بناء على حقهم في تقرير المصير, يستطيع الفلسطينيون تحديد عاصمتهم السياسية والادارية من بين مدنهم وحواضرهم, هذه الحجة تكفي وحدها لدحض الموقف الصهيوني من إختيار القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية , بيد أنه حتى لو كان الفلسطينيون قد انحازوا لفكرة القدس كعاصمة لهم, بناء على مجرد موقعها الديني الروحي لديهم, واستقطابها لمشاعرهم من هذا المنطلق, لما وقع عليهم أي لوم. وذلك على الأقل, لان الحركة الصهيونية ذاتها, ما انفكت تؤسس المركزية المدنية في مشروعها على الاعتبارات الدينية برغم اسطوريتها الفاضحة. والواقع ان العواصم تتشكل وتأخذ مكانتها المركزية, بناء على عوامل عديدة, قد تكون بينها النوازع الدينية. وبالنسبة للقدس, فانه ليس صحيحا انها تبوأت مقعد الصدارة بين مدن فلسطين بناء على الاصرة الدينية فقط. لقد كانت عاصمة الاقليم الفلسطيني بحكم التقاء مجموعة العوامل الجغرافية والسكانية والاقتصادية .. الخ, التي تؤهل أية مدينة في اقليمها لتكون عاصمة له. وقد فطن الوسيط الدولي برنادوت منذ خمسين عاما الى هذه الخاصة, وذكر في رسالة له مؤرخة في 6 يوليو 1948 بأن (أية محاولة لعزل هذه المدينة سياسيا أو بغير ذلك عن الاقليم المحيط بها (فلسطينيا) تثير مصاعب جمة) . وفي التفصيلات نلاحظ أنه حين كانت فلسطين جزءا من كلّ إقليمي أكبر, كانت القدس مركز هذا الجزء وقلبه, وفي منتصف القرن 19, كانت متصرفية القدس تمتد على 80 بالمئة مما عرف لاحقا بفلسطين الانتدابية, وتمتعت بحكم ذاتي ضمن الدولة العثمانية صاحبة السيادة. وقد استحقت القدس هذا الموقع, ليس فقط بسبب مقامها الديني الرفيع, وانما لانها كانت ايضا مركز الحركة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية في محيطها الفلسطيني ومحور مؤسسات هذه الحركة. لقد عرفت فلسطين الطباعة للمرة الاولى في القدس, وكانت مكتباتها الأكبر والاشهر في البلاد. وقبل 1984 كان بها ماينيف عن 49 مكتبة خاصة وعامة, شكلت في مجموعها اكثر من ثلثي المكتبات في مدن فلسطين كلها. ومن بين 217 مطبوعة صحفية فلسطينية في الفترة الممتدة من عام 1871 الى عام 1968, اختصت المدينة وحدها بــ 106 مطبوعات بنسبة تقترب من 50 بالمائة. ومن الملفت أنه حتى بداية الحرب العالمية الاولى لم تشهد القدس صدور أية صحيفة عبرية, لعدم وجود من يكترث بها أصلا. كان طبيعيا في ظل هذا الازدهار لمؤسسات الطباعة والنشر والمكتبات ان تكون القدس هي الاغنى بين مدن فلسطين بالمؤسسات الثقافية والفكرية الادبية, والمدهش, انها تميزت حتى من غيرها من حواضر بلاد الشام. يقول أحد ادباء مطلع القرن (وقد سرني من القدس الشريف ان فيها جامعة للادباء, لم اوفق الى مثلها في دمشق أو حيفا.. ففيها ليوث الادب يأوون الى عرين خاصة بتهيبه من لم يكن في طبقتهم) . على الصعيد الاقتصادي, استحوذت القدس على مكانتها من ادارتها للحركة الاقتصادية واسواق التجارة الداخلية والخارجية, وساعد على ذلك انها كانت مركز الحكم والادارة في محيطها. وفي عهد الانتداب كان بها أكثر من عشرة آلاف موظف حكومي, ومعظم المؤسسات الاجنبية متعددة الأغراض التي اتخذت منها مقرا لها في فلسطين, مؤكدة عاصميتها للبلاد, وقبل ان يستفحل المشروع الصهيوني, وصف عارف العارف المدينة قائلا: (والتجارة رائجة في القدس, وفيها تجار يملكون ثروات طائلة, وما عرف هؤلاء الركود خلال ثلاثين سنة سوى مرة أو مرتين) . اتساقا مع هذا التراكم الحضاري, كان طبيعيا ان تتصدر القدس العمل السياسي في حدود المتعارف عليه من مؤسسات هذا الحقل, ففي أول انتخابات لمجلس المبعوثان العثماني (البرلمان) عام 1876, كان الممثل الوحيد لفلسطين من القدس. وكان يلقب بمبعوث القدس الشريف, وكأن المدينة تختصر فلسطين بمجملها. وفي انتخابات 1908 اختصت المدينة بثلاثة من مندوبي فلسطين الخمسة, وكان لها اثنان من خمسة مندوبين عن فلسطين في انتخابات 1912 وثلاثة من ستة في انتخابات 1914. وفي هذه الانتخابات الاخيرة (1914) فشل المرشح الصهيوني الوحيد (دانيال ابرافيا) على خلفية ضعف النفوذ والوجود الصهيوني في المدينة. هذ التمثيل المميز للمدينة, ضمن الحصة الفلسطينية في مجلس المبعوثان, يعبر عن المعنى المركزي للقدس, في عهد لم تكن فلسطين فيه كيانا مستقلا, على النحو المعلوم الان لمفهوم الدولة. وقياسا على حالات أخرى, يصعب التشكيك في كون القدس عاصمة فلسطينية في تلك المرحلة. ومن المفارقات الطريفة ذات الدلالة, ماورد في مذكرات (أحمد الشقيري) مؤسس منظمة التحرير الفلسطينية. وهو من ابناء عكا. اذ يروي انه اثناء تلمذته الاولى في عكا, وجه سؤالا مع أقرانه الى معلم الجغرافيا عن عاصمة فلسطين, طالما ان لكل دولة عاصمة؟ وكانت الاجابة (ان القدس هي عاصمتنا) . لقد فهم أهل فلسطين, ومنهم الشقيري الصغير ومعلمه, ان القدس هي عاصمتهم بالبداهة والطبيعة الفطرية. انسجاما مع موقعها المركزي وريادتها المؤسساتية بالمعاني غير الدينية علاوة على المعنى الديني, وهو اعتقاد لم يتغير, بالنسبة لفلسطين المحررة أو المغتصبة.. وعندما حل الانتداب البريطاني صدق على هذا الامر بلا معقب, فكانت المدينة عاصمة فلسطينية بهيئتها الجديدة. لقد كانت القدس, ومازالت, برواية الواقع ومضمونها المؤسساتي وبرواية اهلها واصحابها الفلسطينيون العرب, أهم مدن فلسطين. وكفى بأية مدينة ان تكون الأهم في محيطها الاقليمي, كي تكتسب مكانة العاصمة, بالقول أو بالفعل, أو بها معا. كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة