات التحرر في العالم الثالث, وذراعه الطويلة الممدودة دعما ماديا وعسكريا وتبني طروحاتها والدفاع عنها في المحافل الدولية, من هنا كانت الساحة الافريقية خالية من اي منافس دولي لامريكا, ومهيأة بسط نفوذها ومصالحها واستثماراتها, خاصة وأن بريطانيا اختارت دور الظل الامريكي, بينما لاتزال فرنسا تقاوم حتى النفس الاخير عبر لملمة بشتات مجموعة الدول الافريقية الناطقة بالفرنسية في منظومة (الفرانكفون) حفاظا على الحد الادنى من نفوذها السابق ومصالحها الانية! واذا كان الرئيس بيل كلينتون قد أكد في اول تصريح صدر عنه في اعقاب عمليتي تفجير سفارتي امريكا في نيروبي ودار السلام من أن بلاده لن تنسحب من العالم, هذا يعني عدم رضوخها لارادات خصوم استراتيجياتها وسياساتها الخارجية, الا ان واقع الحال وشواهده المتباينة في العديد من مناطق ودول العالم التي طالتها الهيمنة الامريكية, تؤكد في المقابل على تململها ورفضها لهذه الاستراتيجيات والسياسات التي تتسم بالأنانية والقصور وافتقارها للتوازن والكيل بمكيالين عبر الاجحاف بمصالحها وضرب الحائط بقضاياها الوطنية والقومية المشروعة وفشلها الذريع في التعامل الديمقراطي من اراداتها السياسية, ومحاولة الهائها بتناقضاتها الداخلية وتفجير موروثاتها العرقية والاثينية والقبلية والدينية والحدودية الخ.. صحيح ان امريكا تملك من وسائل القوة والبطش والاغراء والالاعيب السياسية والمخابراتيه الكثير مما لا قبل للدول والشعوب المستضعفة على مواجهته, والصحيح كذلك انه لا قبل لها بالانتصار لقضاياها في مجلس الامن وهو أعلى سلطة دولية مسؤولة عن مراقبة أوضاع الامن وضمان الاستقرار والعداله في العالم, بعدما أصبح اليه طبعه في يد أمريكا لبسط هيمنتها وتحقيق مصالحها الكونية في ظل النظام الدولي الجديد, وفرض العقوبات الدولية اذا لزم الأمر على الدول والشعوب التي ترفض الوصايه والتبعيه والاستكبار الامريكي و.. الامثلة كثيرة وماثلة لاتحتاج الى الاشارة أو التنويه. لكن على حد دعاء بعض فرق الصوفيه والدراويش عند الشدائد والملمات العصيبة التي يصعب مواجهتها (يابركة العجز) وهو تعبير غيبي يجسد الواقع العملي لقوة الضعف أو ضعف القوة, على نحو ما يشهده العالم من أعمال المقاومة ومظاهر العنف ضد المصالح الامريكية والرعايا الامريكيين, كونها ارض امريكية وكونهم مواطنين منحوا اصواتهم الانتخابية للاحزاب والزعامات والاجهزة والمؤسسات الامريكية التي تسومهم الظلم الذي لا قبل لهم بمقاومته ورفضه, الا عبر هذه الاساليب القبيحه والمستهجنة من الرأي العام الامريكي المنشغل بهمومه اليومية ومصالحه الذاتية عن متابعة سياسات بلاده الخارجية, والاضطلاع بدور فاعل في تصحيح اخطائها الا عندما يشاهد مرأى نعوش ضحاياه على شاشات التلفزيون كما حدث في فيتنام ولبنان والصومال واخيرا في نيروبي ودار السلام. جدير بالذكر ان اهتمامات امريكا بافريقيا ظلت شبه معدومه زهاء قرنين, لكنها على مستوى المصالح قديمة قدم المراحل التاريخية لنشأة المجتمع الامريكي, وسابقة لحروبه الاهلية وقيام نظامه الجمهوري, وهي علاقة تتسم بالغبن والقهر والمظالم عبر ممارسات شركاتها ووكلائها لتجارة الرقيق واختطاف الاطفال والشباب وتشغيلهم في المزارع وقطع الاخشاب في الغابات وعمال في المصانع والمناجم ومد خطوط السكك الحديدية وخدم في البيوت على نحو ما جسده الفيلم السينمائي الامريكي (الجذور) وما ترويه سجلات التاريخ عن شراء الرقيق او مبادلتهم بالخرز الملون وكذا ما سجله كتاب (الخديوي اسماعيل المفترى عليه) الذي كتبه بيتر كرات وهو امريكي كان يشغل منصب قاضي في المحاكم المختلطة التي كانت تختص بنظر قضايا الاجانب ابان فرض الامتيازات الاجنبية على مصر عهد ذاك, وروى فيه حكاية العلم الامريكي الذي كان يرفرف فوق المراكب الشراعية والسفن النيلية التي كانت تحمل ابناء الجنوب السوداني المختطفين تحت اشراف قناصل الولايات المتحدة وذلك في معرض دفاعه عن دور الخديوي اسماعيل في تحريم تجارة الرقيق وحربه الشعواء التي شنها في مواجهة الوكلاء المحليين والشركات الاوروبية والامريكية التي كانت تمارس شتى عمليات الاختطاف والتغرير ونقل الرقيق من افريقيا الى امريكا عبر رأس الرجاء الصالح والمحيط الاطلسي! وتلك كانت عقدة نفسية لدى الافارقة وعقبة كأداء ظلت تعطل تفعيل الدور الامريكي في افريقيا ولا تزال خاصة بعدما رفض الرئيس الامريكي الاعتذار عن ذلك الجرم التاريخي خلال جولته الافريقية غير المسبوقة بداية هذا العام وكما لوح اسلافه للافريقيين بالخرز الملون راح يمنن الافارقة بفرص التبادل التجاري عوضا عن القروض والمعونات الامريكية او الاعفاء من المديونيات الباهظة التي تكبل الاقتصاديات الافريقية وحرمانها من التنمية والازدهار! في هذا السياق جاءت زيارة الرئيس بيل كلينتون لست دول افريقية التقى خلالها بزعاماتها وزعامات دول افريقية اخرى اثر جولة تمهيدية سابقة لوزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت لاستطلاع الموقف وتحديد اولويات القضايا التي تضمنتها اجندة زيارة كلينتون التي اصطحب خلالها عددا ضخما من اعضاء مجلس الشيوخ والنواب ورجال الاعمال الامريكيين ووفدا يمثل الصحف واجهزة الاعلام الامريكية والعالمية وعشرات الملفات والتقارير حول الشأن الافريقي! ولعل ابرز ما اسفرت عنه جولة مادلين اولبرايت التمهيدية تركيزها على نسج خيوط الاستراتيجية الامريكية الجديدة في منطقتي البحيرات العظمى والقرن الافريقي كمرحلة افتتاحية لما بعدها من مراحل لترتيب اوضاع غيرها من المناطق الافريقية تباعا! وكما عجلت الادارة الامريكية بنهاية الرئيس جعفر نميري بعد استنفاذ اغراضه بعد فضح دوره في عملية تهريب اليهود الفلاشا من اثيوبيا الى اسرائيل عبر اراضي واجواء السودان تحت اشراف وتمويل (السي اي ايه) وعجلت من قبل نهاية خصمها ميلتون ابوتي المثقف والمقبول شعبيا في يوغندا ونصبت مكانه الديكتاتور عيدي امين كذلك اخترقت امريكا منطقة نفوذ فرنسا في زائير وسبقتها في التعجيل باحتواء حركة التمرد ضد موبوتو سيسي سيكو ونصبت مكانه لوران كابيلا