حتى إذا لم تكن السفارتان الأمريكيتيان في كينيا وتنزانيا قد تم نسفهما, فإن الرد الأمريكي كان سيتم والعمليات العسكرية ضد ما تعتبره أمريكا أهدافا عدائية كان سيجري تنفيذها ـ هنا أو هناك ـ عملاً بالتقاليد الأمريكية العرقية التي تجعل من هذه المغامرات العسكرية .. الطريق المضمون للخروج من المآزق التي يتعرض لها الرؤساء الأمريكيون أمام شعبهم بسبب الكذب, أو التحايل أو الفشل أو الفضائح الجنسية مثلما هو الحال الآن . وبعد (البهدلة) التي تعرضت لها الرئاسة الأمريكية, والإذلال الشخصي لكلينتون وهو يخضع للاستجواب ويشرح كيف مارس الجنس مع الآنسة (!!) مونيكا في مكتب الرئاسة, بدا الرئيس الأمريكي مثل الفأر في المصيدة,. ورغم التقارير والاستفتاءات, فقد أصبح سقوطه النهائي مسألة وقت ليس إلا, وكان لابد من عمل يصرف الأنظار, وجاءت الهدية في نسف السفارتين, ومن ثم اعطاؤه المبرر لكي يرتدي ملابس (رامبو) ويستعرض قوته أو ما بقي منها, ويصدر الأوامر بالعمليات العسكرية في أفغانستان والسودان. كانت العمليات متوقعة, ولكن المفاجأة كانت في التوقيت وفي موقع الضربات. فمن ناحية التوقيت جاء الرد سريعا, ربما ليستبق الاستجواب الثاني للآنسة مونيكا وما يمكن ان يثيره من فضائح جديدة. أما المواقع المضروبة فتثير أكثر من سؤال, فإذا كانت أمريكا قد تأكدت من المصنع السوداني هو مصنع للأسلحة الكيماوية, فكيف يتم ضربه هكذا وهو مقام وسط منطقة سكنية ودون اعتبار لما ينتج عن ذلك من أضرار للسكان الأبرياء؟ وهل المقصود حقا هو ضرب الارهاب أم الرد على تحركات سياسية شهدتها المنطقة مؤخرا, ثم إغراق المنطقة في بحر من العنف والعنف المضاد؟ أما أفغانستان.. فالأمر يبدو هناك مثل النكتة, فأمريكا تعرف أنها غير مستعدة للدخول في معركة حقيقية هناك ولا ترغب في ذلك, وهي تدرك ان أحدا لن يصدقها حين تدعو العالم لمساندتها في الحرب ضد الارهاب الذي صنعته بنفسها, ودربت كوادره, ومولت تنظيماته, وجعلتهم (المجاهدين) حين كانوا ينفذون سياستها, ووفرت لهم الحماية حين كانوا يخدمون مصالحها, ووقفت صامتة أو راضية حين كانت قنابلهم تصيب الجميع إلا الأمريكيين! الآن.. قد انقلب السحر على الساحر, تزعم أمريكا انها تخوض الحرب ضد الإرهاب حتى النهاية, ولا أحد يصدق الذين جعلوا أفغانستان محطة لتصدير الإرهاب إلى كل الدول العربية والإسلامية, والذين أسعدهم ما يجري في الجزائر لأنه يخدم أطماعهم في بترولها, وأرضاهم ان يتسلل الإرهاب إلى مصر ليستنزف قوتها وليكون أداة (العقاب) لمصر على كل موقف وطني أو قومي تتخذه.. وما أحداث الأقصر ببعيدة!! الحرب الحقيقية ضد الارهاب لا تكون بإغراق المنطقة في بحر من الدماء, وإنما تكون باعادة النظر في السياسات الأمريكية التي شجعت الإرهاب, والتي تنحاز للنازية الصهيونية وهي تقتلع شعبا من أرضه وتقيم دولة هي العنوان الحي على الإرهاب الحقيقي.. ومع ذلك تصفها أمريكا بأنها واحة الديمقراطية لأنها تختار بالانتخاب الحر من له الحق في قتل العرب! الحرب الحقيقية ضد الارهاب تكون بوقف ذبح المسلمين في كوسوفو, وبرفع الحصار عن العراق وليبيا, وبإقامة سلام حقيقي في المنطقة يعيد الأرض , ويحترم الحقوق, بدلاً من فرض الأمر الواقع, وتقديم الدعم لإسرائيل لكي تمارس أبشع صنوف البلطجة اعتمادا على مساندة أمريكا لها سياسيا وعسكريا. إن ما فعلته أمريكا ليس دليل قوة, وإنما هو دليل ضعف, وهذا ما يخيف, فنحن أمام رئيس فقد كرامته ويحاول ان يستعيدها بأي شكل, وأمام حالة عجز أمريكية كاملة عن التعامل مع مشاكل العالم, سواء بقي كلينتون في موقعه أو رحل.. فنحن أمام رئاسة فقدت هيبتها وفقدت مصداقيتها. وأمام ادارة أمريكية مهتزة وكونجرس يخضع لنفوذ أنصار الليكود في اللوبي الصهيوني. وعلى العرب ان ينتظروا أياما صعبة في ظل رئاسة أمريكية مهزوزة, وأوضاع ستكون اسرائيل أكبر مستفيد منها. ولعلها ليست صدفة ان يدعو وزير الأمن الاسرائيلي ــ في نفس اليوم الذي قامت فيه أمريكا بعملياتها العسكرية ــ إلى قصف كل المرافق الحيوية في بيروت لارغام لبنان على قبول شروط اسرائيل وإيقاف عمليات المقاومة للاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان. تتصرف اسرائيل وكأنها عصابة فوق القانون, وتتصرف أمريكا وكأنها القانون نفسه.. تعتبر الارهاب (جهادا) في سبيل الله حين تريد, وتعتبر الجهاد الحقيقي أي المقاومة الوطنية في بلاد مثل فلسطين ولبنان ارهابا, وفي كل الأحوال مطلوب من العرب والمسلمين ان يدفعوا الثمن وأن يكونوا الضحايا. الارهاب مرفوض.. بشرط ان تدرك أمريكا ان ما تفعله هو قمة الارهاب, وان اسرائيل هي الإرهاب نفسه. الإرهاب مرفوض.. والمساس بالمدنيين الأبرياء جريمة.. وعلى أمريكا إذا أرادت ان يصدقها العالم وهي تعلن الحرب ضد الارهاب, ان تحاكم مجرمي الحرب في كوسوفو وفي اسرائيل. الارهاب مرفوض.. لكن حق الشعوب في مقاومة المحتل لا مساومة فيه, وعلى أمريكا ان تعترف بذلك, وان تدرك ان انحيازها الأعمى لاسرائيل ضد الحقوق العربية لن تكون له من نتيجة إلا تعريض مصالحها للخطر. الإرهاب مرفوض.. والانحطاط أيضا! وأي انحطاط أكثر من أن تفتح أقوى دولة في العالم ترسانتها العسكرية لتقيم استعراضا للقوى لمجرد ان يتمكن رئيسها من ارتداء ملابسه بعد ان تركته احدى الغواني عاريا أمام شعبه.. وأمام العالم كله!!