وهو قائد عسكري محلي ضيق الافق لم يكن يوما احد زعامات المتمردين يزعم استعداده لارساء قواعد الديمقراطية في الكونغو وقدرته على حل المشكلات العرقية الواجبة واحلال صيغة للوحدة الوطنية وعلاقات افضل مع دول الجوار! وبينما كان رهان المراقبين على مساندة امريكا للرئيس اليوغندي يوري موسيفيني الذي يحكم بلاده بصيغة ديمقراطية الحزب الواحد وتنصيبه زعيما اقليميا قادرا على تنفيذ استراتيجيتها الكونية في منطقة البحيرات العظمى الا ان حسابات الاجهزة الامريكية المتعجلة فضلت كابيلا فماذا كانت النتيجة؟ مذابح عرقية وحركة تمرد خطيرة تحاصر العاصمة كينشاسا وحلفاء الامس من العناصر الوطنية ودول الجوار انقلبوا الى اعداء لكابيلا منذ عودته من زيارة قام بها الى كوبا التي تصنفها امريكا ضمن اولويات اعدائها ونكتفي للتدليل على فشله في انجاز المهمة الامريكية التي استندت اليه عبر اول تقرير صادر عن الامم المتحدة في يوليو الماضي عن الاوضاع في جمهورية الكونغو الديمقراطية واكد على ان امريكا تتغاضى عن اساليبه البشعة في التنكيل العشوائي بخصومه وارتكاب جنوده العديد من المذابح البشعة ضد لاجئي قبائل (الهوتو) العزل من السلاح وانه اصبح صورة كاربونية للديكتاتور الصربي رادوفان كاراديتش واكثر فسادا من سلفه موبوتو , اكثر من ذلك يؤكد التقرير ان بيل ريتشاردسون السفير الامريكي في الامم المتحدة اعاق مهمة المفتشين الدوليين في تقصي الحقائق ومنع هبوط طائراتهم في المطارات القريبة من المقابر الجماعية للهوتو بعد ان حددت صور الاقمار الصناعية مكانها ومازالت اجهزة الاعلام العالمية تواصل متابعة الفشل الذي منيت به الاستراتيجية الامريكية الكونية في منطقة البحيرات العظمى بينما يتوقع المراقبون تعجيلها بالتخلص من كابيلا وتنصيب غيره وهلم جره. اما في القرن الافريقي فقد بدأت امريكا في رسم سياستها لاحتواء المنطقة والسير في فلك القطب الاحادي الاعظم عبر مهمة مساعد وزير الخارجية للشؤون الافريقية الاسبق هيرمان كوهين في مؤتمر لندن الشهير الذي جمع الفرقاء الاثيوبيين والاريتريين بدعوى توحيد نضالهما المشترك ضد النظام الشيوعي في اديس ابابا الذي كان يتزعمه منجستو هيلاماريام ومن لندن عاد ملس زيناوي الى اديس ابابا رئيسا لاثيوبيا واسياسي افورقي الى اسمرا رئيسا لاريتريا. بعدها وصلت مادلين اولبرايت الى منطقة القرن الافريقي ووزعت الادوار والمهام على زعاماتها فيما وزعت ايضا خمسين مليون دولار على دول المنطقة وصفقات السلاح المجاني بحجة الوقاية من عدوان نظام الجبهة الاسلامية في السودان فيما التقت بعدد من قيادات التجمع الوطني الديمقراطي المعارض ووجهتهم علانية بتسريع وتيرة اسقاط النظام السوداني بالوسائل المتاحة سياسيا وعسكريا. وبقية فصول المأساة لاتزال ماثلة عبر الاقتتال المفاجىء بين اريتريا واثيوبيا حول قضايا حدودية واقتصادية بينما واقع الامر يؤكد على ان الاسباب والدوافع الحقيقية تكمن في التعامل الامريكي الخاطىء مع الموروثات العرقية والتنافس على زعامة القومية.